ثقافة

 قراءة في رواية "أولاد الناس" لريم بسيوني

484 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

الكاتبة : سهى زيدان

ليس من السهل أن تكتب رواية عن زمن مضى منذ قرون، ثم تجعل قارئ اليوم يشعر بأن ما يجري فيها يمس أسئلته وتجاربه. فالمسافة بيننا وبين ذلك الزمن تتجاوز اختلاف السنوات والعادات ونظام الحياة؛ إنها تمتد إلى طريقة فهم العالم والعلاقات بين الناس. في "أولاد الناس: ثلاثية المماليك"، تختار ريم بسيوني أن تعبر هذه المسافة من خلال حيوات أشخاص أحبوا وخافوا واختلفوا، وحاولوا أن يجدوا لأنفسهم مكانًا في عالم لم تكن فيه فرص الاختيار متاحة للجميع بالقدر نفسه.

تبدأ دلالة الرواية من عنوانها. ففي المجتمع المملوكي، أُطلق مصطلح «أولاد الناس» على أبناء الأمراء والمماليك الذين وُلدوا أحرارًا داخل السلطنة، ولم ينتموا إلى طبقة المماليك العسكرية التي تكوّنت من رجال جُلبوا صغارًا، ثم خضعوا للتدريب العسكري والعتق. وكان لأبناء المماليك موقع اجتماعي وعسكري مختلف عن موقع آبائهم، وارتبط بعضهم بفرقة "الحلقة". أما ريم بسيوني فتتوقف عند ما يحمله المصطلح من دلالة على الانتماء؛ فهؤلاء الذين وُلدوا في مصر أو الشام، من آباء معروفين، أصبحوا مع تعاقب الأجيال جزءًا من المجتمع الذي نشأوا فيه. ومن هنا تطرح الرواية سؤالًا يتجاوز التعريف التاريخي: ما الذي يجعل الإنسان ابنًا للمكان الذي يعيش فيه؟ أهو أصله ونسبه، أم الحياة التي تتشكل بينه وبين الناس من حوله؟

يمتد العنوان من الحكاية الأولى ليشمل الثلاثية كلها، ويكتسب بذلك دلالة أوسع. فالرواية تتناول مجتمعًا تتداخل فيه الأصول وتتغير فيه موازين السلطة، وتتجاور فيه جماعات مختلفة، بينما يظل الانتماء موضع اختبار. فالمدينة التي تستقبل أبناءها الجدد لا تخلو من التفاوتات والصراعات، ولا تمنح جميع سكانها المكانة والحقوق نفسها. ومن هنا لا تبدو الهوية أمرًا تحسمه الولادة وحدها، بل تجربة تتشكل عبر الزمن والعلاقات وما يتركه الإنسان في المكان.

تتوزع الرواية على ثلاث حكايات تدور في مراحل متعاقبة من التاريخ المملوكي: الأولى في عصر المماليك البحرية، والثانية في عصر المماليك البرجية، والثالثة في مرحلة الصراع مع العثمانيين وسقوط دولة المماليك في مصر عام 1517. في الحكاية الأولى نلتقي زينب والأمير محمد، وفي الثانية ضيفة والقاضي عمرو، وفي الثالثة هند وسلار. وتتحرك هذه الشخصيات داخل عالم تتداخل فيه الحياة الخاصة مع التحولات السياسية؛ فقرارات الحكام وصراعات أصحاب النفوذ تصل آثارها إلى البيوت والعلاقات والمصائر الفردية. ومن خلال هذه الزاوية، تقترب الرواية من التاريخ عبر الذين عاشوا أحداثه وتحملوا نتائجها، لا عبر الوقائع الكبرى وحدها.

وتختلف تجارب النساء الثلاث اختلافًا يستحق الانتباه. فزينب وضيفة وهند لا يجتمعن في نموذج واحد، ولا تتكرر إحداهن في الأخرى. لكل شخصية ظروفها وطريقتها في مواجهة العالم المحيط بها، ولكل واحدة مسار يكشف جانبًا مختلفًا من حياة المرأة في ذلك العصر. وتبرز قيمة هذا التنوع في أن حضور النساء يتجاوز التأثر بالأحداث؛ فاختياراتهن ومواقفهن تدخل في تشكيل مسارات الحكايات، وتكشف عن جوانب من المجتمع يصعب رؤيتها من خلال أخبار السلاطين والأمراء.

وتبدو حكاية زينب الأكثر إقناعًا وتأثيرًا، لما تمنحه شخصيتها من مساحة للتطور الداخلي. تبدأ علاقتها بالأمير محمد في ظل اختلال واضح في ميزان القوة؛ إذ يفرض عليها الزواج منه مقابل إطلاق سراح أخيها وابن عمها. غير أن حياتها معه تكشف لها، مع مرور الوقت، جوانب من شخصيته وعالمه لم تكن تعرفها. تتغير نظرتها إليه، لكن هذا التغير لا يمحو ذاكرة البداية، ولا يجعل مشاعرها مستقرة أو خالية من التناقض. فهي تستطيع أن تقترب منه وأن ترى فيه جوانب إنسانية، وفي الوقت نفسه تظل واعية بما فعله بها وبالخوف الذي ارتبط بعلاقتهما منذ البداية.

هنا تكمن قوة زينب كشخصية روائية. فهي لا تسير في تحول مستقيم من الرفض إلى القبول، ولا تنتهي إلى صورة مثالية للمرأة التي انتصرت على ظروفها. تجربتها أكثر التباسًا؛ إذ تكشف لها الحياة جوانب متعارضة في نفسها وفي الرجل الذي ارتبطت به. ومع تقدم الأحداث، تصبح أكثر وعيًا بهذه التناقضات، من دون أن تصل إلى إجابات سهلة عنها. وهذا ما يجعلها قريبة من الإنسان في حقيقته؛ فالخبرة لا تمنحنا دائمًا وضوحًا كاملًا، لكنها قد تجعلنا أكثر قدرة على رؤية ما كان خافيًا في دواخلنا.

