ثقافة

رسائل الفر في الطنطورة

16 مشاهدة
رسائل الفر في الطنطورة

 

الكاتبة: دعاء زعبي

حملْتهُ معي إلى الطنطورة… إلى الجانب الآخر من البحر الذي شهد نكبتنا ونزوحنا ومقابرنا الجماعية.

هنا، عند شاطئ تلك القرية الساحلية الصغيرة التي غابت إلى الأبد، تمتدّ ذاكرةٌ من الوجع والفقد، تذكّرني في كلّ مرّة أزورها، بتلك المجزرة التي تأبى أحداثها أن تفارق مخيّلتي.

فأيّ مفارقة هذه يا حسام؟!

أيّ مفارقةٍ هذه، وغزّة اليوم تنزف بين يديّ، وطنطورة الأمس تئنّ أمام عينيّ؟! وكيف لقلبي أن يحملَ وجعين؟! أليس هذا كثيرًا عليّ؟

وقفتُ عند الإهداء طويلًا، تأمّلته مليًّا، أعدتُ قراءته مرّتين وثلاث، وأنا أحاول أن أحصي وجوه الراحلين والمفقودين والصابرين الذين ما زالوا ينتظرون فرج السماء ومعونة الأرض وعبادها، والذي طال أمره، حتّى كاد أن يكون نسيًا منسيّا.

كانت عيناي تتنقّلان بين المدى الأزرق البعيد، وبين أحرف الكتاب التي عكست صبر الناس وثقل همومهم وأوجاعهم. كنتُ أراقبُ، لا شعوريّا، حركة الطيور المستمرّة والعابرة في محيط الشاطئ، وكأنّ عنوان الكتاب قد فرض نفسه عليّ. فبدأتُ أبحثُ عن مصادر مختلفة عمّا يخصّ هذا الطائر، فوجدتهُ طائرًا صغيرًا يتقن البقاء والصمود، لا يترك أرضه، بل يتمسّك بها حتى حين يداهمه الخطر. فهو يعرف جيّدًا أنّ جذره ومقامه على الأرض، لا في السماء، فتراه يجري ولا يحلّق بعيدًا، وإن حلّق يعود.

أمّا "رسائل الفرّ" فهو كتابٌ ولد من رحم الحزن والمعاناة والألم الدفين… من قلب المقتلة والآهات والحكايات… ولدَ ليبقى شاهدًا على حطامِ وركام ما كان من حجرٍ وشجرٍ وبشر، وما كان من ذكرياتٍ وثّقها كاتبنا بعين ذبيحٍ عاشقٍ لبلده، ولسان مؤرّخٍ كتب غزّته التي عرفها يومًا… غزّته التي عاش فجرها وليلها، صيفها وشتاءها، أحلامها وقصص أحيائها، أحاديث ناسها وجدالات مثقفيها، غروب بحرها وتلاطم أمواجه… عاش فرحها وشموخها، وذاق وجعها ودمارها، حتى غدت تفاصيلها جزءًا من روحه وقلمه.

يقول حسام أبو النصر:

"في الحرب لا فائدة من الإبداع، فالكاتب حرق مكتبته ليدفئ أولاده من برد اللجوء، والرسّام جعل من لوحاته الزيتيّة غطاء لخيمته من شتاء الحرب، والمؤرّخ فقد ذاكرته بعد أن قصف أرشيف عائلته، والشاعر حزم أبياته حطبًا لطبق عشاء…".

وماذا بعد أيّها الحسام، الذي غمرني بلطفه وكرمه حين أهداني "رسائل الفرّ" الهاربة من زمن كان هو الأجمل، لكنّه أبى إلّا أن يغرقني بحزن شديد لا قرار له.

يقول صاحب رسائل الفرّ، من بين ما قال أيضًا، وقد قال الكثير :

"كان الطريقُ المُبتلُّ يعكسُ إناراتِ المدينةِ، ونساءً يَجمعنَ الغسيلَ المتدلّي على الحبال، مثّل كلُّ نساءِ العالم عند أوّلِ رَشّةِ مطر.

فيسرعُ الأطفالُ لإخفاءِ درّاجاتهم، والأمهاتُ يصرخنَ عليهم حين يمسحون بأحذيتهم عتبةَ البيت خوفًا على سجّادةِ الصالون.

كانت أقراصُ الفلافلِ تدفئُ البطنَ، غارقةً في المُخلّلاتِ والطحينيّةِ مع قليلٍ من البطاطا المقلية.

فيما تبدأُ أزمةُ السياراتِ عند حُفَرِ الماء، كنّا نستمتعُ أحيانًا بجلسةٍ في مقهى ديليس نتفرّجُ على المارّة.

في غزّةَ لا تعرفُ شكلَ المتحفِ، لأنَّ المدينةَ جميعها لها ثقافتها الخاصةُ بها، ولا وقتَ للدخولِ في جدالٍ سيكولوجيٍّ أو سيميائيٍّ لأنّك حينها ستضيّعُ عليك لحظةَ الاستمتاعِ بشتاءِ غزّة…".

فما أجمله من وصف، وما أصدقه من تعبير. مثالٌ لنصٍّ اجتزأته من الفرح الذي سكن غزّة ذات حياة، وقد قصدتُ الفرح رغبةً منّي في إحيائه، لعلّه يعود يومًا وينبتُ من جديدٍ هناك.

في هذا النصّ الجميل والمشرق، استطاع حسام أبو النصر أن يحوّل تفاصيل الحياة اليومية البسيطة في غزّة، إلى مشاهد تنبض بالدفء والحنين؛ فبدت الفلافل، والمطر، والشوارع، وحتى ازدحام السيارات، ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل ملامح لوطنٍ حمله كاتبنا في ذاكرته رافضًا تقسيمه إلى حلوٍ او مرّ.

هكذا هي نصوص "رسائل الفرّ". نصوصٌ تمتاز بسلاسة اللغة وعمق الأحاسيس، تجمع بين بساطة العبارة وثراء الدلالة، تشعرك بأنّك كنت يومًا هناك، عشت تفاصيل المدينة بسحر أوقاتها، وصعوبة أحداثها، بكلّ ما فيها من بساطةٍ وجمالٍ وصدق، وفقدٍ ودمارٍ وموت.

أمّا ما منح هذا العمل الأدبيّ فرادته، حسب رأيي المتواضع، هو ذلك الصدق الذي لا يتصنّع أثره. فكلّ نصّ كتب هنا، اقتطعه كاتبه من واقعه المعيش وواقع عائلته وأصحابه ومعارفه، بكلّ مركّبات فرحه وحزنه.

أمّا أنا، فمهما كتبتُ فلن أفيَ هذا العمل الجميل والصادق حقّه، وسأترك للقرّاء والنقّاد فرصة قراءته والحكم عليه.

مبارك وألف مبارك للصديق حسام أبو النصر إنجازه الأدبيّ الأوّل "رسائل الفرّ"، وإلى مزيد من العطاء والإبداع.