نابلس - سامر خويرة - استيقظ أبناء مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، اليوم الأحد، على مشهد جديد، لكنه كان صادماً لهم، إذ شاهدوا بأمّ أعينهم عشرات البيوت المتنقلة "الكرفانات" التي نصبها مستوطنون داخل البؤرة الاستيطانية التي أقيمت خلال شهر مارس/آذار الماضي، على قمة جبل عيبال المعروف لدى أهل المدينة بـ"الجبل الشمالي".
وجبل عيبال هو أحد جبلَين يحتضنان مدينة نابلس مع جبل جرزيم الجنوبي، ليشكلا المدينة المعروفة تاريخياً أيضاً باسم "دمشق الصغرى". وبحسب تقارير محلية، فإنّ إقامة البؤرة الجديدة تمت بمشاركة مباشرة من مجلس مستوطنات "السامرة" وحركة الاستيطان "أمانا"، إلى جانب إدخال طلاب من مدرسة دينية زراعية إلى الموقع بهدف تثبيت الوجود الاستيطاني وتحويل البؤرة إلى تجمع دائم.
كما شارك حاخامات وقادة استيطانيون في تدشين الموقع، في مؤشر على البعد الأيديولوجي والديني للمشروع الاستيطاني الجديد.
ونشرت صفحات المستوطنين على منصات التواصل الاجتماعي، صوراً للعشرات منهم وهم يقفون على تلة تطل على نابلس والتقاطهم للصور هناك، وسط تحذيرات فلسطينية من مخطط يستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض وتحويل الموقع إلى مستوطنة دائمة.
وأفادت مصادر محلية بأن مجموعات من المستوطنين أدخلت "الكرفانات" إلى قمة جبل عيبال، تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي فرضت إجراءات مشددة في محيط المنطقة ومنعت المواطنين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم القريبة.
وبحسب شهود عيان، فإن عمليات التوسعة الاستيطانية تجري بوتيرة متسارعة خلال الأسابيع الأخيرة، إذ شرع المستوطنون في تجهيز البنية التحتية الأساسية داخل البؤرة، بما يشمل تمديدات للمياه والطاقة وشق طرق ترابية، في مؤشر واضح على نية تثبيت وجود استيطاني دائم فوق أراضي الجبل.
من جهته، قال المختصّ في شؤون الاستيطان رائد موقدي، "إنّ ما يجري في جبل عيبال "ليس عملاً عشوائياً أو مؤقتاً، وإنما يأتي ضمن خطة إسرائيلية متكاملة تهدف إلى السيطرة على قمم الجبال والمواقع الاستراتيجية المحيطة بمدينة نابلس".
وأكد موقدي أن سلطات الاحتلال "تتعمد توفير الحماية الكاملة للمستوطنين خلال عمليات إقامة البؤر الاستيطانية، ثم تبدأ لاحقاً بفرض الوقائع القانونية والعسكرية التي تفضي في النهاية إلى شرعنتها وتحويلها إلى مستوطنات قائمة".
وأوضح موقدي أن البؤرة المقامة على جبل عيبال تحمل أبعاداً خطيرة، نظراً للموقع الجغرافي المرتفع الذي يشرف على أجزاء واسعة من مدينة نابلس والبلدات والقرى المحيطة بها، الأمر الذي يمنح الاحتلال سيطرة أمنية وميدانية إضافية على المنطقة.
وأشار موقدي إلى أن الاحتلال يعتمد في كثير من الأحيان على ما يسمى "الرعي الاستيطاني" للسيطرة التدريجية على الأراضي الفلسطينية، موضحاً أن المستوطنين يبدأون بإقامة نقاط صغيرة متنقلة، قبل تحويلها لاحقاً إلى تجمعات ثابتة مدعومة بالبنية التحتية والخدمات.
وأكد موقدي أن جبل عيبال يمثل "هدفاً استيطانياً قديماً"، نظراً لأهميته الجغرافية والدينية بالنسبة لجماعات المستوطنين، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال تسعى إلى ربط البؤر الجديدة بشبكة الطرق الالتفافية والمستوطنات القائمة في المنطقة.
وبيّن موقدي أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في وتيرة إقامة البؤر الاستيطانية في شمال الضفة الغربية، خاصة في محيط نابلس وسلفيت والأغوار، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم.
يذكر أن منطقة جبل عيبال تشهد مؤخراً تصعيداً استيطانياً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، بعد شروع المستوطنين بإقامة بؤرة استيطانية جديدة فوق أعلى قمم الجبل، في خطوة وصفها مراقبون بأنها محاولة لفرض واقع استيطاني دائم في المنطقة.
وقال الناشط مؤيد صوالحة من بلدة عصيرة الشمالية شمال نابلس لـ"العربي الجديد": "إن وجود البؤرة الاستيطانية تسبب منذ إنشائها في زيادة القيود العسكرية وإغلاق بعض الطرق الزراعية، إضافة إلى تكرار اقتحامات المستوطنين للأراضي المحيطة بالجبل".
وعبّر صوالحة عن خشية أهالي المناطق القريبة من جبل عيبال من أن تؤدي التوسعة الاستيطانية الجديدة إلى مصادرة المزيد من الأراضي الزراعية ومنعهم من الوصول إليها، خاصة بعد تكرار اعتداءات المستوطنين بحق المزارعين خلال الفترة الماضية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار التوسع الاستيطاني في محيط نابلس سيؤدي إلى مزيد من التوتر والمواجهات، خاصة مع تمسك الفلسطينيين بأراضيهم ورفضهم محاولات الاستيلاء عليها بالقوة.



