الكاتب: د. رائد ناجي
بلقاسم خمار لم يكن شاعراً عادياً، بل كان صوتاً يرتفع من عمق التاريخ، رسولاً للحرف الذي لا يموت، ناطقاً بما لا يجرؤ الزمان على قوله. في اللحظة التي رفعت فيها الجزائر راياتها حرة مستقلة، وفي الوقت الذي كان فيه القلب يفرح بانتصار الجزائر، كتب بلقاسم لفلسطين، معلناً أن قلوب الأحرار لا تعرف حدوداً عندما يتعلق الأمر بالكرامة والحرية. هكذا جمع بين فرح الاستقلال ووجع الأرض المحتلة، بين صمت الألم وضجيج الانتصار.
كنت أجلس في الليالي أحاور نصّه، أسمع خطواته على دروب الكلمات، كأنّه لا يكتب فحسب، بل يستدعي الرياح لترافقه في كتابة مصائب الشعوب وأغاني الأمل. كتب لفلسطين في لحظة نصر الجزائر، وكأن دماء شهدائنا تسير في عروق قلمه. كانت قصيدته ليست للقراءة فقط، بل للرؤية، للشعور، للاستماع بعمق إلى وجدان كل حرّ.
نصّه لم يكن عبثاً أو كلمات تمر مرور الكرام، بل مدونة نداءات لكل حرّ في العالم، صرخة ترفض الانكسار والنسيان. فلسطين أمامه لم تكن خريطة، بل وجع يعيش ويُعاش، وكتابة نصّه كانت تلامس الشمس بأصابع الشعر، لتشعل القلوب قبل الأوراق.
في زاوية ذكرياتي، تساءلت: كيف يولد الألم فرحاً، وكيف يولد الفرح ألماً؟ وكيف لقلب أن يسع فلسطين في وقت كانت الجزائر تحتفل فيه باستقلالها؟ هكذا بدا بلقاسم، شاعر يكتب بين دمعة الترحّم وفرحة الانتصار، ينظر إلى فلسطين كما ينظر إلى قلبه، وإلى كل أرض تحت نير الظلم.
حين كتب شعراً لفلسطين، لم يكتب مجرد أبيات تُقرأ وتُنسى، بل كتب صدى الأيام القادمة، أعلن أن فلسطين ستكون نبضاً في صدر كل من يؤمن بالحرية. كلماته لم تكن عابرة، بل تحوّلت إلى كتاب مقدس، لا يُنطق إلا بعد أن تبكي له الجدران وتدمع له الأعلام. نصّه خلّد مع الزمن، ليصبح صرخة ضد النسيان، متراساً في وجه الظلم.
الجزائر تحتفل باستقلالها، وفرحها عظيم، لكن نص بلقاسم كان أكبر من الفرح، لأنه جعل الاستقلال بداية، لا نهاية. نصّه يذكّرنا أن الشعراء هم الجنود الحقيقيون في حروب الوجدان، وأن الكلمة، حين تُستعمل بحقّ، تصبح سيفاً لا يُكسر.
نصّه لم يكن خطاباً عابراً، بل وعداً يبقى في الذاكرة، نصّاً يُعاد قراءته كلما اشتعلت نار الظلم في أي مكان. جعل من فلسطين قصيدته، ومن قصيدته منصة خلّدتها الأيام. لا يعرف لنصّه زماناً ينتهي، ولا لقصيدته حدوداً.
في زمن يضطرب فيه الحسّ بالضعف، نحتاج إلى نصوص مثل نص بلقاسم، نصوص لا تُكتب فقط، بل تُعاش، تُقرأ في لحظات البكاء والفرح معاً، لتذكّرنا أن الإنسان حين يحيا بقلب واحد، يستطيع أن يرى الحرية في كل مكان.
إنّه بلقاسم خمار، الشاعر الذي كتب لفلسطين أثناء احتفالات استقلال الجزائر، ليعلّمنا أن الحرية ليست كلمة تُقال، بل فعل يُعيشه القلب قبل اللسان، وأن فلسطين ليست مكاناً فقط، بل قضية تُكتب فيها ألف قصيدة، وتُغنّى فيها ملايين الأنغام. الأحرار في كل زمان ومكان هم من يحملون شعلة النصّ الحرّ، الذي لا ينطفئ.
هكذا كان بلقاسم خمار، وهكذا يبقى نصّه لفلسطين حيّاً فينا، كما يعيش في كل من يؤمن أن الحب بقلب واحد لا يحتاج إلى حدود، وأن النصّ يمكن أن يكون نوراً لا يخبو، وصرخة أجيال في مواجهة الظلم، وفلسطين التي سيظل الشعراء يكتبونها في كل لحظة انعتاق.
*الجزائر