أما ضيفة، فتواجه عالمًا تحكمه القيود العائلية والاجتماعية، وتختبر من خلال علاقتها بالقاضي عمرو حدود الاختيار في مجتمع تتفاوت فيه قدرة الأفراد على تقرير مصائرهم. وتكتسب حكايتها بُعدًا آخر من خلال شخصية عمرو نفسه؛ فهو رجل يدافع عن العدل ويواجه أصحاب النفوذ، لكنه يظل إنسانًا تحاصره رغباته وتناقضاته الخاصة. وهكذا تضعنا الحكاية أمام المسافة التي قد تفصل بين المبادئ التي يؤمن بها الإنسان وقدرته على الالتزام بها في حياته الشخصية.

وفي الحكاية الثالثة، تتصل تجربة هند بمرحلة سقوط الدولة المملوكية أمام العثمانيين. وتكشف الأحداث عن قسوة الحرب على الأفراد، ولا سيما النساء اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة قوى لا يملكن ردعها. ومن خلال هند وسلار، تطرح الرواية أسئلة عن الانتماء والوفاء والعدالة، وتكشف أن المواقف لا تُحسم دائمًا بالانتماء إلى طرف دون آخر. فالظلم يظل ظلمًا، حتى حين يصدر عن شخص يقف في مواجهة قوة غازية. وبذلك تتجنب الرواية تقديم المماليك في صورة واحدة؛ فهم، مثل سائر البشر، تتباين مواقفهم ودوافعهم بين الدفاع عن البلاد والسعي إلى المصالح والخيانة.

اختارت ريم بسيوني مسجد السلطان حسن محورًا يصل بين الحكايات الثلاث، ومنحته حضورًا يتجاوز المكان والزمان اللذين شُيّد فيهما. فمن خلال ارتباطه بحكاية زينب والأمير محمد ومحمد بن بيليك المحسني، يتحول المسجد إلى نقطة التقاء بين المصائر الفردية والتاريخ الذي بقي شاهدًا عليها. وتكتسب هذه الصلة دلالتها من المفارقة بين بقاء البناء العظيم وغياب حكايات كثيرين أسهموا في صنعه؛ فالمكان الذي يحفظه التاريخ قد يظل صامتًا عن حياة الذين ارتبطت أسماؤهم بتشييده.

وتحضر القاهرة في الرواية بوصفها فضاءً تتداخل فيه هذه الأزمنة والأصول. ففي افتتاحها نسمع وصف المدينة على لسان فاطمة، التي تراها مكانًا يبتلع الإنسان ويفقده ذاكرته وهدفه. لكن هذه النظرة تعبّر عن خيبة الشخصية وتجربتها، ولا تختصر صورة القاهرة في العمل. فالمدينة، عبر الحكايات، تبدو قادرة على استيعاب جماعات متباينة وآثار عصور متعاقبة، من دون أن تفقد ما راكمته من صراعات وتحولات. إنها مدينة تتشكل من حياة سكانها واختلافاتهم، كما تتشكل من القوى التي تعاقبت على حكمها.

ومن الناحية الفنية، تبرز مغامرة الرواية في جمعها بين ثلاثة مسارات تاريخية، تتشكل داخلها حكايات إنسانية، وربطها عبر المدينة والمسجد. يمنح هذا البناء العمل اتساعًا، لكنه يضعه أمام تحدي الموازنة بين الوقائع التاريخية ونمو الشخصيات. فالمادة التاريخية الغنية تحتاج إلى سرد يحافظ على حيوية الحكاية، حتى لا تتراجع التجربة الإنسانية أمام كثافة المعلومات. وفي هذا الجانب، لا تتساوى الحكايات الثلاث في أثرها؛ فحكاية زينب، بما تحمله من تطور نفسي وتعقيد في المشاعر، تبدو أكثر قدرة على بناء علاقة عميقة مع القارئ. أما الحكايتان الأخريان فتضيفان إلى الرواية اتساعًا تاريخيًا واجتماعيًا، وتفتحان زوايا مختلفة للنظر إلى السلطة والعدالة والانتماء.

ما تمنحه "أولاد الناس" لقارئها هو فرصة للنظر إلى التاريخ من جهة أخرى، ورؤية البشر الذين عاشوا داخله بعيدًا عن الصور العامة التي تتركها العصور في كتب التاريخ. فالمماليك لم يكونوا جميعًا على صورة واحدة، والناس الذين عاشوا في ظل حكمهم لم تتشابه حيواتهم أو مواقفهم. بين الطموح والخوف والحب والسلطة، تتكشف شخصيات تتغير وتخطئ وتعيد النظر في نفسها، وتظل أفعالها محكومة بظروفها وبالخيارات المتاحة أمامها.

في نهاية الرواية، تبقى صورة القاهرة حاضرة بوصفها مدينة صنعتها أجيال متعاقبة، وترك كل جيل فيها أثرًا، سواء احتفظ التاريخ باسمه أم غيّبه. وتبقى زينب، على نحو خاص، بما تكشفه رحلتها من تعقيد النفس البشرية؛ فهي لا تصل إلى يقين يبدد تناقضاتها، بل تصبح أكثر وعيًا بها. ولعل هذا ما يجعل حكايتها قريبة من القارئ بعد انقضاء زمنها: أن الإنسان لا يُفهم من موقف واحد، ولا تختصره الصورة التي يحملها عن نفسه، بل تكشفه التجربة بما تتركه فيه من تغير وأسئلة.