محليات

طبيب الفقراء مازن رنتيسي يروي تفاصل 127 يوما من العذاب في سجون الاحتلال

6 مشاهدة قراءة 16 دقيقة

«كان السجّانون يتنافسون على مَن هو الأكثر قسوة»: طبيب فلسطيني يروي تفاصيل 127 يومًا في السجون الإسرائيلية

أُفرج مؤخرًا عن الدكتور مازن رنتيسي بعد اعتقاله في سجني عوفر ونفحة. ولا يزال يجد صعوبة في التعافي مما عاشه هناك، بما في ذلك وباء تحوّل إلى وسيلة تعذيب، والرش بغاز الفلفل، وعنف السجّانين الذين حاولوا من خلاله إثبات ولائهم.

كانت الأيام الـ127، أي نحو أربعة أشهر، التي أمضاها طبيب الأسرة مازن رنتيسي في السجن الإسرائيلي، طويلة بما يكفي ليبدو عند الإفراج عنه مثل سائر الفلسطينيين الذين خرجوا من مراكز الاعتقال خلال السنوات الثلاث الأخيرة: شديد النحافة، ينتعل شبشبًا، ويرتدي بنطالًا رياضيًا رماديًا وقميصًا داخليًا قطنيًا أبيض. كان رنتيسي يحكّ جسده بلا توقف، بينما عكست نظراته مزيجًا يصعب تفسيره من الصدمة والحزن والقلق والفرح والدهشة من أن العالم في الخارج ما زال يمضي في حياته كالمعتاد.

اعتُقل رنتيسي في 21 حزيران الماضي، حين كان رئيسًا لمجلس إدارة جمعية اتحاد لجان العمل الصحي الفلسطينية، التي صنّفتها إسرائيل جمعية غير مشروعة، بزعم أنها حوّلت أموالًا إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وأُفرج عنه في 25 تشرين الأول الماضي، وكانت تلك المدة كافية لأن يجد نفسه، عندما خرج للمشي في حيّه بمدينة رام الله، يسير دون وعي بظهر منحنٍ ورأس مطأطأ. إنها الوضعية المهينة والمؤلمة التي تفرضها مصلحة السجون الإسرائيلية على الأسرى الفلسطينيين أثناء نقلهم مكبّلي الأيدي من مكان إلى آخر.

ومع ذلك، كانت مدة احتجازه في السجنين اللذين نُقل بينهما، عوفر ونفحة، قصيرة نسبيًا، وقد اعترف رنتيسي قائلًا: «أشعر بالخجل لأنني أخرج إلى الحرية، بينما يبقى خلفي الشبان الذين كانوا معي في الزنزانة ودافعوا عني أكثر من مرة».

وبصفته طبيبًا يؤمن بأن الإنسانية أحد أسس مهنة الطب، أولى رنتيسي اهتمامًا خاصًا بسلوك الطواقم الطبية.

وقال: «كان هناك طبيب شاب واحد جيد. لم يقل كلمة، لكنني رأيت في عينيه الحزن والتعاطف. لم يكن يصرخ مثل الآخرين، وعندما طلبت دواءً للإمساك أعطاني إياه. في المقابل، كان معنا في الزنزانة مريض بالسكري حُرم من قطرات العين منذ نهاية عام 2023 . لقد فقد البصر في إحدى عينيه، وأنا مقتنع بأنه سيفقد قريبًا البصر في العين الثانية أيضًا».

ويؤكد رنتيسي، البالغ من العمر 71 عامًا، والمعروف بلقب «طبيب الفقراء» بسبب الأجور الرمزية التي يتقاضاها مقابل العلاج في عيادته الخاصة، أن أطباء مصلحة السجون الإسرائيلية لا يقدمون للأسرى علاجًا مناسبًا لمرض الجرب.

وقد تحوّل هذا المرض الجلدي المعدي، الذي تسببه طفيليات صغيرة تحفر أنفاقًا في الطبقة العليا من الجلد وتضع بيوضها فيها، خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى وباء داخل مراكز الاعتقال، وإلى وسيلة تعذيب بحد ذاتها، وفق شهادات الأسرى الفلسطينيين.

ويقدّر رنتيسي أن جميع الأسرى أصيبوا بالعدوى، رغم أن نحو خُمسهم لا تظهر عليهم الأعراض.

ويصف الوضع قائلًا: «الأطباء يفحصون راحتي اليدين فقط، ويرفضون فحص بقية أجزاء الجسم. هذا ليس فحصًا. الشبان يصرخون من الزنازين باتجاه الممر: لدينا جرب، أعطونا دواء! لكن لا أحد يستجيب لهم».

وفي الأماكن المغلقة والمكتظة، عند تفشي المرض على نطاق واسع، تقتضي البروتوكولات الطبية المتبعة تقديم علاج دوائي عن طريق الفم.

أما رنتيسي نفسه، فلم يحصل على الحبة الأولى إلا بعد نحو شهرين من اعتقاله، حين كان قد أصيب بالمرض بالفعل. أما الحبة الثانية، التي يجب تناولها بعد أسبوع أو أسبوعين، فلم يحصل عليها هو ولا آخرون إطلاقًا.

ويقول: «في حالة الوباء، يجب إعطاء الجميع الجرعة العلاجية التكميلية في الوقت نفسه، لكن هذا لا يحدث. العلاج يُقدَّم بصورة متقطعة وعشوائية تمامًا».

أما المستحضرات المخصصة للقضاء على الطفيليات والمراهم التي تخفف الحكة المستمرة المانعة للنوم، فتُوزَّع بكميات ضئيلة جدًا وعلى عدد محدود للغاية من الأسرى.

ويضيف: «مرة واحدة فقط أعطاني مسعف محترم في سجن عوفر مرهمًا».

وتُعد المحافظة على النظافة شرطًا أساسيًا للشفاء ومنع انتشار العدوى، لكن الواقع داخل السجن معاكس تمامًا.

فمصلحة السجون توزّع على المعتقلين ملابس وأغطية توحي رائحتها بأنها لم تُغسل منذ وقت طويل.

ويضطر كل أسير إلى غسل ما يملكه من ملابس قليلة بنفسه، وهي زيّ الاعتقال وبدلة رياضية وسروال داخلي واحد أو اثنان، ثم ارتدائها وهي لا تزال رطبة.

وتنبعث روائح كريهة من الفرشات الإسفنجية الرقيقة، ولا توجد في الزنازين أي مواد تعقيم أو مكانس أو قطع قماش للتنظيف أو ممسحات للأرضيات.

ويُفترض أن تكفي عبوة شامبو واحدة لاستحمام جميع الموجودين في الزنزانة، وعندما تنفد لا يسارع السجّانون إلى توفير أخرى.

أما الوقت المخصص للاستحمام فقصير للغاية، ويزداد الاضطراب بسبب عمليات النقل المتكررة من زنزانة إلى أخرى. وفي آخر عملية نقل، صودرت فرشاة أسنان رنتيسي ولم تُعَد إليه.

ويؤكد: «من غير المعقول أن الأطباء والمسعفين لا يعرفون هذا الواقع».

وعندما نُقل من سجن عوفر إلى مجمّع غانوت في الجنوب، الذي يضم سجني نفحة وريمون، أُدخل وهو مكبّل اليدين إلى جلسة تقييم مع أخصائية نفسية.

ويروي: «قالت إنها آسفة لأن الوضع على هذا النحو، وسألتني إن كنت أريد شرب الماء. لكنها لم تفكّ الأصفاد التي كانت تقيّد يدي خلف ظهري، بل قرّبت الكأس من فمي وسقتني».

وقد ذكر رنتيسي هذه الواقعة ليبيّن أن حتى أولئك الذين يحاولون إظهار شيء من الإنسانية يجدون أنفسهم مقيّدين بتعليمات عليا تسير في الاتجاه المعاكس.

وانطباعه أن معظم أفراد طاقم مصلحة السجون «يريدون إثبات ولائهم من خلال إظهار القسوة تجاهنا، وكأن بينهم منافسة على مَن يكون الأكثر قسوة. بعض أفراد الطاقم التمريضي كانوا يصرخون علينا أكثر من السجّانين».

