الكاتبة : نهى محمود
ما الذي تفعله الكتابة بالحياة والبشر والحكايات والأماكن ؟ .
تحول البشر لأساطير ، تمنح الحكايات الخلود ، تلون الأماكن الباهتة الرمادية ، وتمنح الحياة السحر .
هذا ما يفعله " وحيد الطويلة " هنا في " سنوات النمش " ..
يكمش من قلبه وينثر ، تماما كما يقبض الأمير من صرة الذهب وينثرها على البشر في موكبه .
نثر علينا حبات النمش ، الذي يظهر في أول العمر وآخره .. ومنتصفه .
أختار المكان الذي يقول عنه سكانه إنه " حتة على شمال السما ، لزقوها في الأرض بعد ما كملت " ،
وأختار أن يمسك الناي ليعزف لنا اللحن الحزين الشجي الذي يملأ روحه ، حكاية هذه الكتابة ، هذه المرة مختلفة عن كل ما كان ، ذلك المس الذي اصابه منذ "باب الليل" فتكشف هنا كاملا وبهيا .
ينفض عن ذاكرته الحكايات ، يقدم البشر الذين طالما ألتقطهم عين الفنان ، وروح المحب الذي يعرف أنه
لا يقدر على الكره الحقيقي ، لا هو ولا قلمه بارعين في ذلك النوع من المشاعر .
"وحيد" يغني هنا "غنوة " حقيقية ، اتسعت لها ابتسامتي وهو يختم الفصول ب " أنا لسه في العدة يا حاج محمود " / "الفاتحة للجميع ما عدا العكش " .
دموعي التي تسيل مع نهاية حكاية "عروسة " السيدة التي كانت تضحك طوال النهار ، أول إمرأة تشرب المعسل ، وتجلس أمام أصحاب المواويل والربابة العابرين .
ومحبتي الكبيرة للبشر في الرواية العم عم القوي "بطل الأبطال ومغوار المغاوير "
العائلة التي كان عدد اللصوص فيها يقارب عدد المزارعين ، الجد الذي أدخل المطاريد واللصوص ، والآخر الذي انتصر على المرض وأصبح كبير العائلة "كأنه ينتقم من الموت الذي كان على طرف أنفه "
العمة فريال "لا يعجبها كيد النسا وهي الكيادة الكبيرة ، "فاطمة " بإعوجاج خفيف في فكها منحها الجمال الباهر على قدر احتمال القلوب ، والذي كان من المحتم وجوده وإلا أحترق العالم من اكتمالها .
"أحمد الفقيه المصري " ، "الشيخ أبو العينين " ، الأستاذ محمد صاحب دبلوم التجارة أعلى شهادة في البلد وقتها . محمد نجيب وفوزية وقصة غرامهما التي تختلط مع قصة أبو زيد الهلالي والجازية . العكش والقذافي ، الجدة غنيمة والعاشق حسن أبو الحسن حيث غرام السنوات الأخيرة من العمر أو حتى غباره له طعم الحنان ،لقمة الآلفة ،جمال الونس .
الأب حيث يتلمس حائطه كل الغلابة والمساكين ويركنون عليه بقلب جامد ، والشيخ حامد الذي رأى عزرائيل في المنام ، والمغازي بلا عصا في يده ولا أهل يستند إليهم .
الجد مسعود السجارة الفرط بجانب صندوق سجائر مكتمل لم يفلت من نسل أبيه رجل محترم سواه وواحد آخر .
تنقلك حكايات النمش عبر حكايات الناس ،بلغة ملهمة ، شفافة ، عذبة تسلمك حكاية النساء برهافتها ولطفها وتحايلها على التقاليد وفجورها حتى ، لمعارك الرجال وسطوتهم وغلبهم وقلة حيلتهم .
يقدم الجميع بمحبة ، بلا أحكام أخلاقية ، هو يحكي ممسكا بالناي ، يتجمع الناس حوله ، يقص عنهم ولهم ، ينفضون ويجئ غيرهم .. وسط الزحام تظهر ملامحه هو ، يقص طرفا من حكايته .
يسرسب سره الصغير ، يضئ العالم في قلبه والغنا في صوته ، يأتنس ويؤنسنا كما يفعل أصحاب المواويل ، المغنواتية وسط ساحات الغجر والمقاهي والطرق حيث يغرمون به وبغناه .
يحبونه ويشعرون انه منهم قبل أن يقترب منه احدهم ويقول ما تيجي تشتغل معانا .



