آراء

وحدة حركة "فتح" .. نحو استعادة القوة وتجديد العهد للمشروع الوطني الفلسطيني

22 مشاهدة قراءة 11 دقيقة

الكاتب : اللواء بلال النتشة
 

في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها قضيتنا الوطنية الفلسطينية، تصبح وحدة الصف الوطني ضرورة لا تحتمل التأجيل، وتغدو وحدة حركة «فتح» مسؤولية تاريخية تتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة، لتلامس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ومستقبل شعبنا وحقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ومن هذا المنطلق، فإن الحراك الجاري في القاهرة، الهادف إلى رأب الصدع داخل حركة فتح وفتح الأبواب أمام عودة التيار الإصلاحي إلى البيت الفتحاوي، يمثل فرصة سياسية وتنظيمية تستحق التعامل معها بأعلى درجات المسؤولية الوطنية، بما يضمن استعادة وحدة الحركة على قاعدة الشراكة والاحتكام إلى النظام الداخلي والمؤسسات التنظيمية واحترام إرادة القاعدة الفتحاوية.

إن الجهود التي يقودها الفريق جبريل الرجوب والدكتور محمد اشتية في هذا المسار تعكس أهمية العمل على تقريب وجهات النظر، وتغليب لغة الحوار، وإيجاد المساحات المشتركة التي تتيح للحركة تجاوز خلافاتها، واستعادة زمام المبادرة في مرحلة فلسطينية بالغة الحساسية. فالمطلوب اليوم تحقيق مسار جاد يعيد بناء الثقة، ويحصّن وحدة القرار، ويمنح أبناء الحركة شعوراً بأن فتح تتسع لجميع أبنائها، وأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة أو انقسام دائم.
 
إن قوة حركة فتح لا تُقاس بعدد أعضائها أو بحجم حضورها التنظيمي فحسب، بل بقدرتها على جمع الفلسطينيين حول مشروعهم الوطني، وصيانة القرار الوطني المستقل، وتحويل التضحيات الطويلة إلى إنجازات سياسية تعزز صمود شعبنا وتقرّبه من تحقيق أهدافه الوطنية. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن فتح، بما تمثله من إرث نضالي وامتداد جماهيري ودور مركزي في قيادة المشروع الوطني، تشكل ركيزة أساسية في معادلة العمل الوطني الفلسطيني.

ولذلك، فإن استعادة وحدة الحركة ليست شأناً داخلياً يخص أبناءها وحدهم، بل هي مصلحة وطنية فلسطينية عامة، تنعكس آثارها على مجمل مكونات النظام السياسي الفلسطيني وعلى علاقاتنا العربية والدولية. فحين تستعيد فتح عافيتها التنظيمية والسياسية، فإنها لا تنتقص من مكانة الفصائل الأخرى، بل تفتح أمامها آفاقاً أوسع للشراكة والتكامل والعمل المشترك، وتمنح الجميع فرصة لبناء موقف وطني أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات المصيرية.

ومن هذا المنطلق، فإننا نثمّن كل جهد مخلص يسهم في إنجاح هذا المسار، ونرى أن المسؤولية الملقاة على عاتق الفريق جبريل الرجوب والدكتور محمد اشتية وسائر القيادات المعنية تقتضي مواصلة الحوار بروح وطنية عالية، والاستماع إلى مختلف وجهات النظر، والبحث عن حلول واقعية تضمن أن تكون الوحدة حقيقية ومستدامة.

كما أن مسؤولية التيار الإصلاحي وسائر أبناء الحركة تقتضي التعامل مع هذه الفرصة التاريخية بعقل منفتح وإرادة صادقة، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية والحسابات الفئوية. فالمطلوب هو العودة إلى البيت الوطني الجامع على أسس واضحة تحفظ الكرامة والحقوق، وتصون التعددية، وتضمن أن تكون مؤسسات الحركة قادرة على استيعاب أبنائها وإدارة خلافاتهم بالوسائل التنظيمية والديمقراطية.

لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمناً باهظاً للانقسام والتشرذم، فيما يواجه شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس تحديات غير مسبوقة، تتصل بحياته اليومية وأرضه وحقوقه ومستقبل أجياله. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد مقبولاً أن تبقى طاقات الحركة الوطنية أسيرة الخلافات الداخلية، أو أن تستمر حالة التشتت بينما تتطلب المرحلة أعلى درجات الوحدة والتنسيق والمسؤولية.