ولاحظ أيضًا أن السجّانين الرجال يشعرون، عند وجود سجّانات، بالحاجة إلى المبالغة في فظاظتهم.

وبحسب قوله، كان واضحًا أن بعض أفراد الطاقم جاءوا فقط لكسب رزقهم، لكن معظمهم، وفق انطباعه، كانوا يستمتعون بممارسة السلطة.

ويقول: «لا تنظر إليّ! اخفض عينيك! هكذا يصرخون، ثم يضربوننا ويركلوننا ونحن مكبّلو الأيدي».

ويتابع: «في الليل يمرّون ويضربون أبواب الزنازين لإفزاعنا وإيقاظنا من النوم. وفي المساء يطفئون الأنوار بالضبط في موعد الطعام، أما ليلًا فيشعلونها ويطفئونها كل نصف ساعة. وإذا حاولنا إطفاء الضوء، يهددون برشنا بغاز الفلفل. ولكي نتمكن من النوم، كنا مضطرين إلى تغطية رؤوسنا ببطانية تفوح منها رائحة البول».

ومع ذلك، يتذكر رنتيسي هنا أيضًا عددًا قليلًا من السجّانين الذين حافظوا على قدر من التعامل اللائق؛ فلم يشتموا الأسرى، وأطفأوا الأنوار ليلًا، وكانوا يقيّدون أيديهم أمام أجسادهم بدلًا من خلفها.

وتعلّم من الأسرى الشبان كيف لا يسمح للصراخ والشتائم بأن تهزّه نفسيًا.

فكانوا يقولون له: «إنه لا يشتمك أنت، بل يشتم السجّان الآخر».

وأحيانًا كانوا يختلقون أعذارًا للسجّانين، فيقولون: «دعه وشأنه، يبدو أن زوجته أغضبته هذا الصباح».

وأثارت «كعكة عيد ميلاد» مرتجلة غضبًا خاصًا لدى السجّانين. فقد صنعها الشبان من بضع شرائح خبز دهنوها بالطحينة والمربى، وهي مواد غذائية كانوا قد ادخروها لأيام من حصصهم القليلة.

ويستذكر رنتيسي: «عندما اكتشف السجّانون الكعكة، جنّ جنونهم وضربوا المعتقلين».

ويضيف: «قبل ثلاثة أشهر ونصف الشهر، لم أكن قادرًا على تذوقها، وكذلك معظم الطعام الذي كان يُقدَّم لنا».

لكن الجوع اضطره في النهاية إلى تناول الطعام القليل وغير الطازج، رغم أن لونه وقوامه ورائحته كانت تثير النفور.

وكان الأسرى ينظرون إلى الرش بغاز الفلفل باعتباره ممارسة تعذيب روتينية.

ويقول: «عندما يرشّون الغاز إلى داخل الزنزانة، نهرب إلى أقصى طرف فيها، ونغطي رؤوسنا، ونعاني الاختناق والحرقان الشديد لساعات. وبعد ذلك يجب تنظيف الأرضية؛ نسكب الماء، ونفرك السطح باستخدام الشباشب، ثم ندفع البقايا باتجاه المرحاض».

وفي يومه الأخير في السجن، لم ينجُ من هذه المعاناة إلا بفضل احتجاج بقية الأسرى.

حدث ذلك في «غرفة الانتظار»، وهي زنزانة يُجمع فيها المعتقلون قبل مقابلة محامٍ أو المشاركة في جلسة محكمة عسكرية عبر الاتصال المرئي.

وقد تمتد فترة الانتظار إلى 12 ساعة، بينما يجلس الأسرى مكتظين على مقاعد إسمنتية، وأرجلهم مقيّدة وأيديهم مكبّلة خلف ظهورهم.

ويصف رنتيسي: «لا نستطيع حكّ أجسادنا، وبثور الجرب تحترق وتنزف، ونحن نتلوّى ونحتكّ ببعضنا بعضًا في محاولة لتخفيف الحكة».

وقد جسّد بحركات جسده ما كان يصفه.

