الكاتب: شادي عياد
كل عام… ونحن وحدنا بخير.
نحن الذين نخبّئ دموعنا في جيوبنا كي لا يراها أطفالنا،
ونبتسم رغم أن القلب مثقوبٌ كخيمةٍ في عاصفة.
كل عام… وفلسطين وحدها بخير،
بمدنها التي تحفظ أسماءنا حين نضيع:
رفح… خان يونس… دير البلح… غزة…
الخليل… بيت لحم… القدس… رام الله… سلفيت… نابلس… جنين…
وكل مخيمٍ يربّي أبناءه على الحلم… رغم أن الحلم يُقصف كل ليلة.
كل عام… وأمهات الشهداء بخير،
وإن كان الخير في عيونهن دمعًا يسابق العيد،
وفي قلوبهن دعاءً يرتجف بين “الحمد لله” و“لماذا يا رب؟”.
كل عام… وزوجات الأسرى بخير،
وهنّ يربطن الليل بالصبر،
ويخطن من الغياب وطنًا صغيرًا لأطفالٍ كبروا قبل أوانهم.
كل عام… ورجال الأمن في الميدان بخير،
الذين يسرقون من راحتهم أمن الناس،
ويحرسون ما تبقى من هيبةٍ في زمنٍ يتآكل فيه كل شيء.
وكل عام… وأطفالنا…
آه يا أطفالنا… أنتم بخير رغم كل ما ليس بخير.
نعتذر لكم… لأننا لم نستطع أن نمنحكم عيدًا يشبه ضحكاتكم.
نعتذر لأن جيوب العيد فارغة،
لأن “الواعظ القبيح”… و“الأربعون حرامي”
أفرغوا الجيوب… حتى من الأمل،
وتركوا لنا وجوهكم نسألها الصفح.
سامحونا…
لأننا نعدكم كل عام أن القادم أجمل…
ثم يأتي العام محمّلًا بالخذلان نفسه.
أما هم…
فالاحتلال… ليس بخير.
والفاسدون… ليسوا بخير.
وأصحاب المعالي على كراسيهم العالية… ليسوا بخير.
والألعاب الخشبية التي تُحرّك المشهد… ليست بخير.
والمهرجون الذين يضحكون فوق وجعنا… ليسوا بخير.
والواعظ القبيح…
ذاك الذي يبيعنا الصبر على هيئة خطبة،
ويوزّع علينا الرضا كأنه صدقة،
ويطلب منا أن نصبر… بينما هو لا يعرف من الصبر إلا اسمه—
ليس بخير.
لأنه لو كان بخير…
لارتجف صوته وهو يرى طفلًا بلا عيد،
ولبكى بدل أن يُلقّننا كيف نبتسم.
ليسوا بخير…
لأن الخير لا يسكن من خان،
ولا يزور من تاجر بالوجع،
ولا يقف على أبواب من سرقوا العيد من عيون الأطفال.
يا رب…
أنعِم على من هم بخير،
أولئك الذين يقتسمون الخبز والدمعة،
الذين ما زالوا يؤمنون أن هذا الوطن يستحق.
ويا رب…
عوّضهم…
عن عيدٍ بلا بهجة،
عن لعبةٍ لم تُشترَ،
عن أبٍ غائب،
وعن وطنٍ يتأخر في احتضانهم.
ونحن…
نعدهم… لا بالكلام هذه المرة،
بل بالقسم الذي يُولد من الوجع:
أن العيد القادم…
لن يمر كما مرّ هذا العيد.
أننا سنثور… على كل من سرق فرحتهم،
من “الأربعين حرامي”… إلى “الواعظ القبيح”… إلى الاحتلال.
سنثور…
كي لا نعتذر مرةً أخرى،
كي نعيد للعيد معناه،
وللطفولة حقها،
وللوطن وجهه الذي نعرفه.
كل عام… ونحن وحدنا بخير،
لأننا—رغم كل شيء—
ما زلنا نحلم…
ومن يحلم… لا يُهزم.



