محليات

الاحتلال يحرم مرضى السرطان من مرافقة ابنائهم عبر معبر رفح تحت ذريعة الرفض الامني

37 مشاهدة
الاحتلال يحرم مرضى السرطان من مرافقة ابنائهم عبر معبر رفح تحت ذريعة الرفض الامني


غزة - واثق نيوز- كتب محمد المدني - والدتي مريضة بالسرطان - انتظرنا طويلًا لحظة سفرها للعلاج خارج غزة. أكملت جرعات العلاج الكيماوي وسط ظروف لا يحتملها بشر؛ في أيام المجاعة، وحرّ الخيام، وانعدام أبسط مقومات الحياة. تحملت الألم والجوع والخوف، ثم خضعت لعملية استئصال كانت بالنسبة لنا بارقة أمل في طريق طويل من المعاناة.
لكن العلاج لم يكتمل.
كان لا بد من العلاج الإشعاعي، وهو غير متوفر في قطاع غزة، وبدونه قد تصبح كل مراحل العلاج السابقة بلا جدوى.
انتظرنا أشهرًا طويلة حتى جاء الاتصال الذي طال انتظاره من منظمة الصحة العالمية. طلبوا منا الاستعداد للسفر وتجهيز المرافق والأطفال، وتلقينا ثلاث مكالمات مختلفة تتضمن التعليمات والإرشادات. حتى قبل السفر بيوم واحد، عند الساعة الثانية ظهرًا، تلقينا اتصالًا أخيرًا للتأكيد على ترتيبات المغادرة.
ظننا أن الفرج قد اقترب.
لكن بعد ثلاث ساعات فقط، وقبل موعد السفر بساعات، جاء الاتصال الذي قلب كل شيء.
أبلغتنا الطبيبة نور بوجود رفض أمني إسرائيلي للمرافقة وعدم الموافقة على سفرها ووضعتنا أمام خيارات كلها مؤلمة. أخبرتنا أنه إذا أردنا تغيير المرافق فسنبدأ الإجراءات من الصفر، ما يعني انتظارًا جديدًا لا تحتمله حالة والدتي الصحية.
كان القرار قاسيًا.
قررنا أن تسافر وحدها، مؤمنين أن لنا أحبة كثيرين في مصر لن يتركوها وحيدة.
في ليلة السفر لم أستطع النوم.
كان مطلوبًا منا الوصول إلى مقر الهلال الأحمر المصري الساعة السادسة صباحًا. خرجنا من الخيمة عند الخامسة والنصف، وكانت لحظات الوداع ثقيلة إلى حد لا يوصف.
كانت الشوارع شبه خالية، إلا من طوابير طويلة تنتظر الخبز، وأخرى تنتظر شاحنات المياه، ونساء يبحثن بين الركام عن أوراق وكرتون لإشعال النار. وعلى جانبي الطريق كانت الخيام ساكنة، كأن الحزن نفسه يخيّم عليها.
وصلنا إلى مستشفى الأمل الميداني، وبدأت إجراءات الفحص والتسجيل.
هناك رأيت مشاهد لن أنساها ما حييت؛ مرضى لا يقوون على الحركة، ووداعات تختلط فيها الدموع بالدعاء.
وفجأة بدأت الصدمات تتوالى.
أشخاص تلقوا خبر رفض مرافقيهم قبل السفر بلحظات.
ثم جاء دوري لوداع أمي.
كنت أبحث بيأس عن شخص يرافقها في رحلتها، حتى اقترب مني شاب اسمه كرم شاهين، مريض بالفشل الكلوي، كان مسافرًا مع زوجته وأطفاله.
ذلك الشاب الشهم، وزوجته الشابة الأصيلة، قررا أن يتكفلا بمرافقة والدتي حتى تصل بأمان.
في لحظة عجز كاملة، وجدت معنى الشهامة الحقيقي.
شهامة ومروءة أبناء الشرقية
ودعتهم جميعًا.
تحركت الحافلات وسيارات الإسعاف، لكن الموكب توقف فجأة.
صعد أحد موظفي منظمة الصحة العالمية إلى إحدى الحافلات وطلب من سيدة النزول فورًا بسبب صدور قرار برفض سفرها.
بكت كثيرًا.
كانت تستعد لمرافقة مريضها، وتحلم بحضور فرح ابنها.
لكن دموعها لم تغيّر شيئًا.
غادرت وهي تحمل فوق كتفيها وجع المرض ومرارة الفراق معًا.
انطلق الموكب أخيرًا.
وبقيت على تواصل مع كرم وزوجته، اللذين حملا حقائب والدتي طوال الطريق واعتنيا بها وكأنها أمّهما.
وصلوا إلى الجانب الفلسطيني من المعبر.
مكان يشبه السجن أكثر مما يشبه معبرًا إنسانيًا.
انتظار طويل تحت الشمس الحارقة، دون أدنى مقومات الحياة الكريمة.
عطش، إرهاق، ومرضى أنهكهم الألم.
وفي وسط ذلك كله، جاء أحد أفراد البعثة الأوروبية، وكان إسباني الجنسية، وقدم لهم ربع كأس من الماء البارد.
ربع كأس ماء فقط...
لكنه في تلك اللحظة كان يعني الحياة.
بعد ساعات طويلة من الانتظار انتقلوا إلى منطقة مظللة حتى حان موعد العبور.
ثم وصلوا إلى الجانب المصري.
هناك كان الاستقبال مختلفًا.
استقبلهم الهلال الأحمر المصري بكل لطف وترحاب، ووفّر المياه الباردة ووسائل الاتصال ليطمئن المرضى ذويهم.
كان واضحًا أن خدمة المرضى أولوية لديهم.
غادرت والدتي المعبر المصري قرابة العاشرة مساءً، بعد فرز المرضى وتوزيعهم على المستشفيات المصرية.
وكان نصيبها مستشفى برج البرلس المركزي بمحافظة كفر الشيخ.
وصلت في صباح اليوم التالي عند الساعة التاسعة، منهكة ومتعبة بعد رحلة استنزفت ما تبقى من قوتها.
لكن طاقم المستشفى استقبلها بحفاوة واحترام خففا عنها شيئًا من التعب.
واليوم...
تجلس والدتي وحيدة، تنتظر دورها لاستكمال العلاج في مستشفى متخصص بالأورام.
بعد رحلة طويلة من الألم والجوع والنزوح والخوف والانتظار.
هذه ليست قصة والدتي وحدها.
هذه قصة آلاف المرضى في غزة، الذين لا يحاربون السرطان فقط، بل يحاربون الحصار، والانتظار، والإجراءات، والخوف من أن يضيع العمر قبل أن يصل العلاج.
أكتب هذه الكلمات لأن العالم يجب أن يعرف.
يجب أن يعرف أن مريض السرطان في غزة لا يخوض معركة واحدة، بل معارك كثيرة في الوقت نفسه.
وأن الوصول إلى العلاج قد يكون رحلة أصعب من المرض نفسه.