ويشدّ السجّانون الأصفاد إلى درجة الضغط المؤلم على الأطراف، وهي أصفاد «صُنعت في إنجلترا»، كما لاحظ رنتيسي.

ويقول: «نمتنع عن شرب الماء طوال اليوم السابق، لأن كل ذهاب إلى المرحاض ينطوي على إذلال. ننتظر ساعتين للحصول على الإذن، وحتى حينها لا يفكون الأصفاد».

وفي ذلك اليوم، 25 تشرين الأول، عندما أُخرج من الزنزانة قبل الخامسة صباحًا، كان يعلم أن المحكمة العسكرية ستصادق خلال ساعات على صفقة الإقرار بالذنب التي اتفق عليها محاميه والنيابة.

وتضمنت الصفقة الاعتراف بتهمة العضوية في جمعية غير مشروعة، والحكم بالسجن لمدة تعادل أيام اعتقاله الـ127، وغرامة مالية قدرها 100 ألف شيكل، جمعها أفراد أسرته وأصدقاؤه.

وكانت الجلسة مقررة في التاسعة صباحًا داخل غرفة الاتصال المرئي.

وفي طريق عودته إلى غرفة الانتظار، شعر بالفعل بحرقة شديدة في عينيه وبدأ يختنق؛ إذ كان السجّانون قد رشّوا الأسرى بغاز الفلفل أثناء غيابه، لأنهم تجرؤوا على التحدث بعضهم مع بعض.

ويوضح: «في غرفة الانتظار نحن ملزمون بالصمت. نصمت نصف ساعة، ثم نبدأ بالهمس. حتى الديك يصيح داخل قفصه».

وخارج الزنزانة رأى أحد المعتقلين، وكان وجهه «أحمر مثل حبة طماطم»، ويقف أمامه سجّان يرتدي قناعًا واقيًا من الغاز.

ومن داخل الزنزانة المليئة بالغاز، بدأ الشبان يصرخون باتجاه السجّانين:

«لا تدخلوه إلى هنا! إنه رجل مسنّ، سيموت!».

خشي رنتيسي أن يتعرضوا للعقاب بسبب احتجاجهم، لكنه شعر بفخر كبير لشجاعتهم.

وأُعيد إلى غرفة الاتصال المرئي، ومنها، بعد ساعات من الانتظار، اقتيد سيرًا على الأقدام، وهو مكبّل اليدين ومعصوب العينين، إلى سجن ريمون المجاور.

وفي ساحة السجن، دفعه السجّان الذي كان يمسك به.

ويروي: «سقطت إلى الأمام بقوة، وارتطمت جبهتي بالأرض، ورأيت النجوم فعلًا من شدة الضربة».

وفي زنزانة الإفراج التقى فتى، فسأله الفتى فورًا عن سبب الإصابة الجديدة في جبهته، وألحّ عليه قائلًا:

«يجب أن تبلغ المدير. ليس من أجلك، بل حتى لا يكرروا ذلك مع الآخرين».

استجاب رنتيسي لنصيحته، وأبلغ قائد المنشأة بأن سجّانًا دفعه وطرحه أرضًا.

لكن قائد المنشأة ردّ عليه باقتضاب: «أنت كاذب».

ردّ مصلحة السجون الإسرائيلية :

قدّمت مصلحة السجون الإسرائيلية لصحيفة «هآرتس» الرد نفسه الذي كانت قد قدمته على استفسارات سابقة بشأن ظروف الاعتقال، وجاء فيه:

«الادعاءات الموصوفة غير صحيحة، وتفتقر إلى أي أساس واقعي، وهي جزء من حملة تشويه تستهدف دولة إسرائيل ومؤسساتها القانونية في العالم.

تعمل مصلحة السجون الإسرائيلية وفق أحكام القانون والأوامر والإجراءات الملزمة، وتحت رقابة وإشراف الجهات المختصة.

ويحصل جميع السجناء على ظروف المعيشة ووسائل النظافة والرعاية الطبية المطلوبة، وفقًا للقانون وتقديرات الجهات المهنية المختصة». حسب زعمها .

*تقرير "هآرتس"