الكاتب : وليد الهودلي
"على الهامش" : لأن أية قراءة لن تستطيع أن تنال كثيرًا من ثمرات هذه الشجرة الوارفة، كثيرة وعظيمة الظلال والثمر. لمثل هذه الرواية تنبري أقلام كثيرة علّها تصل إلى سبر أغوارها ورؤية وتحليل ما سكن سهولها وهضابها وقممها السامقة.
العاصفة:
وجدت نفسي في خضم عاصفة هوجاء أو تسونامي هادر أحاطنا من كل جانب، ورأيت من أحاط بهذا المشهد المرتبك بالغ التعقيد من كل أطرافه، انبرى بقلمه يعصف العاصفة ويجمع شتاتها ويلملم أطرافها، ويخرج لنا من لبّ لبنها ورفثه وغثائه لبنًا سائغًا للشاربين ونصًا جميلًا فائقًا لمن كان له قلب أو ألقى حسه الجميل ما يلتقط به الجمال والروعة رغم مرارة وكآبة العاصفة.
تنخيل المشهد الفلسطيني:
نخل لنا رفيقنا عوض بصحبة جميلة جليلة الحالة الفلسطينية الراهنة تنخيلًا لم يَدَع فيه شاردة ولا واردة إلا أتى عليها، تارة رمزًا وتلميحًا، وتارة سيفًا باترًا حاسمًا لا مداهنة فيه ولا مجاملة. لم يعد بعد كل هذه المسيرة الحافلة من العطاء الأدبي والثقافي، وبعد أن اجتاز وعورة الطريق والتاريخ، الماضي والحاضر، يحتمل النظر إلى واقعنا الفلسطيني — خاصة في الضفة الغربية — مواربة أو مزينة للصورة أو مخفيًا ما في نفس يعقوب. أخرج لنا وباح بكل ما في نفسه لنرى المشهد صارخًا فاجعًا كاشفًا وفاضحًا لا لبس فيه ولا هروب ولا تبرير. كشف عن وجهها وعن ساقيها وأحضر لنا دابة الأرض، وهنا أتوقف قليلًا؛ حيث كان العنوان والجوهر ولبّ العاصفة والعاصف والمعصوف.
دابة الأرض:
في البداية ذهلت من العنوان وقلت في نفسي: هو رواية بحد ذاته. وراح ذهني إلى الدابة التي أكلت منسأة سليمان عليه السلام: "وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته". ثم رأيت أنه يريد الدابة التي تظهر آخر الزمان لتختم على جباه الناس مسلمًا وكافرًا: "أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يؤمنون". ووجدت أنه يصيب الدابتين. وذكرني بروايات سابقة له في استحضار المعنى الديني وتوظيفه الجمالي في نصه الأدبي، وكذلك سار في التاريخ سيرًا عميقًا وجاء به لنرى سيرنا هذه الأيام، كما في رواياته الرفيعة: عكا والملوك والقرمطي والصوفي والقصر. دابة الأرض هي الكاشفة والفاضحة، تكشف زيف الرجال والسياسة وواقع الحال. لعلها غزة اليوم دابة الأرض بما أرتنا وهي تختم على جباه دول ونظام عالمي وعلماء دين ومثقفين وسياسيين ومنتهزين ومتخاذلين ومتآمرين. دابة الأرض في الرواية كانت بمثابة روح الرواية التي جعلت أيضًا من هذا النص يقوم بدور تلك الدابة. لقد عرت الدابة كل من لا بد من تعريته، قامت بدور الدابة التي تصدع وتقول ولا تجامل. ختمت هذه الرواية على كل الجباه الحاضرة والشاهدة على المجزرة والمقتلة، لم تدع أحدًا إلا وجذبته بقوة وحزم وضربت على جبينه ما يستحق. لقد أصبح — خاصة من يتصدرون الناس — يسيرون في الشوارع ويظهرون على الشاشات وقد ختمت دابة هذه الرواية على جباههم ما يوافق حالهم: هذا فاسد وذاك متآمر، هذا منبطح ومتخاذل وذاك من أصبح منهم وليس منا في شيء.
