Uncategorised

السلم الأهلي في القدس... صمام أمان المجتمع وحصنه في مواجهة الاحتلال والفتن

3 مشاهدة

الكاتب : اللواء بشار الخطيب 

تُعد القدس، بما تحمله من مكانة وطنية ودينية وتاريخية، أكثر من مجرد مدينة؛ فهي عنوان الهوية الفلسطينية، وقلب المشروع الوطني، ومرآة وحدة الشعب الفلسطيني. وفي ظل ما تتعرض له المدينة من سياسات احتلالية تستهدف الأرض والإنسان والمقدسات، يصبح الحفاظ على السلم الأهلي مسؤولية وطنية وأخلاقية تتجاوز المؤسسات الرسمية لتشمل العائلات، والوجهاء، ورجال الإصلاح، ومؤسسات المجتمع المدني، وكل صاحب ضمير حريص على بقاء النسيج الاجتماعي الفلسطيني متماسكًا.

إن الاحتلال يدرك أن المجتمع المتماسك عصيّ على الانكسار، ولذلك لم يقتصر استهدافه على الأرض والمقدسات، بل امتد إلى البنية الاجتماعية نفسها، عبر تغذية الانقسامات، وتأجيج الخلافات، واستثمار النزاعات العائلية والفردية، والسعي إلى تحويل أي خلاف محدود إلى أزمة مجتمعية واسعة تستهلك طاقات الناس وتُبعدهم عن قضيتهم المركزية. ومن هنا فإن حماية السلم الأهلي ليست عملاً اجتماعيًا فحسب، بل هي شكل من أشكال الصمود الوطني، وجزء أصيل من معركة الدفاع عن القدس وفلسطين.

لقد أثبت المجتمع المقدسي عبر عقود طويلة أنه قادر على تجاوز المحن، وأن منظومة القيم الأصيلة القائمة على التكافل والتسامح والإصلاح والعفو كانت دائمًا صمام الأمان الذي حال دون انزلاق المجتمع إلى دوائر الفوضى والثأر والاقتتال الداخلي. وما تزال العائلات المقدسية، بما تمتلكه من إرث اجتماعي عريق، تمثل ركيزة أساسية في تثبيت الأمن المجتمعي وتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم.

ومن هذا المنطلق، يضطلع ملف السلم الأهلي في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، بمسؤوليات واسعة تتعلق بمتابعة العديد من الملفات الاجتماعية والوطنية الحساسة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن وحدة المجتمع هي أساس الصمود، وأن أي شرخ اجتماعي ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المجتمع المقدسي على مواجهة التحديات التي يفرضها الاحتلال.

وتشمل هذه الجهود متابعة قضايا الإصلاح المجتمعي، والعمل على احتواء الخلافات العائلية قبل تفاقمها، والسعي إلى إنهاء النزاعات بالحوار والوساطات المجتمعية، إلى جانب متابعة ملفات شديدة الحساسية، من بينها قضايا الدم، وما يرتبط بها من جهود كبيرة لمنع اتساع دائرة الثأر، وإعلاء قيمة القانون والعرف الإصلاحي المسؤول، وصون حرمة الدم الفلسطيني باعتبارها خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه.

كما يولي الملف وبتعليمات واضحة من الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس سيادة اللواء بلال النتشة ،اهتمامًا خاصًا بملفات الاعتداءا المختلفة، وما يُثار بشأن محاولات الاستيلاء على الممتلكات، وقضايا اخرى ذات حساسية وطنية، وهي من أخطر القضايا التي تمس الوجود الفلسطيني في القدس، لما لها من انعكاسات مباشرة على مستقبل المدينة وهويتها العربية الفلسطينية. وتستلزم هذه الملفات درجات عالية من المسؤولية، والتنسيق مع الجهات المختصة، والعمل بحكمة، بعيدًا عن التسرع أو إطلاق الاتهامات دون بينات وإجراءات قانونية سليمة، بما يحفظ الحقوق ويصون السلم المجتمعي في الوقت نفسه.

إن فلسفة العمل في مجال السلم الأهلي لا تقوم على معالجة النتائج فقط، وإنما على الوقاية قبل وقوع الأزمات، من خلال تعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ قيم التسامح، وإحياء دور رجال الإصلاح، وتشجيع الحلول التوافقية التي تحفظ كرامة الجميع، وتغلق أبواب الفتنة قبل أن تتسع.

وقد أثبتت التجارب أن كثيرًا من الخلافات التي بدت في بدايتها مستعصية انتهت بالصلح عندما توفرت النوايا الصادقة، وتحمل الجميع مسؤولياتهم الوطنية والاجتماعية، واضعين مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار شخصي أو عائلي . فالصلح لا يعني انتصار طرف على آخر، وإنما انتصار المجتمع بأكمله، وحماية أجياله القادمة من آثار الخصومات الممتدة.

وفي هذا الإطار، تؤكد قيادة المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، أهمية الحفاظ على وحدة المجتمع الفلسطيني، وتغليب لغة الحوار والإصلاح، وصون حرمة الدم الفلسطيني، وتعزيز التلاحم بين العائلات المقدسية، بما يسهم في إفشال كل المحاولات الرامية إلى تفكيك النسيج الاجتماعي أو بث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد.

