الكاتب:محمد عبد الرحيم
تتواتر إلينا أهوال الحرب العالمية الثانية، من خلال أرشيفات مختلفة، سواء جاءت من الصحف أو الأفلام التي تم تصويرها خلال المعارك، إضافة إلى المذكرات الخاصة بقادة الحرب، أو أقارب ضحاياها، ناهيك من كم الأفلام التي تم صنعها عن هذه الحرب، مع مراعاة وجهات النظر المختلفة التي يتبناها كل صانع فيلم على حِدَة. إلا أننا على كل حال لم نتعايش معها إلا مع النتائج لا مع الأحداث نفسها. وفي المقابل ومع الفارق الشاسع، ومنذ غزو (العراق) من قِبل (قوات التحالف) في 2003 انتقلت الحرب مباشرة من جبهات القتال إلى شاشات الفضائيات، بمعنى المشاهدة اللحظية للرصاص والصواريخ والقنابل.. والضحايا. وبالتواتر أيضاً ـ وهو أمر مقصود ـ أصبحت تلك المشاهد اعتيادية، وهو ما حاولت قوات الكيان الصهيوني بثه وتمريره أثناء حرب غزة الأخيرة، التي لم تنته بعد. فصور الأشلاء والصراخ والأكفان المتراصة ـ رغم تأثيرها ـ دخلت بدورها في طور الاعتيادية ـ رغم سخف اللفظ ـ ولا تمتلك الشعوب العربية ــ دون أنظمتها الحاكمة ـ إلا الغضب والدعاء لكشف الغُمّة وإغاثة الأمة.
فماذا يمكن أن تقدم السينما ونحن نعيش الحدث، دون الاقتصار على استحضاره، سواء من تاريخ قريب أو بعيد؟ ربما حاول فيلم «صوت هند رجب» أن يصنع شيئاً مختلف.
الفيلم سيناريو وإخراج كوثر بن هنيّة ومن أداء.. سجا كيلاني، معتز ملحيس، عامر حليحل، وكلارا خوري. حصل الفيلم على جائزة الأسد الفضي في مهرجان فينيسيا الـ(82) هذا العام، كما رُشّح للقائمة القصيرة لجوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي.
حياة انتهت
في التاسع والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2024 جاء نداء من طفلة لم تُكمل عامها السادس بعد، كانت محاصرة في سيارة، تم قتل جميع مَن في داخلها من أبناء عمها، الذي لقى مصرعه بدوره هو وزوجته، هكذا هي.. طفلة وحيدة تستغيث من خلال هاتف محمول ـ لم يزل هو الآخر على قيد الحياة ـ بمتطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني، وبعد محاولات استمرت لثلاث ساعات، حتى يمكن تأمين عربة إسعاف تصل إليها، حيث تستغرق المسافة حوالي 8 دقائق، ولكن.. ساعات من الرعب تعيشها حيث تختبئ وتشاهد اقتراب دبابة من السيارة، التي أصبحت نعشاً، حيث كانت تظن في البداية أن أقاربها قد أصابهم النوم، ثم اكتشفت أنهم ماتوا جميعاً، هكذا تعرف في لحظاتها الأخيرة الحقيقة. وبمجرد وصول سيارة الإسعاف ينضم طاقمها إلى أقارب الطفلة، وقد تم تفجير سيارة الإسعاف وسيارة الطفلة مرّة أخرى عن آخرها، ربما الخلاص الوحيد من الرعب في حالتها ليس تجاوزه بالنجاة، بل بالموت. هكذا انتهت حياة الطفلة هند رجب (3 مايو/أيار 2018 ــ 29 يناير 2024).
حصار الساعات الثلاث
الحكاية معروفة، وتمت إذاعتها من خلال القنوات ووسائل التواصل، فقط.. صوت هند والمتواصلين معها من فريق الهلال الأحمر الفلسطيني ـ فريق تلقي الاستغاثات ــ ليبدأ الفيلم صياغة السيناريو من خلال حصار كل منهما.. طفلة في سيارة مع أجساد تغطيها الدماء، كانت منذ لحظات تتحدث إليها، وربما تبادلها الضحك أو حتى الابتسام، وفريق الإنقاذ المُحاصر بدوره بين غرف من زجاج، وخطوط إدارية لا يستطيع أن يتخطاها، إضافة إلى إنهاك نفسي لا يُحتمل. فالجميع محاصر إذن ولا أدنى أمل في حدوث معجزة. وبين الحوارات المتبادلة بين هند وبينهما، يُصاب الرجل والمرأة بالانهيار، لتأتي المعالجة النفسية بالمكان وتحاول أن تجعل الأمر مُحتملاً، من خلال إرشادات التنفس ببطء، وهكذا تعاليم لن تجدي شيئاً، حتى إنها في النهاية تتورط مع صوت هند وتكاد تنهار.
على الجانب الآخر يبدو مدير المكان، الذي لا يريد أن تتم عملية الإنقاذ إلا من خلال الترتيب الكامل والآمن مع جميع الجهات (الصليب الأحمر الدولي، السلطة الفلسطينية، القيادات الصهيونية) فالدائرة مغلقة، والطفلة بينها، متعلّق مصيرها بإجراءات غاية في التعقيد. يبدو الرجل من الخارج أنه اعتاد مثل هذه الحالات، من بداية الاستغاثة إلى مآلها المعروف.. الموت، ولكنه في الحقيقة لا يريد فقد آخرين من طاقم الإنقاذ، وقد أصبحت صورهم معلّقة أمامه، ولا يريد أن يُضاف إليها أحد الشهداء. وهكذا صراعات أخرى تدور بين الرفاق في وحدة تلقي الاستغاثات، والاتهام تارة بالتهاون، وصولاً إلى العمالة!
النهاية المحتومة
اجتهد الفيلم في خلق حالة من التعايش مع صوت (هند) والمتعاملين معها، ولم يفرق بينها وبين الذين ستتم إبادتهم معها في النهاية، فقد كان التواصل معهم من خلال مكالمات صوتية، لم نستمع إليها، ولكن من الردود عليها نستكشف طبيعة هذه الشخصيات من المُسعفين، فهم أيضاً ضحايا كما العديد من الضحايا الذين لا نعرف عنهم شيئاً. ويأتي صوت الطفلة هند رجب، أو (هنّووود) كما كانت أسرتها تناديها، وكذلك فريق تلقي الاستغاثات بعد ذلك، ليحاول المتلقي أن يستشعر ــ محاولة فارغة في النهاية ــ أو على أقل تقدير (يتخيّل) ما مرّت به هذه الطفلة قبل صعود روحها إلى خالقها من معاناة ورعب وألم، فسمعناها.. تقرأ سورة الفاتحة، وفي أي صف وأي مدرسة، وما لديها من أخوة، وبين الحين والآخر تقول باكية.. «أنا خايفة». لك أن تستشعر ثقل هذه الكلمة من طفلة، هذه الحالة التي ستظل معك وقتاً طويلاً، والتي ستتحول من التعاطف والتأسي إلى غضب، وربما يحاول الغضب أن يُغيّر شيئا.. ربما.