فكرة دابة الأرض وتوظيفها في السياق الروائي الجميل أضفت جمالًا ذا مذاق خاص، مذهلة خارقة صاعقة ذات وخز شديد وحرقة بالغة لكل من تورط بلوثة السلطان، وتشفٍّ لذيذ ذو بهجة عالية ونشوة بالغة لكل من وقعت عليه سياط أولئك الذين شوّهوا صورة الوطن.
تقلبات:
لن تجد نفسك في هذه العاصفة إلا وأنت تتقلب بين ضفافها وتعيش الحدث بكل أبعاده. ففي خضم معركة هائلة وأحداث جسام، تطلب منك عاصفة الرواية أن تسير في مساراتها المتشابكة والمعقدة، تقف على أعتابها وتخوض أعماقها. تقف مع المنتفع الفاسد المتاجر بالقضية والمستوزر والمرتزق، وتقف مع الذي يضع رقبته على حد السيف، وتسير مع الاثنين بكل تعقيدات الاشتباك مع الذات والمحتل وكل تفاصيل الحياة الفلسطينية ذات الأوجه المتناقضة والمتضاربة إلى أبعد ما يكون هذا التشابك. وينقلك الراوي والرواية لتسكن الحدث ويسكنك بكل هواجسه ورغباته ولعناته. الرواية — لو قرأها البعيد أو القريب — سيجد نفسه جزءًا من هذه الحياة الفلسطينية نادرة الحدوث وصعبة المراس وقوية الشكيمة والخديعة في آن واحد، كل اللبس فيها.
الفرس الجموح:
حضور المرأة التي تضيء في الرواية— حسب وصف الرواية — له قصة وتميز فريد، وصفًا وفعلًا وحضورًا، طيبة ومكرًا، ولكل شخصية نكهتها الخاصة ودورها المختلف. رسم روح المرأة وشهواتها ورغباتها ودورها وعلاقتها بالرجل. الدخول إلى عالم المرأة من خلال هذه الرواية له روح عجيبة: كيف رسمها وشكلها في واقع عائلة سادها الفساد من ناحية، وظهر منها ما يختلف عن هذا الفساد من ناحية أخرى، وكيف نبع ذلك كله من رجل ثائر عاد إلى أرض الوطن ليتلوث بالسلطة ويغمس أبناءه بها حتى النخاع. للمرأة حضور لافت ومميز في كل حالاتها ومآلاتها.
شخصيات الرواية:
لله درك، كيف جعلتنا نعرفهم وكأننا نمسك بأطرافهم ونغوص في أعماقهم! وهذا من بديع صنعه؛ إذ لا تشعر أنهم من صنع كاتب. تراهم حولك ينبضون وينطقون ويتحركون، وترى مثلهم كثيرًا. شخصيات الرواية أصابت جمهرة كثيرة من الناس قامت بذات الدور. يراها القارئ في فلان وعلان، ويستطيع أن يستحضر كثيرًا ممن هم على نفس الشاكلة. لقد فضحت كثيرًا وكشفت الستر والغطاء عن وجوه منتشرين حولنا. تراهم شاخصين أمامك بلحمهم ودمهم، تقول: هذا مثل الناجي ومثل سامي وكفاح، هذا هو أبو كايد وأبو فيصل، لقد عرفتهم جيدًا. لقد فصلت لنا الرواية كيف يفكرون وكيف يتحركون وكيف يتنفسون ويشعرون. وليد المنتفع المرافق الذي لا يجيد إلا إطاعة الأوامر، ينقلب على فاسده ومفسده عندما تنزل في جسده السكاكين. يجيد التملق والنفاق إلى أبعد حد، تراه بلزوجة دمه وسماجة وجهه، تكاد تلمسه وتشم رائحته. وتجد الفاسد الكبير كيف يتحرك النمرود في داخله وقت السطوة والجبروت، وكيف يضعف ويلجأ إلى الدين والهلع من دابة الأرض، ثم تعود السطوة عندما تعود القوة وبريق السلطة.
