آراء

كيف ستكون ملامح الحكومة الإسرائيلية الجديدة؟

16 مشاهدة قراءة 11 دقيقة

الكاتبة : سلوى هديب

تدخل إسرائيل مرحلة سياسية مفصلية، بعد الانتخابات التي جرت في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، في ظل مشهد برلماني معقد لم يمنح أيًّا من المعسكرين المتنافسين القدرة على تشكيل حكومة مستقرة بمفرده. وبين محاولات بنيامين نتنياهو الحفاظ على موقعه، ومساعي غادي آيزنكوت لتشكيل حكومة بديلة، تبدو إسرائيل أمام مفترق طرق سياسي قد يحدد مستقبلها الداخلي، كما قد يترك انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها.  

السؤال لم يعد فقط: من سيصبح رئيسًا للحكومة الإسرائيلية المقبلة؟ بل أصبح: ما طبيعة هذه الحكومة؟ وما حجم التغيير الذي يمكن أن تحمله؟ وهل ستتمكن من تجاوز الأزمات التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي، أم أنها ستكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة السياسية والأمنية ذاتها، بوجوه مختلفة؟

أولًا: برلمان بلا أغلبية واضحة

أظهرت نتائج الانتخابات أن معسكر نتنياهو حصل على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر اليهودي المعارض له، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا في الكنيست، المؤلف من 120 عضوًا.

وهذا يعني أن تشكيل الحكومة يحتاج إلى أغلبية لا تقل عن 61 مقعدًا، الأمر الذي وضع الأحزاب العربية والأحزاب الحريدية في موقع حاسم في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.  

وللمرة الأولى منذ سنوات، لم تعد الحسابات السياسية الإسرائيلية محصورة في المنافسة بين اليمين والوسط واليسار، بل أصبحت مرتبطة بمدى استعداد هذه القوى لقبول شراكات سياسية كانت تُعدّ حتى وقت قريب خطوطًا حمراء.

إنها لحظة تكشف حجم التصدع داخل المجتمع الإسرائيلي، وتطرح تساؤلات جدية حول طبيعة النظام السياسي وقدرته على إنتاج حكومة مستقرة.

ثانيًا: آيزنكوت أمام اختبار تشكيل حكومة بديلة

يبرز اسم غادي آيزنكوت بوصفه المرشح الأوفر حظًا لتلقي التكليف الأول بتشكيل الحكومة، لكنه يواجه مهمة شديدة التعقيد.

فالمعسكر المعارض لنتنياهو، رغم نجاحه في تقليص نفوذ اليمين، لا يمتلك الأغلبية المطلوبة دون الاستعانة بأحزاب أخرى، وفي مقدمتها الأحزاب العربية أو الحريدية.

وتكمن المفارقة في أن آيزنكوت قد يجد نفسه أمام خيارين صعبين: إما تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو خيار يواجه اعتراضات داخلية من بعض حلفائه، أو الدخول في مفاوضات مع الأحزاب الحريدية، بما قد يتطلب تقديم تنازلات تتعلق بالتجنيد العسكري والميزانيات الحكومية.

كما أن الخلافات بين قادة المعسكر المعارض، ومنهم نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، قد تجعل توزيع المناصب وصياغة اتفاقات الائتلاف أكثر صعوبة من مجرد جمع المقاعد البرلمانية. 

وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام آيزنكوت: هل يستطيع تحويل التحالف الانتخابي المناهض لنتنياهو إلى مشروع سياسي وحكومي متماسك؟

ثالثًا: هل نشهد نهاية عهد نتنياهو أم إعادة إنتاجه؟

رغم خسارة نتنياهو للأغلبية البرلمانية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة خروجه النهائي من المشهد السياسي.

فهو لا يزال يمتلك كتلة برلمانية وازنة، وخبرة طويلة في إدارة الائتلافات، وقدرة على استثمار الخلافات بين خصومه. كما أن فشل آيزنكوت في تشكيل حكومة قد يفتح الباب أمام تكليف نتنياهو مجددًا، أو أمام مفاوضات لتشكيل حكومة وحدة وطنية.

لكن حكومة الوحدة، إن تشكلت، ستكون أمام معضلة سياسية كبيرة؛ إذ سبق لآيزنكوت وحلفائه التعهد بعدم المشاركة في حكومة برئاسة نتنياهو، محمّلين إياه مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، فضلًا عن الخلافات المتعلقة بالقضاء والفساد السياسي.

