الكاتب : د. مروان إميل طوباسي
في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة لا يمكن لنا إلا أن نقف في صف معاداة العدوان الثنائي الذي يستهدف استقرار وحريات الشعوب ومقدرات المنطقة . يخطئ من يختزل ما يجري في كونه مواجهة بين إسرائيل وإيران ، أو صراعا يمكن قراءته من زاوية المواقف الأيديولوجية أو الطائفية . فالحقيقة الأعمق أن هذه الحرب العدوانية في جوهرها ، تدور حول إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ، بما يخدم مشروع الهيمنة الإسرائيلية – الأمريكية ، وبما يضع القضية الفلسطينية في قلب الأستهداف لا على هامشه .
صحيح اننا قد نختلف مع السياسات الإيرانية بالمنطقة من حيث تدخلها عبر السنوات الماضية في شوؤن عدد من الدول العربية وربما مع مشروعها ، لكننا لا نستطيع كشعب يعاني القهر والأضطهاد وشعب حَمل ممثله السياسي "منظمة التحرير" راية حركات التحرر بالعالم ، أن ننزلق الى جانب سردية مرتكبي جرائم التاريخ المعاصر وإلى جانب الدفاع عن قواعد الإستعمار الامريكي بالمنطقة التي لا شأن لها بالدفاع أصلاً عن مصالح الدول العربية .
وصحيح أن هناك اختلافا في الأهداف بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب ، إلا أن هذا التباين لا يلغي التقاطع الاستراتيجي العميق بينهما . فنتنياهو يسعى إلى تكريس إسرائيل كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة ، مستفيدا مما يراه “نافذة فرصة تاريخية” لفرض رؤية اليمين الإسرائيلي بل والأحزاب الصهيونية كافة لما يسمى “إسرائيل الكبرى” ، عبر تفكيك أي قوة إقليمية يمكن أن تشكل توازنا أو رادعاً .
في المقابل ، تنظر الولايات المتحدة إلى الصراع من زاوية أوسع ، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية ، وعلى رأسها السيطرة على مفاصل الطاقة العالمية وإضعاف منافسين كبار كالصين وروسيا ومحاولات تعطيل مسار التحول بالنظام الدولي .
في هذا السياق ، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية ، بل أداة لإعادة هندسة الإقليم . شرق أوسط مفكك وضعيف ومثقل بالأزمات ، هو البيئة المثالية لفرض وقائع جديدة تتمثل في دول عربية منشغلة بأمنها الداخلي وبتوريطها في صراع مع ايران ، أكثر استعداداً للتطبيع وأقل قدرة على الأعتراض على استمرار الأحتلال الأستعماري ، سواء في الضفة الغربية أو غزة ، أو حتى في امتدادات إقليمية مثل سوريا ولبنان وبالتهديدات الجارية ضد الأردن على لسان غلاة أحزاب اليمين الديني بأسرائيل .
غير أن العامل الاقتصادي يظل عنصرا إضافياً هاما في ضبط إيقاع هذه الحرب العدوانية وحدودها في اطار اطماع النظام المالي بالولايات المتحدة اضافة الى مصالح اللوبي الصهيوني الانجيلي ومجمع الصناعات العسكرية . فإمكانية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز يمثل تهديدا مباشرا للاقتصاد العالمي ، رغم إعلانها باغلاقه فقط في وجه اعدائها ، نظرا لكونه أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم . أي تعطيل لهذا الممر سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة ، وإلى أزمة اقتصادية دولية ، وهو ما يتناقض مع المصالح الأمريكية التي تسعى الى الحفاظ على البترودولار كنظام مالي وإلى إدارة الصراع بما يخدم مصالحها ، لا تفجيره بشكل شامل ، الا انه من الواضح اليوم ان تلك السياسات سترتد على من انشأها . من هنا ، يمكن فهم حرص واشنطن على خوض حرب “مضبوطة”، تحقق أهدافها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة غير قابلة للسيطرة ، كما يسعى نتنياهو لها وبما سيكون لذلك من اثار مرتدة على نظام الهيمنة الأحادي .
أما الحديث عن “إسقاط النظام” في إيران ، فيبدو أقرب إلى أداة دعائية منه إلى هدف واقعي ، فإيران ، بحجمها الجغرافي والديمغرافي ، وتركيبتها السياسية ومواقف المعارضة فيها من الوقوف الى جانب الدولة في هذه الحرب ، وقدراتها العسكرية التي اتضحت خلال الايام الماضية من حيث القوة الصاروخية تحديداً وقدرتها على الصمود في وجه أبشع الضربات ، ليست هدفا سهلاً لمثل هذا السيناريو برأيي ، خاصة في المدى القريب . لكن هذا الخطاب كان ضروريا لتوفير غطاء "أخلاقي وسياسي" للحرب ، عبر تسويقها على أنها محاولة “لتحرير الشعب الإيراني”، وليس كعدوان يتعارض مع قواعد القانون الدولي .
غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن من يروج لهذا الخطاب هو ذاته من يقود حرب إبادة بحق شعبنا الفلسطيني منذ جريمة النكبة حتى اليوم . فحكومة نتنياهو وشريكها الامريكي ، التي تتحمل مسؤولية جرائم الإبادة بقتل وجرح مئات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير قطاع غزة وممارسة الضم والتوسع الاستيطاني والقتل والأقتحامات بالضفة الغربية ، لا يمكن أن تكتسب أي شرعية أخلاقية للحديث عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان خاصة وفي رفضها لمبدأ حق تقرير المصير . هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية المعايير ، بل يكشف جوهر الصراع الحقيقي المتمثل في فرض الهيمنة بالقوة ، وتغليفها بخطاب إنساني أو ديني زائف ، رغم ما يحمله مشروع الهيمنة هذا من مظاهر تبدده .
بالنسبة لنا كفلسطينيين ، فإن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط ما يجري في الميدان ، بل بكيفية قراءتنا له . فثمة من لا يزال ينظر إلى الصراع من زاوية ضيقة ، تحكمها اعتبارات طائفية أو خلافات سياسية مع هذا الطرف أو ذاك ومنها مع "حماس" ، متجاهلاً أن ما يجري يتجاوز هذه الحسابات بكثير . فالمسألة ليست موقفا من إيران أو حماس بغض النظر عما ارتكبت من اخطاء كما أرتكب الجميع بتفاوت في مسيرة كفاحنا الوطني دون مراجعة وتقييم نقدي ، بل موقف من مشروع امبريالي يستهدف إعادة تشكيل المنطقة على حسابنا أولاً وعلى حساب حقوقنا الثابتة وعلى السلم والأمن الإقليميين بل والدوليين .
إن إضعاف أي قوة إقليمية يمكن أن تشكل عنصر توازن في مواجهة إسرائيل ، يعني عمليا فتح الطريق أمام مزيد من التغول الإسرائيلي ، وتعزيز قدرتها على فرض حلول أحادية ، سواء عبر تكريس السيطرة على الضفة الغربية أو تثبيت واقع جديد في غزة لتصفية القضية الوطنية التحررية ، أو حتى توسيع نطاق نفوذها الإقليمي وتحديدا في لبنان أو أبعد من ذلك .
بعبارة أوضح ، هذه الحرب لا تُخاض بعيداً عنا ، بل تُخاض لتحديد شكل فلسطين القادم .
من هنا ، فإن الانقسام في فهم ما يجري يشكل خطراً لا يقل عن الحرب نفسها ، فبينما يعمل اعداء شعبنا برؤية استراتيجية واضحة ، ما زلنا نحن في كثير من الأحيان ، نختلف على تعريف طبيعة الصراع وأولوياته . وهذا بحد ذاته أحد أهم مكامن الضعف التي يجب معالجتها بيننا .
إن إدراك طبيعة هذه الحرب ، وأبعادها الحقيقية ، هو الخطوة الأولى نحو بناء موقف وطني ديمقراطي واعي ومستقل بعيدا عن التبعية ، يتجاوز الانقسامات الثانوية ، ويركز على التهديد الأساس المتمثل في مشروع الهيمنة الإستعماري الذي يستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية ، وحقوق الشعوب بالمنطقة .
وفي لحظة تاريخية كهذه ، لا يكون لوم ضحية العدوان أو الحياد أو بالإنجرار الى مواقف معاداة حق المقاومة لدى الشعوب ممكناً تحت ذرائع سياسات الأمر الواقع أو ما يُسمى خطأ "بالواقعية السياسية" أو بالنتيجة في تأييد مشروع الشرق الأوسط الجديد ، ولا تكون القراءات السطحية كافية ، لأن ما يُرسَم اليوم في الإقليم سيحدد ملامح المستقبل الفلسطيني لعقود قادمة .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح"