المكان:
له حضور مميز، وهناك براعة في الوصف الجميل، يجعلك تعيش تفاصيل المكان بكل دقته وروعته وحضوره الكامل. تشم رائحة الزعتر في الجبل وتتذوق مخللات مطبخ البيت النابلسي الفواح، يدخلك خمارة أم إلياس بعبقها وخفوت أضوائها، ويطير بك بين الحواجز ولعنات الطرق بما يفعل الاحتلال فيها. ويجعلك أيضًا تعيش المكان الافتراضي بما فيه من متعة وجنون: "انغمست أكثر في مواقع التواصل وجنونها ومجنونها، سمعت وأسمعت، رأت وأرت، وغرقت في عالم من الفانتازيا، عالم سائل بلا حدود أو محرمات أو حقائق أو معايير، عالم يختلط فيه كل شيء بكل شيء آخر بدون أن يثير ذلك الاستغراب أو العجب، لا قيم ولا محاذير ولا خطوط حمراء، عالم ساحر متعدد الألوان والطبقات والمستويات، ينسى المرء فيه كل ما عرفه أو تعلمه، عالم يسحبك من رجليك على أرض زلقة ليس فيها تراجع أو التفات إلى الوراء.. حرية شخصية كاملة في شاشة متقلبة، تأتي لك بالمدهش الذي لا ينتهي." أي وصف لهذا العالم بهذه الكلمات المدهشة!
السياسة:
السياسة في الرواية لها حضورها من حيث المستوى العميق، وهذا ليس غريبًا لمعلم جامعي للعلوم السياسية وصاحب حضور دائم — ومنذ زمن طويل — على الشاشة. ولكن الغريب طريقة تناول السياسة بلغة الرواية دون إقحام أو تمحل، وإنما تنساب بطريقة جميلة لا تنظير فيها ولا دور معلم. تأتي من طرف خفي وذكي، يصل إلى ما يريد وأنت في قلب العاصفة، عاصفة الرواية وأحداثها وسيميائيتها الجميلة ورصفها البديع. تجد نفسك تمرر الرأي السياسي، تناقشه وتقلبه وتميل حيث مال الراوي دون أن تشعر بثقل السياسة ولا بدهاليزها السوداء.
لغة الرواية:
السهل الممتنع الجميل، تترقرق للقلب بحلاوة ويسر، لا تكلف ولا تعقيد، ولا اختصار مخل، ولا إسهاب ممل كما يقولون. بل هي — باختصار — اللغة الجميلة، لغة القص التي بمتعتها تعوض قساوة المشهد وفظاظة شخصياته الثقيلة المؤلمة. ولا غرابة، فهذا أسلوب عوض الذي اعتدنا عليه: براعة في الوصف وذكاء في الحوار بما يتناسب مع شخصياتها بتنوعها واختلاف أدوارها والقدرة العالية على الغوص في أعماقها. للغة في الرواية فصل كبير يجدر التوقف عنده، أو لنقل عند فقرات ومقاطع تصلح للاستشهاد بها، وهي كثيرة بل كثيرة جدًا. أُمثّل ببعض منها:
"من قال إن التاريخ يندفع بالحكمة والتعقل؟ الغضب محرك ودافع، الغضب غريزة أصيلة فينا وترويضه خطأ."
"الاستهانة بالجريمة وتبهيت القيم والاحتفاء بالمخالف، حولنا إلى مجتمع عنيف يعبد القوة ويخضع لها."
"ماذا تنتظر من شخص يأكل طعامًا صناعيًا ويتنفس هواء ملوثًا ويستخدم أجهزة تقتله مع الوقت، ويعبد ذاته وحريته الشخصية؟"
"تمنى الفاسد الغني بفساده أن يكون مثل هؤلاء العمال؛ عرق حقيقي وطاهر مقابل يومية صافية خالصة."
بقي أن أقول إنني ما زلت على ضفاف الرواية بعناوين سريعة يحتاج كل منها إلى قراءات متأنية عميقة وطويلة تعيدك لقراءة الرواية أكثر من مرة، وكل مرة جديدة تكون فيها أكثر متعة وأعظم فائدة. وهذه سمة الروايات الخالدة. بارك الله في قلمك الغزير وقلبك الجميل أخي أبا ضرار.



