الكاتبة : أسماء ناصر أبو عيّاش
عندما نكتب عن واقع ثقافي يتحرك وسط حقل ألغام من التحديات، نرى أنه من الضرورة بمكان أن نضيء على أهم معلم يعنى بالثقافة الوطنية، وأعني هنا وزارة الثقافة الفلسطينية والتي ما فتىء طاقمها يجترح السبل لحفظ الذاكرة والسردية الوطنية المناقضة والمواجهة لسردية الاحتلال الزائفة والضلّيلة. ومما لا شك فيه أن المعركة الثقافية مع المحتل هي من أعقد المعارك المتواصلة بعد خسران البنادق وهجران الخنادق! إذ تعتبر الثقافة بكافة سماتها المكون الأساس للهوية الوطنية ووسيلة من وسائل الصراع والتحريض ونشر الوعي، وهي منظومة الأفكار والمعتقدات والإبداعات التي تصوغ وعي الجماعة باتجاه فعل تغيير الواقع، فمهمة ووظيفة الكلمة، الإسهام في فعل المقاومة والتغيير.
عانت الثقافة الفلسطينية من نكبات متلاحقة جراء الاحتلال الاسرائيلي والاستعمار البريطاني منذ بدايات القرن الماضي وليس انتهاءً بالعام 1967، وأدت تداعيات هذا الاحتلال إلى تدمير المنجز الثقافي والعديد من معالم الثقافة الوطنية.
وفي مبادرة تسجل لوزارة الثقافة ممثلة بالوزير عماد حمدان، نظمت دائرة الآداب ممثلة بمديرها العام وطاقمها مؤتمرًا عقد على مدار أيام ثلاثة ضم نخبة من المثقفين حول أدب المقاومة ـ أدب السجون، وقد تكلل هذا الجهد وبالتوازي، مع زيارات نظمتها وزارة الثقافة لبعض المواقع المستهدفة من قِبل الاحتلال وقطعان مستوطنيه، في فعل يمكن وصفه بـ (الثقافة المشتبكة) التي لم تحدها المكاتب بل تركز على الفعل المقاوم في مواجهة السياسات الاحتلالية والتحولات الملموسة على الأرض.
تواجه المؤسسات الثقافية في فلسطين تحديات بنيوية غير نمطية؛ فالعمل الثقافي هنا لا يُقاس بمعايير الاستقرار والرفاهية، بل بمدى قدرته على حماية الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية في ظل جغرافيا ممزقة وحصار يطال المكونات المادية واللامادية للتراث. وفي هذا السياق، خضع أداء وزارة الثقافة الفلسطينية مؤخراً لتقييم يبتعد عن دور الرعاية الإدارية التقليدية، واتجه نحو مأسسة السياسات الثقافية.
*سبسطية عاصمة التاريخ المقاوم فوق تلال نابلس ..
لعل سائل يسأل هل مثل هذه المبادرات تأتي أُكُلها مقابل ما يقوم به جيش الاحتلال ومستوطنيه على الأرض؟ لقد كفلت الشرائع الدولية وشرعة حقوق الإنسان حق الشعوب الرازحة تحت الاحتلال بمقاومته بكافة السبل والوسائل، وبالتالي فإن ما قامت به وزارة الثقافة من زيارة لبلدة سبسطية والتي عمد الاحتلال فيها إلى نهب الذاكرة والتاريخ والآثار التي تعود لحقب تاريخية ضاربة في التاريخ في محاولة منه لطمس أي معلم يؤكد على وجود أهل الأرض.
تعد هذه البلدة من أكثر المواقع التي تتجلى فيها معركة السردية والموروث في فلسطين، وتكثّف بوضوح كيف يتحول التاريخ والأثر إلى ساحة مواجهة يومية.
على بعد قرابة 12 كيلومتراً شمال غرب مدينة نابلس، تتربع البلدة التاريخية كأحد أقدم الحواضر المأهولة في فلسطين، مشكّلةً متحفاً طبيعياً مفتوحاً يروي تعاقب الحضارات الإنسانية، وفي الوقت ذاته، نموذجاً حياً لسياسات السيطرة والاستهداف الإسرائيلي للموروث الثقافي الفلسطيني بل؛ يتجاوز الاستهداف الإسرائيلي لسبسطية فكرة السيطرة العسكرية، إلى محاولة "أسرلة الحيز" وإعادة صياغة هوية المكان.
