ثقافة

الموسيقى الكونية: رقص الوجود

130 مشاهدة قراءة 4 دقيقة

شعر : محمد العداربة

1 — النبضة الأولى
في البداية لم يكن الكون صامتًا كما يتخيّل البشر.
كان هناك اهتزازٌ واحد، نبضةٌ بدائية هزّت العدم، فانبثقت منها المادة كالضوء حين يتذكّر أنه قادر على الإشراق.
الموسيقى ليستْ اختراعًا بشريًا؛
إنّها الذاكرة القديمة للوجود.

2 — عندما يرقص الفراغ
الفراغ ليس فراغًا؛ إنه كائن خفيّ ينتظر اللمسة الأولى.
وحين تلامسه الموسيقى، ينهض من سباته ويتخذ شكلاً، يرقص كما لو أن الصوت يصنع له جسدًا،
وكأنّ الصمت كان ينتظر نغمة ليعرف اسمه.

3 — النجوم التي تبتسم
كلما ارتفع الإيقاع، لمعت النجوم في أعلى السماء كما لو أنها تصغي.
الضوء نفسه يتحرّك على وزن اللحن،
يمتد ويتراجع ككائنٍ يشعر بالدهشة،
وترتدي المجرات ثوبها الضوئي من جديد،
كأنّ اللحن يغسل الغبار عن أكتافها.

4 — قوس قزح: شكل آخر للصوت
حين يتبدّل الإيقاع، يتلوّن قوس قزح بطريقة أخرى.
الألوان هي الأصوات التي فقدت قدرتها على الاهتزاز،
فاستقرّت في الضوء كي تراها العين.
إنّ قوس قزح أغنية معلّقة في الهواء.

5 — الذرّة… الراقصة الأولى
في عمق المادة، حيث لا تصل الأذن ولا اللغة،
كلّ ذرّة تهتزّ.
تدور، ترتجف، تتمايل…
كأنها كائنٌ يتدرّب على الرقص منذ ملايين السنين.
الموسيقى ليست شيئًا يضاف إلى العالم؛
إنها ما يجعل العالم ممكنًا.

6 — الإنسان يحاول أن يتذكّر
حين يعزف الإنسان، فهو لا يبتكر شيئًا جديدًا،
بل يحاول فقط أن يستعيد الإيقاع الأول الذي نسيه حين وُلد.
نحن أبناء صوتٍ خفيّ،
نبحث عنه في كل آلة،
في كل نغمة،
في كل محاولة للرقص بلا خوف.

7 — التحرّر من الجاذبية
في لحظة الرقص،
يخفّ وزن الروح أكثر ممّا يخفّ وزن الجسد.
نشعر أننا نعلو لأن الموسيقى تُسقط عنّا أثقالًا لا نراها.
الإنسان لا يرقص ليُظهر خفّته،
بل ليهرب من ثقل الواقع الذي يطحنه.

8 — اللغة التي سبقت اللغة
قبل أن يتعلّم الإنسان الكلام،
كان يسمع:
ريحًا تشقّ الليل،
ماءً ينزلق،
طيرًا يختبر الهواء…
هذه الأصوات صنعت أولى مفاهيمه عن الحياة.
الموسيقى ليست ترفًا؛
إنها اللغة الأولى للوعي.

9 — الكون كأوركسترا
لا شيء ساكن.
حتى الجبال لها إيقاع،
والحجر يملك نبضًا بطيئًا لا نسمعه،
والهواء يكتب لحونًا لا يفهمها إلا السكون.
كلّ شيء يعزف؛
نحن فقط لا نملك بعدُ القدرة على الإصغاء الكامل.

10 — النهاية التي ليست نهاية
نحن نموت عندما نفقد قدرتنا على سماع الموسيقى الكونية التي تسري فينا.
لكنّ الوجود يواصل الرقص،
لأن الرقص هو طبيعته،
والإيقاع هو جوهره،
والصوت هو أول اسمه.

الموسيقى ليست دهشة فقط…
إنها المعرفة التي تسبق كل معرفة،
والسرّ الذي لا يقال،
والكون وهو يتذكّر نفسه.