الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
لا شك ان من حق الناس التعبير عن رأيها بشكل ديمقراطي حضاري يعطي صورة ناصعة البياض للعالم عن شعب مازال يرزح تحت الاحتلال ولم ينجز بعد مرحلة التحرر الوطني والتي من اجلها أنشئت الفصائل الفلسطينية قاطبة .
لقد شاهدت المسيرات العارمة التي انطلقت في قطاع غزة تطالب "حماس" بالتنحي عن الحكم وتحملها مسؤولية ما جرى في القطاع بعد حرب 7 أكتوبر 2023 والتي مازالت مستمرة . وقد بثت عدد من الفضائيات العربية وغيرها وخاصة الإسرائيلية مشاهد واسعة لهذه المظاهرات فيما حجبتها قناة الجزيرة التي غطت الحرب منذ بدايتها والى الان بشكل مكثف وسبق كل الفضائيات الأخرى وذلك رغم المآخذ الكبيرة على هذه القناة في قضايا موضوعية ومهنية عديدة منها على سبيل المثال انها همشت فصائل منظمة التحرير وحركة "فتح" على وجه الخصوص عن المشهد الإعلامي المتعلق بالحرب بشكل كامل وحصرته فقط في متحدثي "حماس" ومحلليها وكتابها والناطقين باسمها وكل من يدور في فلكها وكأن ما يجري من مذابح على الهواء مباشرة يخص هذه الحركة وحدها فقط.
مع ذلك فإنني أرى ان المسيرات التي خرجت في القطاع هي حق مشروع للمواطنين ولكن المشكلة في التوقيت حيث ان التناقض الاساس حاليا وسابقا ولاحقا هو مع الاحتلال الإسرائيلي فقط والذي يوغل في سفك دماء أبناء شعبنا سواء في قطاع غزة او الضفة الغربية بما فيها القدس وليس من الصواب ان تصبح المعركة داخلية فالأجدر ان تطالب المسيرات العالم الحر بإرغام نتنياهو وحكومته الفاشية على وقف حرب الإبادة فورا. واذا نظرنا الى الشارع الإسرائيلي على سبيل المقارنة فان مظاهرات تضم عشرات الالاف تخرج بشكل يومي تحمل حكومة نتنياهو المسؤولية الكاملة عن حياة الرهائن المحتجزين لدى "حماس" في القطاع وهناك أصوات تصرخ عاليا تتهمه بالخيانة والتواطؤ وغير ذلك، مطالبة إياه بالعمل على تحرير أبنائهم فورا حتى لو كان ثمن ذلك وقف الحرب بشكل كامل .
لا شك ان المجتمع الإسرائيلي اتحد كقبيلة واحدة منذ بداية الحرب التي اعتبروها في دولة الاحتلال حربا وجودية ومازال معسكر واسع من اليمين المتطرف يؤيد ذلك ، فيما يشهد الشارع الإسرائيلي انقسامات غير مسبوقة بسبب الحرب التي طحنت الأخضر واليابس في غزة وحولت الناس الى ضحايا للقصف العنيف والجوع والتشرد والنزوح الدائم . فهل من منقذ لهؤلاء الضحايا الذين لا يمتلكون الحد الأدنى من مقومات الصمود ؟
ان الحديث عن الصمود من قبل "حماس" وغيرها من الذين يدورون في فلكها هو ضرب من الخيال . فهناك الصمود الفاعل وفي المقابل الصمود المجبر عليه المواطن لأسباب عديدة في مقدمتها انه لا يوجد أي بديل له سوى البقاء في هذا الحيز الغارق بالدماء . وكان أهالي غزة قبل حرب الابادة يسطرون أروع آيات الصمود الفاعل في وجه الحصار الخانق اذ كانوا يعملون ويتنقلون بين دول العالم ويمارسون حياتهم بشكل سليم فيه استقرار وكرامة على عكس الواقع المعاش حاليا والذي جرد الغزيين من كل أسباب الكرامة التي داستها الحرب بأقدامها الثقيلة. وهنا المقصود بالصمود ايضا ان تتوفر اسبابه الموضوعية بالتزامن مع النضال الوطني وفق برنامج كفاحي وسياسي ممنهج من المفترض ان يؤدي في نهاية المطاف الى نتيجة ما . اما مطالبة الناس بالصمود وايديهم فارغة امام أدوات القتل والدمار والتشريد فهذا يعتبر دعوة للانتحار وليس للصمود ..
هذا هو لسان حال الكثير من المواطنين الذين نتواصل معهم في القطاع . ولذلك نقول انه آن الأوان لوقفة جدية مع الذات والتصرف من منطلق المسؤولية الوطنية وليس المصلحة الحزبية التي يدفع ثمنها المواطن المطحون في قطاع غزة المذبوح ، ولنجعل تناقضنا الأساس مع الاحتلال فقط وبعد ان تضع الحرب اوزارها نتفرغ لحل خلافاتنا الداخلية .