ولعل الورقة الأقوى حالياً لحماية سبسطية تسجيلها على لائحة التراث العالمي لليونسكو، هذا على الصعيد الرسمي أما على الصعيد المحلي فإنني أميل للاعتقاد بأن السياحة المحلية وتنظيم الفعاليات والزيارات المؤسسية وتثبيت الناس على الأرض هو ما يمنع التهويد الفعلي للمكان.
كان لتلك الزيارة وعلى أهميتها تفرعات في زيارة لمحافظة مدينة نابلس المحتلة ودار البلدية، وقد أفاض كل من المحافظ والسيدة رئيس البلدية في الإضاءة على ما تواجهه المدينة من تحديات تطال كل مناحي حياة المواطن من تضييق ومصادرات وحواجز احتلالية.
بلدة سنجل ..
في طريق العودة من بلدة التاريخ سبسطية، كان لا بد من أن نعرّج على موقع يعتبر نموذجًا حيًا وصارخًا لسياسة التغول والاستيطان التي تعيشها الضفة الفلسطينية المحتلة، بلدة سنجل، تلك البلدة الوادعة تعانق السحب وتعتلي تلال شمال رام الله المحتلة، وقد كان لطاقم دائرة الآداب في الوزارة لقاءٌ مع رئيس بلديتها، ولعل إدراج ذاك اللقاء في معرض حديثي عن مبادرات وزارة الثقافة يعود لأهمية البلدة من حيث الموقع واستهداف الاحتلال ومستوطنيه مصادرةً للأرض واعتداءً على المواطنين وســلبهم ممتلكاتهم وحتى ـ كما جرت العادة دون رادع ـ سلبهم مواشيهم وأغنامهم على مرآى ومسمع العالم. لقد تمكن رئيس البلدية وبمبادرة ذاتية من استنهاض مثلبة رائدة لدى مواطني البلدة وجمع التبرعات والتي فاقت أضعاف المطلوب، لتعويض أصحاب المواشي المنهوبة والعديد ممن طالتهم قوات المستوطنين المدججين بالسلاح والمحميين بجنود الاحتلال سلبًا وخرابًا وتدميرا ومصادرة، في خضم مواجهة وجودية شرسة ضد مخططات التوسع الاستيطاني والتي تحولت إلى هدف يومي لاعتداءات قوات الاحتلال ومستوطنيه، ضمن استراتيجية واضحة تهدف إلى خنق البلدة.
أمام هذا التغول، برز دور بلدية سنجل ورئيسها كخط دفاع أول لمأسسة الصمود الميداني والتصدي وإنشاء صندوق التكافل والتعويض نظراً لفداحة الخسائر التي يتكبدها المزارعون والرعاة جراء سرقة مواشيهم وتدمير محاصيلهم، فأطلقت البلدية حملات واسعة لجمع التبرعات، الهدف منها ليس مجرد إغاثة، بل تقديم تعويضات مالية عاجلة للمتضررين وتعويضهم عما سرقه المستوطنون ولتمكينهم من شراء مواشي وإعادة استصلاح أراضيهم، كأداة مباشرة لكسر أهداف الاحتلال بإفراغ الأرض.
هنا لا بد من التأكيد على ضرورة تفعيل مثل هذه المبادرات وتعميمها على كافة مؤسسات السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال لترسيخ وتثبيت فكرة الصمود ومواجهة الهجمة الاستيطانية المسعورة والشاملة على الفلسطيني في كل فلسطين.
الدبلوماسية الثقافية ..
إن نجاح الوزارة في الانتقال بالثقافة الفلسطينية من موقع الدفاع والصمود إلى موقع التأثير يظل رهناً باستدامة التمويل وتوسيع دائرة الشراكة الحقيقية مع المبدعين والمؤسسات الأهلية، باعتبارهم صناعاً للمشهد وليسوا مجرد شهود عليه، كذلك تفعيل دورها على الساحتين المقدسية والغزية وما أحدثه العدوان الإسرائيلي من تدمير للمنجز الحضاري والثقافي في غزة المحتلة، كذلك تفعيل الحضور الفلسطيني في المنتديات الدولية والعربية، وبناء شراكات تهدف إلى تحويل التضامن الدولي إلى تحالفات ثقافية استراتيجية طويلة الأمد.
*كاتبة ومؤلة فلسطينية تقيم في رام الله



