نابلس-واثق نيوز-تقرير : سهير سلامة- تعد التكايا في مدينة نابلس من أبرز المعالم الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت بتاريخ المدينة، حيث شكلت عبر قرون طويلة مراكزا للضيافة، وإطعام الفقراء، وعابري السبيل. وقد لعبت هذه المؤسسات الخيرية دورا مهما في ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي، والتراحم بين أفراد المجتمع، بخاصة في الفترات التي شهدت أزمات اقتصادية أو سياسية.
جذور تاريخية ..
ظهرت التكايا في نابلس منذ العهدين المملوكي والعثماني، وكانت تُقام غالبا بالقرب من المساجد أو الأسواق، أو الطرق الرئيسة، التي يسلكها المسافرون. وكانت هذه المؤسسات تعتمد في تمويلها على نظام الأوقاف، حيث يخصص المحسنون أراض، أو عقارات تصرف عائداتها، على تشغيل التكية وتوفير الطعام للفقراء.
ومن أبرز التكايا التاريخية في المدينة التكية الخسروية التي أُنشئت في العصر العثماني، ونسبت إلى الوالي العثماني خسرو باشا. وقد كانت تقدم وجبات يومية للفقراء وطلاب العلم وعابري السبيل، مما جعلها محطة إنسانية بارزة في حياة المدينة.
دور اجتماعي وإنساني ..
لم تكن التكايا مجرد مطابخ خيرية، بل كانت مؤسسات اجتماعية متكاملة. فقد وفرت الطعام والمأوى للمحتاجين، واستقبلت المسافرين، كما كانت في بعض الأحيان مكانا للعلم، والذكر، وأسهمت هذه التكايا في تخفيف حدة الفقر وتعزيز روح التضامن داخل المجتمع النابلسي.
وفي شهر رمضان تحديداً، كانت التكايا تشهد نشاطا واسعا، إذ تعد وجبات الإفطار الجماعية، للفقراء والصائمين، وهو تقليد ما زالت بعض المؤسسات الخيرية في نابلس تحرص على إحيائه حتى اليوم.
استمرار الفكرة بصيغ حديثة ..
مع تطور الحياة وتغير أنماط العمل الخيري، تراجع الدور التقليدي للتكايا، إلا أن فكرتها لم تختلف. فقد ظهرت بدلا منها جمعيات خيرية ومبادرات مجتمعية، تستلهم فلسفة التكايا القديمة في إطعام المحتاجين وتقديم المساعدة الإنسانية.
وتؤكد شخصيات اجتماعية في نابلس أن إحياء مفهوم التكية بروح معاصرة يمكن أن يسهم في تعزيز التكافل الاجتماعي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بعض الأسر.
اذ يؤكد مدير الاغاثة الطبية، د. غسان حمدان، ان تكية المطبخ الخيري"تكية خلة العامود"، التابع لجمعية الأمراض المزمنة، ان هذا المطبخ، الذي جاءت فكرته في العام ٢٠١٨ استجابة لحاجة المواطنين لتوفير وجباتهم الغذائية الاساسية يوميا، وهي تشمل المنطقة الشرقية من مدينة نابلس، بشكل خاص، كونها الاقرب لهم، منوها بأنه ويوميا يتم اخراج ما معدله ٥٠٠ وجبة، تغطي تقريبا ١٢٠ عائلة، سواءا من مناطق احياء المدينة الشرقية، والقرى المحيطة بهم، وهذا يوفر على الأسر المهمشة والمعوزين، مد اليد والطلب، وايضا الى جانبي الوجبة، يتم توفير الملابس، والحلويات التي تتمكن التكية من توفيرها لهم الى جانب الوجية اليومية. حيث ان هذا المطبخ، لا يعتمد الا على الدعم الداخلي من اعضاء ومساهمين محليين، من مدينتي نابلس ورام الله، وتعمل على مدار العام يوميا بمعدل ٤ ايام بالاسبوع للتخفيف من عبء الظروف الصعبة على المواطن الذي ليس باستطاعته توفير قوت يومه، سواءا له او لافراد أسرته.
إرث يستحق الحفظ ..
يرى مؤرخون أن التكايا تمثل جزءا مهما من الذاكرة الاجتماعية لمدينة نابلس، فهي شاهد على تاريخ طويل من العمل الخيري المنظم، لذلك تبرز الحاجة إلى توثيق هذه المؤسسات وإبراز دورها في تاريخ المدينة، سواء عبر الدراسات التاريخية أو المبادرات الثقافية.
من جانبه قال مراد سمارة عضو مجلس إدارة وامين صندوق جمعية مديد الخيرية، في نابلس، ان مثل هذه التكايا تعتبر مصدر دعم أساسيا للكثير من الاسر المعوزة، وغير القادرة على تأمين وجبتها الأساسية في اليوم، تجد هذا المكان يؤمن لها الماكل والأمان، والطمأنينة اكثر من انه يسد رمق يومها، عندما يشعر هذا المعوز والمتعفف انه هناك من يشعر به ويحاول مساعدته، بان يكون مصدرا لادخال الفرحة الى بيوتهم، عندها تستطيع ان تقول انك قدمت شيئا لهذه الفئة التي حرمت لظرف ما، من ان تكون معول جلب لحاجتها.
ويستطرد سمارة، ان مديد التي أسست في العام ٢٠١٠، بدأت تحت ظروف اقل من الصفر، وما ان خطت خطواتها الاولى حتى اثبتت وجودها بنيل ثقة الداعمين، والمدعومين ممن يطرق بابها ولا يرجع الا ممتلىء اليد مشروح الصدر، وقد حفظ ماء وجهه، وسد قوت يومه.
ويضيف سمارة، ان الهدف ليس الا عمل دؤوب ومتكامل فالتكية التي اريد لها ان تسمى، "بتكية الشيخ حسين"، ما كانت لتظهر للوجود لولا الاحسان المتجدد، والمتوارث في اهل هذه المدينة المعطاءة ، والتي يتهافت الصغير فيها قبل الكبير في تقديم يد العون والمساعدة، عندما يتعلق الأمر بالايتام والارامل والعاطلين عن العمل، وايضا الذين هم بلا مأوى، والأشخاص ذوي الاعاقة، كل هؤلاء يحتاجون العون الدائم، ولا بد من توفيره، ضمن مشاريع يومية، تعمل على توفير كل متطلباتهم واحتياجاتهم.
ويشير سمارة الى ان ما يميز "تكية الشيخ حسين" انها تعمل على مستوى شمال الضفة الغربية، وليس فقط مخصصة لمدينة نابلس فحسب، فلدينا اطعام في مناطق طولكرم وقراها وجنين ومخيماتها والقرى المحيطة... وكل يوم يكون العمل على اخراج الاف الوجبات من مكان، وليس حصرا على مكان واحد، إضافة إلى توفير الطرود الغذائية، والمساعدات العينية والمادية، وثياب العيد وانتاج الكعك، الذي يتم داخل مطابخ التكية، التابعة لجمعية مديد الخيرية.
وبين الماضي والحاضر، تبقى التكايا رمزاً للعطاء والتضامن في نابلس، ودليلا على أن روح التكافل التي عرفت بها المدينة لا تزال حية في وجدان أهلها.



