الكاتب : يونس العموري
يا صوت العروبة الهادر ،،، يا من حملتَ وجع هذه الأمة في صوتك، ورفعتَ رأسها يوم انحنى العالم، أكتب إليك من زمنٍ لم تكن تتمنى أن تراه، من زمنٍ تكسّرت فيه المرايا، حتى لم يعد العربي يعرف ملامحه إن نظر.
يا عبد الناصر،،، يا حامل لواء الكرامة ،، نحن اليوم نقف على أطلال الحلم الذي ناديت به، نحمل بقاياه كما يحمل الغريق خشبةً لا توصله إلى شاطئ، بل تؤخر غرقه فقط... الأمة التي أردتها جسدًا واحدًا، صارت أشلاءً متباعدة، كلُّ قطعةٍ منها تنزف وحدها… وتخشى حتى أن تصرخ.
يا قائد الحلم المؤجل، العدوان لم يعد حادثةً عابرة، بل صار قدرًا يوميًا يُكتب على جبين هذه الأرض، إسرائيل التي عرفتها عدوًا صريحًا، لم تعد تكتفي بما اغتصبت، بل تحلم بما هو أبعد من الخرائط، تحلم بما لا حدود له… بـ"إسرائيل الكبرى"، بل بـ"إسرائيل العظمى" التي لا ترى في العرب سوى فراغٍ جغرافي يجب ملؤه، أو عائقٍ بشري يجب إزاحته.
لكن الألم الأكبر، يا جمال، ليس في قوة العدو وحدها، بل في ضعفنا الذي صار عادة، وفي انقسامنا الذي صار هوية... لقد أصبح العربي يخاف من أخيه أكثر مما يخاف من عدوه، وصارت الحدود التي رسمها المستعمر أقدس عند البعض من الدم الذي يجمعنا... لم نعد أمة… بل تجمعَ وحداتٍ متنافرة، تتبادل الريبة بدل التضامن، وتتقن الصمت أكثر مما تتقن المواجهة.
يا من كنت ترى في فلسطين قضية العرب الأولى، ها هي اليوم تُترك وحيدةً في كثير من للحظات، تُحاصر لا بالجدران فقط، بل بالصمت، بالحسابات الضيقة، وبالخوف من الكلمة قبل الرصاصة... والأشد مرارةً، يا جمال، أن بعض العرب لم يكتفِ بالصمت، بل مدّ يده لمن كان يومًا عدوًا، وألبس التطبيع ثوب الحكمة، وقدّم الاعتراف به على أنه "واقعية"، كأن التاريخ يُمحى بتوقيع، وكأن الدم يُغسل بالتصريحات... صار الاحتلال عند بعضهم "شريكًا"، وصارت القضية "ملفًا"، وصار الكيان الذي اغتصب الأرض جارًا يُصافح، لا غاصبًا يُقاوَم.
أما الهيمنة الأمريكية، فحدّث ولا حرج… لقد صارت الإرادة العربية تُقاس بمدى رضاها، وتُضبط بوصلتها على إيقاع مصالحها... لم يعد القرار عربيًا خالصًا، بل صار صدىً لقرارٍ يُصنع في مكانٍ آخر، بعيدٍ عن وجع هذه الأرض، قريبٍ من حسابات القوة والنفوذ.
يا زعيم الحلم العربي ،،، لقد ضاعت القومية العربية بين شعاراتٍ جوفاء وواقعٍ لا يشبهها، تراجعت حتى صارت ذكرى تُستدعى في الخطب، لا مشروعًا يُبنى في الحياة.... صار الانتماء ضيقًا، محصورًا في حدودٍ أصغر من الحلم، وأضعف من أن تحمي إنسانًا، فكيف بأمة؟
لكن، رغم كل هذا، لا يزال في القلب شيءٌ منك… شيءٌ يرفض أن يموت، شيءٌ يهمس أن هذه الأمة، رغم كل انكساراتها، لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
نحن لسنا بخير، لكننا لم نُمحَ بعد. نحن ضعفاء، نعم، لكن فينا بقايا ذاكرة، وبقايا كرامة، وبقايا حلمٍ عنيد يرفض أن يُدفن.
يا عبد الناصر الزعيم ... أكتب إليك لا لأستدعيك، فالتاريخ لا يعود، لكن لأقول لك: إن ما زرعته لم يمت تمامًا، بل ينتظر… ينتظر من يوقظه من سباته، من يعيد له صوته، ومن يؤمن .. كما آمنت ... أن هذه الأمة تستحق أن تكون.