وبالتالي، فإن عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة لن تكون عودة سهلة أو خالية من الأثمان السياسية، بل قد تكون مشروطة بتنازلات جوهرية في ملفات الحكم والأمن والائتلاف. 

رابعًا: ما ملامح الحكومة الإسرائيلية المقبلة تجاه القضية الفلسطينية؟

من المهم التمييز بين تغيير القيادة السياسية الإسرائيلية وتغيير جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

فحتى في حال تشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت، لا توجد ضمانات بأن تشهد المرحلة المقبلة تحولًا جوهريًا في السياسات المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والقدس وقطاع غزة.

فآيزنكوت، القادم من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لا يمثل تيارًا سياسيًا يساريًا تقليديًا، بل ينتمي إلى تيار أمني قومي يؤمن بالقوة العسكرية وبالحفاظ على ما يعتبره المصالح الأمنية الإسرائيلية.

ومن هنا، فإن التوقع الأقرب هو أن تكون الحكومة الجديدة، إن تشكلت برئاسته، أكثر استعدادًا لإعادة ترتيب العلاقات مع المجتمع الدولي، وربما مراجعة بعض أساليب إدارة الصراع، دون أن يعني ذلك بالضرورة الاستعداد لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية كاملة.

أما إذا بقي نتنياهو في الحكم، أو تشكلت حكومة وحدة تضم قوى اليمين، فإن احتمالات استمرار السياسات القائمة ستظل مرتفعة، خصوصًا في ملفات الاستيطان والقدس والسيطرة الأمنية.

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن المعيار الحقيقي للحكم على الحكومة الإسرائيلية الجديدة لن يكون اسم رئيسها أو شعاراتها الانتخابية، بل ما ستفعله على الأرض: هل ستوقف الاستيطان؟ هل ستنهي العدوان والحصار؟ هل ستعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحدد الموقف الفلسطيني من أي حكومة إسرائيلية مقبلة.

 خامسًا: السيناريوهات المحتملة

في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة:

1- حكومة برئاسة آيزنكوت: وهي الاحتمالية التي يسعى المعسكر المعارض إلى تحقيقها، لكنها تتطلب توافقات معقدة بشأن الأحزاب العربية والحريدية وتوزيع المناصب الحكومية.

2-. حكومة وحدة وطنية: قد يلجأ إليها نتنياهو وآيزنكوت إذا تعذر تشكيل حكومة بديلة، لكنها ستواجه خلافات عميقة حول المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، ومستقبل نتنياهو السياسي، وقضايا التجنيد والقضاء.

3-انتخابات جديدة: إذا فشلت جميع محاولات تشكيل الحكومة، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات مبكرة، مع استمرار حكومة نتنياهو في تصريف الأعمال حتى تشكيل حكومة جديدة.

وتبقى هذه السيناريوهات مفتوحة، في ظل استمرار المفاوضات وعدم حسم هوية الحكومة المقبلة حتى الآن.  

الخلاصة: تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسة

إن ملامح الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستتحدد من خلال ثلاثة عوامل رئيسة: قدرة آيزنكوت على تشكيل ائتلاف مستقر، وحجم التنازلات التي ستقدمها الأحزاب المختلفة، ومدى استعداد المجتمع الإسرائيلي لتغيير المسار السياسي الذي قاد البلاد إلى أزماتها المتراكمة.

لكن الأهم من ذلك كله أن إسرائيل تواجه أزمة تتجاوز مسألة تشكيل الحكومة؛ إنها أزمة مشروع سياسي، وأزمة ثقة بالمؤسسات، وأزمة في تحديد مستقبل العلاقة مع الشعب الفلسطيني.

ومن هنا، فإن الرهان الفلسطيني لا ينبغي أن يكون على سقوط نتنياهو وحده، ولا على صعود آيزنكوت أو غيره، بل على بناء استراتيجية وطنية فلسطينية قادرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات الإسرائيلية.

فالحكومات قد تتغير، والوجوه السياسية قد تتبدل، لكن إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال يظلان جوهر الصراع، والاختبار الحقيقي لأي تحول سياسي في إسرائيل.

والسؤال الذي سيبقى مطروحًا: هل ستنتج إسرائيل حكومة قادرة على مراجعة سياساتها، أم أن الحكومة الجديدة ستكون مجرد فصل آخر من فصول الأزمة، بوجوه مختلفة وعقلية سياسية واحدة؟