الكاتب : عبد الهادي بركة
على عادتها، تبدو الشعوب العربية في حالة من الثبات المفارق، لا تكاد تستوعب حقيقة ما يجري في محيطها؛ وكأنها أصيبت بـ "عمى جمعي". هذا العمى ليس محض صدفة، بل هو جزء من "حرب الدعاية،وتهيئة المكان بطبيعته الجغرافية،والديمغرافية..." مُخطط لها بدقة لاختراق الدول وتفكيك بنيتها الاقتصادية.
العمى الجمعي : أسلوب مارسته النازية ببراعة عقب صعود أدولف هتلر للسلطة عام 1933؛ حيث عمل على "تسميم" الوعي الفرنسي عبر طمأنته بوهم السلام. وبأن ألمانيا -التي وقعت صك الاستسلام في الحرب العالمية الأولى- لن تعود للحرب، وأن السلام هو غايتها الأسمى. وبينما كانت تُغزل خيوط "الدعاية" لتخدير النخب والمؤسسات الصحفية في فرنسا وأوروبا، كانت تبنى القلاع وتعد الشباب المقاتلة، وتجهز الحصون وتشترى الاسلحة المواكبة لطبيعة المرحلة، تمهيدا لإجتياح القارة بأكملها، ومباغتة فرنسا أخيراً...
ربما الكيان الصهيوني استنسخ النموذج لكون المغلوب في عادته يتقمص شخصية القوي في حالة تسمى" التعويض " يمارسه على الضعفاء...
هكذا هو الواقع العربي الراهن شبيه بما حدث في الحرب العالمية الثانية؛ حيث المصيدة الإسرائيلية ما زالت تنصب شباكها منتظرة مكاسب "الحفر" الذي أحدثته. فبينما تستفرد بالقضية الفلسطينية وتشن حروباً متكررة على غزة، وتسلب الأرض بالاستيطان، وتقيد الجهود الدولية للحل، وتعمل على محاصرة السلطة سياسياً ومالياً، نجدها تتعامل مع بعض النظم العربية ذات الصلة بـ "حكومة الأمر الواقع" في غزة، وتقدم لها الاستشارات والدعم المادي المحدود (الذي عرف فيما بعد بـ "شنطة العمادي"). هذه الأدوار ساهمت في تعزيز الانقسام وتقوية فصيل على حساب السلطة الفلسطينية، ما أدى لترسيخ سلطة أمر واقع في غزة دامت عشرين عاماً، تخللتها عدوانات دفع ثمنها المواطن البسيط، وما زالت حرب الإبادة مستمرة.
وبالتالي، تكمن مشكلتنا في سرعة تبني اتجاهات محددة دون النظر لمآلات المرحلة؛ اتجاهات لا تشكل سوى حالة من الاستقطاب وتغييب الرؤية. إن طبيعة ما جرى ويجري يستوجب منا التفكير بعمق بدلاً من الانزلاق نحو "الاستقطاب الحاد" وتبادل الاتهامات؛ فالاحتلال -بمساندة أمريكية- يغذي هذا الشرخ عبر أدواته الإعلامية، حتى وصل الأمر ببعض وسائل الإعلام العربية لعقد بث مباشر مع وسائل "اعلام اسرائيلية"، في مشهد يتجاوز "التطبيع" إلى ما هو أخطر.
من المؤسف أن تصل "النخب السياسية" المحسوبة علينا إلى هذا المستوى الضحل من الرؤية. فالأولوية الآن ليست في "من مع ومن ضد"، بل في تفكيك مآلات هذه الحرب، وكيفية اقتلاع ما غرسه الاحتلال منذ عقود لبسط نفوذه الصهيوني في المنطقة العربية.
وبالمناسبة، الحرب دائماً مقرونة بالخسائر، وربما الدول العربية تدفع أثمانها باهظاً لتعجيل نهايتها بأي ثمن كان؛ لأن استمرارها ينعش الكيان الصهيوني وأمريكا، كما ان الدول العربية هي من تدفع الكلفة من اقتصادها وبنيتها التحتية واستقرارها. لذا، حريّ بنا -نحن الفلسطينيين أولاً- أن ننشغل فيما نحن فيه من ابادة مستمرة ونعالج واقعنا السياسي تمهيدا لما سيكون عليه الوضع .... هل أعددنا أنفسنا لهذه المرحلة
؟ هل صغنا حلولاً وطنية تخرجنا من ضيق الأفق؟
إن الاستمرار في عقلية الاصطفاف "الرجعية" يعكس محدودية التفكير لدى النخب، ويمنع التفكير الاستراتيجي اللازم لمواجهة عملية "هندسة المنطقة.



