رئيس التحرير

نتنياهو يرسم خارطة طريق قبل الرحيل المتوقع 

102 مشاهدة
نتنياهو يرسم خارطة طريق قبل الرحيل المتوقع 

 الكاتب: واصل الخطيب 

رئيس التحرير

في خضم التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى ترك بصمة استراتيجية تتجاوز حدود ولايته السياسية. فمع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، وتزايد الجدل حول مستقبله السياسي، تتجه الأنظار إلى الخطوات التي يتخذها لرسم ملامح المرحلة المقبلة، وكأنه يضع "خارطة طريق" لما بعد رحيله عن المشهد السياسي في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة بعد عدة اشهر .

فعلى الصعيد الداخلي، يواجه نتنياهو تحديات غير مسبوقة، بدءًا من الانقسامات السياسية الحادة، مرورًا بالانتقادات المتعلقة بإدارة الملفات الأمنية، ووصولًا إلى القضايا القضائية التي لاحقته لسنوات. وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن أولويته لم تعد تقتصر على البقاء في السلطة، بل تمتد إلى تثبيت مجموعة من السياسات والوقائع التي يصعب على من يخلفه التراجع عنها.

ففي الملف الأمني، ركز نتنياهو خلال السنوات الأخيرة على تعزيز مفهوم الردع وإعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية بما يتناسب مع التحديات الجديدة. وترافق ذلك مع توسيع دائرة التعاون الإقليمي، والسعي إلى بناء تحالفات سياسية وأمنية تضمن لإسرائيل موقعًا مؤثرًا في معادلات المنطقة لعقود قادمة.

وفي الجانب السياسي، عمل نتنياهو على تكريس نهج يقوم على توسيع العلاقات مع الدول العربية والإقليمية، معتبرًا أن هذه العلاقات تشكل أحد أهم الإنجازات الاستراتيجية التي يمكن أن تستمر بعد مغادرته السلطة. كما حاول تقديم نفسه باعتباره المهندس السياسي لمرحلة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والأمني.

لكن هذه الرؤية لا تخلو من التحديات. فالكثير من المراقبين يرون أن السياسات التي يسعى إلى ترسيخها ما تزال محل خلاف داخل المجتمع الإسرائيلي، وأن قدرة أي زعيم على فرض إرثه السياسي تبقى مرتبطة بمدى قبول الشارع والمؤسسات له. كما أن التطورات الإقليمية المتسارعة قد تفرض معطيات جديدة تجعل بعض الخطط بحاجة إلى مراجعة أو تعديل.

ويبدو أن أحد الدوافع الرئيسة وراء سعي نتنياهو إلى رسم معالم المرحلة المقبلة يتمثل في عدم ثقته بقدرة أي حكومة إسرائيلية قادمة على التعامل مع الملفات الأكثر تعقيدًا وحساسية. فالرجل الذي جعل من مواجهة المشروع الإيراني عنوانًا ثابتًا في خطابه السياسي يرى أن الحكومات اللاحقة قد تجد نفسها أمام خيارات أكثر صعوبة وأقل قدرة على التأثير في مسار هذا الملف . كما أن ملف حركة حماس وما يرتبط به من تحديات أمنية وعسكرية وسياسية ما زال يشكل عقدة مركزية في الحسابات الإسرائيلية، وسط مخاوف من أن تفشل أي قيادة جديدة في تحقيق الأهداف التي رفعتها الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الماضية.

وفي السياق ذاته، تبرز قضية السلطة الفلسطينية باعتبارها أحد الملفات التي قد تفرض نفسها بقوة على أجندة أي حكومة قادمة. فاستمرار الضغوط المالية والسياسية على السلطة أوجد واقعًا معقدًا يهدد بمزيد من التوتر وعدم الاستقرار. ويرى بعض المراقبين أن نتنياهو يسعى إلى تثبيت مقاربة معينة لهذا الملف قبل مغادرته المشهد السياسي، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الحكومات اللاحقة قد لا تتمكن من إدارة تداعيات الحصار المالي والسياسي المفروض على السلطة الفلسطينية أو إيجاد بدائل عملية تمنع تفاقم الأزمات الاقتصادية والمؤسساتية في الأراضي الفلسطينية.

ولا يقتصر القلق على مستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية من الناحيتين الأمنية والسياسية فحسب، بل يمتد إلى تداعيات استمرار الحصار المالي وغياب الأفق السياسي. فقد أدى احتجاز أموال المقاصة وتراجع الدعم الدولي وتآكل فرص استئناف العملية السياسية إلى إضعاف مكانة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها بشكل متزايد. كما وضعها في موقف حرج أمام الشارع الفلسطيني الذي بات ينظر إليها باعتبارها عاجزة عن تحقيق تقدم سياسي أو تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، الأمر الذي يهدد بتآكل شرعيتها الشعبية ويزيد من حالة الاحتقان وعدم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن نتنياهو يدرك أن استمرار هذا الواقع قد يفضي إلى نتائج لا تخدم المصالح الإسرائيلية على المدى البعيد، خاصة إذا ما أدى إضعاف السلطة إلى فراغ سياسي أو أمني يصعب احتواؤه. لذلك فإن جزءًا من النقاش الدائر داخل الأوساط الإسرائيلية يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع السلطة الفلسطينية دون الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل لمؤسساتها، وهي معادلة تبدو أكثر تعقيدًا في ظل غياب رؤية سياسية واضحة للحل.

وبالعودة إلى اتفاق أوسلو، الذي شكل منذ عام 1993 الإطار الناظم للعلاقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فإن كثيرًا من المراقبين يرون أن السنوات الأخيرة شهدت تآكلًا متسارعًا لمرتكزاته الأساسية. فبدل أن يقود الاتفاق إلى مسار تفاوضي يفضي إلى تسوية نهائية، توسعت المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية بصورة غير مسبوقة، ما أدى إلى تقويض الأساس الجغرافي والسياسي الذي قامت عليه فكرة حل الدولتين، وأفرغ العديد من التفاهمات التي نص عليها الاتفاق من مضمونها العملي.

وقد تسارع هذا المسار مع صعود شخصيات من اليمين القومي والديني المتشدد إلى مواقع مؤثرة داخل الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. فسياسات التوسع الاستيطاني، والدعوات المتكررة لفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، والرفض العلني لفكرة الدولة الفلسطينية، كلها مؤشرات يرى فيها مراقبون محاولة عملية لتجاوز اتفاق أوسلو وفرض واقع سياسي جديد على الأرض. ووفق هذا التصور، فإن ما يجري لا يقتصر على تعديل بعض بنود الاتفاق أو إعادة تفسيرها، بل يمثل انتقالًا نحو مرحلة تعتبر فيها قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي أن أوسلو أصبح جزءًا من الماضي، وأن الوقائع الميدانية الجديدة هي التي سترسم شكل العلاقة المستقبلية بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وسواء كان رحيل نتنياهو قريبًا أم مؤجلًا، فإن المؤشرات الحالية توحي بأنه لا يريد مغادرة المشهد دون أن يحدد ملامح الطريق الذي ستسير فيه إسرائيل خلال السنوات المقبلة. وبين مؤيد يرى فيه رجل دولة يسعى إلى تأمين مستقبل اسرائيل، ومعارض يعتبره سياسيًا يحاول حماية إرثه الشخصي، تبقى الحقيقة أن المرحلة القادمة ستكشف مدى قدرة هذه الخارطة على الصمود أمام اختبار الزمن والتحولات السياسية.