الكاتب : د بسام سعيد
يأتي رمضان هذا الشهر الكريم في غزة هذا العام فى ظل وقفٍ لإطلاق نار هش نتمنى ان يستمر وتتوقف الحرب ، شهر لا يمحو آثار الشهور الماضية ولا يمسح وجع الفقد والتهجير. بين الخيام التي تؤوي النازحين، والبيوت المهدمة، والأسواق التي استعادت شيئًا من حركتها، يقف الناس على حافة شعورين متناقضين: الرغبة في الحياة، وثقل المعاناة التي لم تنتهِ بعد.
يتبادر الى ذهنى سؤال : كيف يصوم من يعيش في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة؟ وينام على الرصيف أو حتى فى المقابر ؟ كيف يتسحر من ينتظر دورًا للحصول على الماء أو رغيف خبز؟ في المخيمات، تحاول العائلات أن تصنع من القليل كثيرًا، وأن تحافظ على ما تبقى من طقوس الشهر الكريم، ولو بإفطار متواضع يجمع أفراد الأسرة حول مصباح خافت ، أو موقد نار في غياب غاز الطهي . أما الأيتام والأرامل والمرضى، فقصتهم أكثر وجعًا؛ فهم يواجهون رمضان بقلوب أنهكها الفقد، وباحتياجات تتزايد في ظل ضعف الإمكانات وقلّة الموارد حتى وان بدأ حزنهم خافت .
وفي مشهد يبدو متناقضًا، تشهد غزة حالة واضحة من البحث عن الحياة. تُفتتح وترمم محال تجارية ومطاعم جديدة، وتزدحم الأسواق بالمتسوقين رغم ارتفاع الأسعار وقلة الدخل. هناك من يحاول أن يبدأ من جديد، وأن يتمسك بالأمل مهما كانت الظروف. لكن هذا المشهد يتجاور مع اتساع رقعة الفقر، وانتشار الخيام مع زيادة مظاهر الفقر ، وازدياد أعداد المتسولين. وبالمقابل يزداد الحديث عن تباين كبير بين الفقراء والأغنياء، خاصة من يُطلق عليهم الناس "أغنياء الحرب" أو "القطط السمان"، أو من "قلط " كما يقال بالبلدي ومن يحمل ربطات الشواكل الزرق ، في مقابل عائلات فقدت كل شيء وتعيش على الكفاف ، وما زالت تبحث عن مأوى أو عن مفقود تحت الأنقاض.
غزة تبحث عن الحياة، وهذا حقها الطبيعي. الناس بحاجة إلى الفرح، إلى شعور بالكرامة، إلى لحظة ينسون فيها ثقل الأيام الماضية. لكن الاحتفاء برمضان هذا العام يحتاج إلى قدر من التوازن؛ فرحٌ بلا مظاهر استهلاك وإسراف لامبرر له ، ومظاهر احتفال لا تُغفل وجود بيوت ما زالت تبكي أبناءها، وعائلات لم تستكمل حدادها لأن بعض أحبّتها ما زالوا تحت الركام.
رمضان شهر الرحمة والتكافل، وهو فرصة ليقترب الناس من بعضهم أكثر، لا ليتباعدوا بفعل المظاهر. يمكن أن يكون هذا الشهر مساحة لتعزيز التضامن، ومساندة الأشد حاجة، وتخفيف العبء عن النازحين والأيتام والأرامل والمرضى. فالمعاناة لا تُلغِي حق الناس في الفرح، لكنها تذكّرنا بأن الفرح الأجمل هو ذاك الذي يتسع للجميع ، فغزة التي تبحث عن الحياة تستحق أن تجدها، لا في الأسواق والمقاهى وحدها ، بل في عدالة تُنصف الفقير، ووعيٍ يراعي المكلوم، وقلوبٍ تتشارك الألم ، وسلام وأمن وأمآن غائب يجب ان يعود .
* أكاديمي وباحث