كما تؤكد توجيهات اللواء بلال النتشة، على أن السلم الأهلي يمثل أولوية وطنية، وأن الحفاظ على حرمة الدم الفلسطيني واجب لا يحتمل المساومة، وأن توحيد الصفوف الاجتماعية، وتقوية أواصر المحبة والتعاون بين العائلات، يشكلان جزءًا أساسيًا من حماية القدس وتعزيز صمود أهلها في مواجهة التحديات المتواصلة.

إن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع الارتقاء فوق الخلافات الضيقة، وإدراك أن الاحتلال هو المستفيد الأول من أي انقسام أو نزاع داخلي، وأن المجتمع الفلسطيني كلما ازداد تماسكًا، ازدادت قدرته على حماية حقوقه وثوابته الوطنية. فالمعركة الحقيقية ليست بين أبناء الشعب الواحد، وإنما في مواجهة السياسات التي تستهدف وجودهم وحقوقهم ومستقبلهم.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تفرض مسؤولية إضافية على الجميع، إذ قد تتحول الإشاعة أو المعلومة غير الدقيقة إلى سبب لإثارة الفتن وتأجيج المشاعر وإشعال النزاعات. ومن هنا فإن التثبت من المعلومات، وعدم الانجرار وراء التحريض، واحترام كرامة الناس وخصوصيتهم، كلها عناصر أساسية في منظومة السلم الأهلي.

ولا يقل دور المؤسسات التعليمية والمساجد والكنائس ووسائل الإعلام عن دور مؤسسات الإصلاح، فهذه الجهات جميعها شريكة في بناء ثقافة مجتمعية تقوم على الاحترام المتبادل، وقبول الاختلاف، ونبذ العنف، وتعزيز قيم المسؤولية الوطنية، بما يحافظ على وحدة المجتمع ويحصنه أمام محاولات الاختراق.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتوجه بخالص التقدير والامتنان إلى جميع الجهات التي تبذل جهودًا متواصلة في ترسيخ السلم الأهلي وصون الأمن المجتمعي، وفي مقدمتها شرطة الضواحي، والأجهزة والجهات المختصة في السلطة الوطنية الفلسطينية، لما تقوم به من متابعة حثيثة للقضايا المجتمعية، وكذلك التعاون المستمر مع لجان الإصلاح ومؤسسات المجتمع، بما يسهم في حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار وسيادة القانون.

كما نتقدم بالشكر والعرفان إلى رجال الإصلاح في القدس وسائر محافظات الوطن، الذين يواصلون أداء رسالتهم النبيلة بإخلاص وحكمة، ويكرسون أوقاتهم وجهودهم لرأب الصدع، وإصلاح ذات البين، واحتواء الخلافات، وحقن الدماء، والمحافظة على وحدة المجتمع الفلسطيني، مستلهمين قيم ديننا الحنيف وعاداتنا الوطنية الأصيلة.

ولا بد كذلك من الإشادة بالدور الذي تضطلع به مؤسسة الرئاسة في دعم كل المبادرات الهادفة إلى تعزيز الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وتشجيع الجهود الرامية إلى توحيد الصفوف، وترسيخ ثقافة الحوار، والحفاظ على تماسك المجتمع الفلسطيني في مواجهة التحديات التي تستهدف وحدته ونسيجه الاجتماعي.

إن الحفاظ على السلم الأهلي مسؤولية جماعية لا تقتصر على مؤسسة أو جهة بعينها، وإنما هي واجب وطني يتشارك فيه الجميع، أفرادًا ومؤسسات، حتى تبقى القدس، ويبقى الوطن كله، نموذجًا للوحدة والتكاتف والصمود، وعنوانًا للمحبة والتسامح والتآخي بين أبناء الشعب الفلسطيني.

اخيرا يجدر التأكيد على ان القدس كانت وستبقى نموذجًا للتكاتف والصمود، ولن تنجح محاولات تمزيق نسيجها الاجتماعي ما دام أبناؤها متمسكين بقيمهم الوطنية والإنسانية، ومدركين أن وحدتهم هي أقوى أسلحتهم، وأن السلم الأهلي ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية، وثقافة راسخة، ومسؤولية جماعية يتحملها الجميع.

لذا فإن حماية السلم الأهلي هي حماية للقدس، وحماية لفلسطين، وحماية للمستقبل. وكل جهد يُبذل في الإصلاح، وكل خلاف يُطوى بالحكمة، وكل دم يُحقن، وكل أسرة تُصان، هو انتصار جديد للمجتمع الفلسطيني، ورسالة واضحة بأن هذا الشعب، رغم كل ما يواجهه من تحديات، سيبقى موحدًا، متماسكًا، عصيًا على محاولات التفكيك، ومتمسكًا بقيمه الوطنية والاجتماعية التي صنعت صموده عبر التاريخ .

*مسؤول ملف السلم الاهلي في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية