باريس - واثق نيوز- نشرت مجلة “لوبوان” الفرنسية بروفايلاً عن رئيس أركان الجيش الباكستاني القوي المشير عاصم منير، الذي يوجد اليوم في قلب الوساطة والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي اقترحتها إسلام آباد منذ الأسابيع الأولى للنزاع الذي اندلع يوم الـ 28 فبراير/ شباط الماضي.
واعتبر جيل بوكرات، الباحث في شؤون جنوب آسيا أن هذه الوساطة “هي لحظة مجد للدبلوماسية الباكستانية”.
ويرى رانا بانيرجي، الخبير الأمني المتقاعد الذي عمل سابقًا في الاستخبارات الهندية، أن “العلاقة الشخصية بين عاصم منير والرئيس ترامب ساعدت بالتأكيد في المفاوضات”. وكان الرئيس الأميركي قد استقبل لأول مرة رئيس أركان الجيش الباكستاني في البيت الأبيض في الـ 18 يونيو/ حزيران عام 2025 على غداء خاص.
وهو تكريم نادر لمسؤول أجنبي، جاء بعد مبادرة من عاصم منير لدعم ترشيح دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام. وهو ما أرضى ـ بحسب المجلةـ ” غرور الرئيس الأميركي، الذي تفاخر – مع تحريف للوقائع – بأنه “أوقف الحرب بين الهند وباكستان” بعد أربعة أيام من الضربات الجوية في مايو عام 2025 بين القوتين النوويتين.”.
وقد عُيّن عاصم منير رئيسًا لأركان الجيش في عام 2022، وهو اليوم “المركز الحقيقي للسلطة” في بلاده، بحسب الصحافي الباكستاني المنفي طه صديقي، المعروف بانتقاداته الحادة للمؤسسة العسكرية. يؤكد صديقي أن “منيرهو فعليًا رئيس الدولة، لأنه يسيطر على جميع المؤسسات المدنية. ولا توجد حدود لسلطته”.
ووُلد منير عام 1968 في إقليم البنجاب، وتمكن – رغم أصوله المتواضعة نسبيًا – من الصعود في السلم العسكري حتى بلغ رتبة مشير ، وهي رتبة لم تُمنح في تاريخ باكستان إلا مرة واحدة قبله. وكان والده، الذي فرت عائلته من الهند أثناء التقسيم عام 1947، أستاذًا في كلية محلية وإمامًا لمسجد صغير. ويرى رانا بانيرجي (الخبير الأمني المتقاعد) أن “منير يمثل طبقة وسطى صعدت إلى أعلى هرم الدولة دون أن تكون فاسدة، مع الحفاظ على نمط حياة بسيط”.
“الجنرال الجهادي”
وزعمت “لوبوان” أن “هذا الإرث العائلي ساهم في تشكيل أيديولوجية المشير المحافظة، حيث تلقى تعليمه في مدرسة دينية… ويُدلي بتصريحات عدائية تجاه غير المسلمين، لاسيما الهندوس، ويصفهم بأنهم أعداء باكستان”.
وبحسبها فقد أثار هذا التوجه قلق نيودلهي، إلى حد أن بعض وسائل الإعلام الهندية أطلقت عليه لقب “الجنرال الجهادي”، لكن رانا بانيرجي
(الخبير الأمني الهندي المتقاعد) يخفف من هذا الوصف بقوله: “أتحفظ على استخدام هذا اللقب، فهو محافظ في آرائه وحياته الشخصية، لكنه ليس متطرفًا”.
ومع ذلك، فإن الطابع الديني لمنير يميّزه عن المؤسسة العسكرية الباكستانية التي يتلقى كبار ضباطها تدريبًا وفق النموذج الغربي، وهو إرث من الحقبة الاستعمارية.
ووفق المجلة الفرنسية ففي عام 2016 شهدت مسيرة منير تحولًا عندما عُيّن رئيسًا للاستخبارات العسكرية. وتعمّق هذا التحول بعد عامين عندما أصبح مديرًا لجهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI)، الذي يُعد دولة داخل الدولة. ويقول الصحافي الباكستاني المنفي طه صديقي “كونه قاد الاستخبارات ثم أصبح رئيسًا للأركان منحه نفوذًا هائلًا داخل الجيش. لقد شغل أهم المناصب في البلاد”.
وخلال قيادته للاستخبارات، دخل عاصم منير في صراع مباشر مع رئيس الوزراء آنذاك عمران خان، وقد أدى ذلك إلى إقالة عمران خان وسجنه في أبريل عام 2022 بعد أزمة دستورية.
وبحسب التقرير فرئيس الوزراء الجديد شهباز شريف، د تراجع تدريجيًا، تاركًا السلطة للمارشال الذي عزز سيطرته على مؤسسات الدولة. ويؤكد صديقي أن “هذه أول مرة في تاريخ البلاد يتمكن فيها رئيس أركان من التلاعب بالبرلمان إلى حد الحصول على حصانة مدى الحياة”، في إشارة إلى تعديلين دستوريين عززا نفوذ الجيش على حساب السلطة المدنية. ويضيف: “عاصم منير يشبه زعيم مافيا يدير البلاد كأنها عصابة”، على حد وصفه.
فرصة الحرب على إيران
وفق “لوبوان” فإن الحرب بين إيران والولايات المتحدة شكّلت فرصة استغلها عاصم منير لتعزيز موقعه. ومن المتوقع أن تزيد وساطته بين طهران وواشنطن من نفوذه. ويقول الباحث جيل بوكرات “الوضع مناسب جدًا لباكستان. فبعد صورتها كدولة منبوذة بسبب سياساتها المزدوجة في أفغانستان بين 2001 و2021، تثبت اليوم أنها يمكن أن تكون مفيدة للمجتمع الدولي من جديد”.
لكن المخاطرة ما تزال قائمة: فهل سيتمكن المشير من الحفاظ على توازن دقيق بين حليفيه، النظام الإيراني والرئيس الأمريكي غير المتوقع؟، تتساءل “لوبوان”.