رحلتَ، وبقي السؤال معلقًا: هل كنا نحن الخذلان… أم كان الزمن أقسى من الأحلام؟
يا حارس الحلم القومي ،،، لو رأيتنا اليوم، لبكيت… أم لغضبت؟ أم لرفعت صوتك مرةً أخرى توقظ فينا ما تبقى منّا؟
يا عبد الناصر ،، وأنا أُكمل رسالتي إليك، أشعر أن الكلمات تثقل، لا لأنها تعجز، بل لأنها تخجل من واقعٍ صار أضيق من أن يُحتمل، وأقسى من أن يُروى... لكنني، رغم كل هذا الركام، ألتفت…
فأرى شيئًا لم ينكسر بعد... أرى وجوهًا شابة، لم تعش زمنك، لكنها تحمل شيئًا من روحك،
لم تسمع خطاباتك في لحظتها، لكنها تفهم معناها الآن، كأن التاريخ يهمس لها من بين الشقوق:
لا تقبلوا ما قَبِل به من قبلكم.
يا شباب الأمة…
يا من وُلدتم في زمن الهزيمة، فلا ترضوا أن تموتوا فيه، عودوا… لا إلى الماضي كحنينٍ عمى، بل إلى الجذور كمعنى، إلى الكرامة كفكرة، إلى العروبة كمسؤولية، لا كشعار.
لا تصدقوا أن الضعف قدر، ولا أن الانقسام طبيعة، ولا أن المهانة ثمنٌ لا بد منه... هذه كلها أكاذيب تكررت حتى صدقها البعض، لكنها تظل أكاذيب… مهما لبست من منطق. ...
يا شباب العرب، لا تجعلوا أوطانكم مجرد خرائط، ولا أنفسكم مجرد أرقام في نشرات الأخبار.... أنتم الامتداد… أنتم الجواب الذي تأخر، أنتم الفرصة الأخيرة قبل أن يتحول الانكسار إلى عادةٍ أبدية... ارفضوا أن تكونوا شهودًا صامتين، وارفضوا أن تُربّوا على الخوف، وارفضوا أن يُقال لكم إن العدو صديق، أو إن الكرامة ترف، أو إن القضية انتهت... القضية لا تنتهي…ما دام هناك من يتذكر، ومن يرفض، ومن يقاوم.
نعم، يا قائد الوجدان العربي،،، رغم كل ما حدث، لا تزال المقاومة حيّة. ليست مجرد بندقية، بل روحٌ تسري في صدور من لم يوقّعوا على الهزيمة، من لم يبيعوا الحلم، من لم يساوموا على الأرض... هناك من يقاوم بالكلمة، ومن يقاوم بالصمود، ومن يقاوم بالحجر، ومن يقاوم بالصبر الذي يفوق الخيال. هناك من ما زال يقول “لا”… في زمنٍ صار فيه قول “لا” بطولة.
المقاومة، يا من لم يساوم على الكرامة ،،، لم تعد خيارًا سياسيًا فقط، بل صارت هوية… آخر ما تبقى من معنى أن نكون... ورغم أن النار تحاصرها، والخيانة تطعنها، والصمت يخنقها، إلا أنها لا تنطفئ... كأنها تعرف ما لا نعرفه،كأنها تؤمن بشيءٍ أعمق من الحسابات، بأن هذه الأرض… لا تُسلَّم، وأن هذا الشعب… لا يُمحى...
يا شباب الأمة،،، إن لم تكونوا أنتم الامتداد، فمن؟ وإن لم يكن الآن وقت الرفض، فمتى؟ لا تنتظروا منقذًا، ولا صوتًا قادمًا من الماضي، كونوا أنتم الصوت، كونوا أنتم الفعل، كونوا أنتم البداية... ازرعوا في أنفسكم ما حاولوا اقتلاعه.. العزة، الانتماء، والإيمان بأنكم لستم أقل من أن تصنعوا مصيركم.
يا من جعل للوحدة نبضًا وللحرية معنى ،،، يا آخر من صدّق أن الأمة يمكن أن تكون جسدًا واحدًا ،، ربما خسرنا معارك كثيرة، وربما ضاعت سنوات طويلة، لكن ما زال في القلب متسعٌ لمعركةٍ أخيرة… معركة أن نكون أو لا نكون.... وهؤلاء الشباب… هم سلاحها الوحيد، وأملها الأخير... فإن نهضوا… نهض كل شيء، وإن استسلموا… فلا شيء بعد ذلك يُرجى.
سلامٌ عليك، في زمنٍ افتقد صرختك، وما زال.. رغم كل شيء.. يبحث عنها.