إن استعادة هيبة فتح تبدأ من استعادة ثقة أبنائها بها، ومن إعادة تفعيل مؤسساتها، وتجديد خطابها السياسي والتنظيمي، وتكريس مبدأ المساءلة، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات والطاقات الشابة، وإعادة وصل القيادة بالقاعدة الجماهيرية. فالحركة التي استطاعت أن تقود شعبها في محطات تاريخية مفصلية مطالبة اليوم بأن تجدّد أدواتها وأساليب عملها، وأن تستلهم من تاريخها ما يعينها على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

 إن حركة "فتح" التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني، وأسهمت في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العربي والدولي، مطالبة اليوم بأن تستعيد موقع المبادرة، وأن تقدم نموذجاً في الوحدة والتجديد والمسؤولية. فالعالم يحترم الشعوب التي تتمسك بحقوقها، لكنه ينظر أيضاً إلى مدى قدرتها على تنظيم صفوفها وتوحيد خطابها وتقديم رؤية سياسية واضحة تحظى بثقة شعبها وتدعمها الشرعية الوطنية.

ولا يعني ذلك أن وحدة فتح وحدها كافية لتحقيق جميع أهدافنا الوطنية، فالقضية الفلسطينية مسؤولية شعب بأكمله، وتتطلب وحدة وطنية شاملة، ومشاركة حقيقية من مختلف القوى، وتوافقاً على برنامج سياسي ونضالي قادر على مواجهة الاحتلال وسياساته، وحماية حقوق شعبنا في الحرية والكرامة والعودة والاستقلال.

إن المطلوب من جميع القوى الفلسطينية أن تدرك أن قوة أي فصيل لا ينبغي أن تكون على حساب الفصائل الأخرى، وأن التنافس الوطني المسؤول يجب أن يتجه نحو خدمة الشعب وحماية مصالحه، لا نحو استنزاف الطاقات في صراعات داخلية. فحين تتوحد فتح على قاعدة وطنية وديمقراطية، تصبح أكثر قدرة على بناء الشراكات، وأكثر استعداداً لخوض حوار متكافئ مع سائر الفصائل، وأكثر قدرة على الإسهام في صياغة استراتيجية وطنية مشتركة.

ومن هنا، فإننا نؤكد أهمية الدور المصري في احتضان الحوارات الفلسطينية وتوفير المناخ الملائم لإنجاحها، انطلاقاً من العلاقات التاريخية التي تربط الشعبين الفلسطيني والمصري، ومن أهمية إنهاء الانقسام وتعزيز وحدة الموقف الفلسطيني في مواجهة التحديات الراهنة.

وبصفتنا في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، فإننا ننظر إلى وحدة حركة فتح من زاوية وطنية تتصل اتصالاً مباشراً بمستقبل القدس ومكانتها السياسية والتاريخية والدينية، وبمسؤولية القيادة الفلسطينية في حماية المدينة المقدسة وصون هويتها العربية الفلسطينية.

ومن هنا، فإن نجاح الحراك الجاري في القاهرة سيكون له أثر يتجاوز حدود التنظيم، إذا ما أسهم في بناء حالة وطنية أكثر تماسكاً، وفي توجيه الجهود والإمكانات نحو حماية الأرض والإنسان والمقدسات، وتعزيز صمود شعبنا في القدس وسائر الأراضي الفلسطينية.

ويجب التأكيد في هذا السياق، أن المرحلة الراهنة تفرض علينا جميعاً أن نرتقي إلى مستوى التحديات، وأن ندرك أن التاريخ لا ينتظر المترددين، وأن الفرص الوطنية الكبرى قد لا تتكرر بالشروط ذاتها. ومن واجب القيادات والكوادر والأنصار أن يجعلوا من الحراك الجاري فرصة لإعادة بناء الثقة، وتجاوز رواسب الماضي، والانطلاق نحو مستقبل تتقدم فيه المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر.

إننا نأمل أن يشكل حراك القاهرة بداية مرحلة جديدة تُطوى فيها صفحة التشتت، وتُفتح فيها صفحة المصالحة والتجديد والعمل المشترك، وأن تتوفر الإرادة السياسية اللازمة لترجمة الحوار إلى نتائج ملموسة يشعر بها أبناء الحركة وجماهير شعبنا.

فلسطين أكبر من خلافاتنا، والقدس أسمى من حساباتنا، وتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى أمانة في أعناقنا جميعاً. ومن حق شعبنا علينا أن نكون على قدر هذه الأمانة، وأن نعيد الاعتبار لوحدتنا الوطنية، وأن نحمي مشروعنا التحرري من كل ما يضعف قدرته على تحقيق أهدافه.

 *الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس