شعر : محمد العداربة / الاردن
مَرِضَ الرِّيحُ فَنَامَ عَلَى كَتِفِ الأُفُقِ النَّائِي،
وَاسْتَلْقَى فوق سرير الصمت وَقَدْ أَضْنَاهُ السَّفَرُ أَخِيرًا.
لكأن الريح المُضْنِى أَتْعَبَهُ الدَّوَرَانُ، فَرَاحَ يُلَمْلِمُ ثَوْبَ البَرْقِ،
لِيَأْخُذَ قِسْطًا الرَّاحَةِ من عمر أزلي قضاه يجوب الافاق .
الوَرْدَ الوَاقِفَ فَوْقَ التَّلَّةِ أَرْهَقَهُ رَحِيقٌ يَتَجَمَّدُ فِي الأَوْرِدَةِ الشفافة، ضَمَّ الشَّفَتَيْنِ الذَّابِلَتَيْنِ، وَقَطَرَاتُ الدَّمْعِ تَسِيلُ عَلَى وَجْهِ الآسِ،
ظَلَّ يُنَادِي، يَصْرُخُ وَصَدَاهُ يَذُوبُ بِلَا أَجْوِبَةٍ، فَشَخِيرُ الرِّيحِ يَقُضُّ مَضْاجَعَهُ.
النَّحْلُ الظَّمْآنُ عَلَى أَرَقٍ، مازال يرفرف حيرانا، فَالوَرْدُ العَابِسُ أَوْصَدَ كُلَّ الأَبْوَابِ، وَفَرَاشُ الحَقْلِ تَسَاقَطَ فَوْقَ الأَوْرَاقِ، وَالشَّجَرُ العَارِي حَجَرٌ يَعْلُوهُ غُبَارٌ، أَرْخَى الجِذْعَ وَنَامَ،
البَحْرُ المَصْقُولٌ كمرأة ، يَسْكُنُهُ هُدُوءٌ مُوحِشٌ،
وَالمَوْجُ يَمُوتُ بِلَا رِيحٍ.
الرِّيحُ تَغِيبُ
فَيَتَوَقَّفُ نَبْضُ الأَشْيَاءِ، مُوسِيقَى الكَوْنِ، عَصَافِيرُ الدَّهْشَةِ فَقَدَتْ آخِرَ أُغْنِيَةٍ.
الغَيْبُوبَةُ تَبْنِي الجُدْرَانَ عَلَى الطُّرُقِ، وَتَنْثُرُ فِي الأُفُقِ رَمَادًا.
كَانَ الشَّجَرُ المُثْمِرُ يَرْقُصُ فِي الرِّيحِ، وَالأَطْيَارُ الجَذْلَى بَاسِمَةٌ، تَتَنَاسَلُ فَوْقَ الأَفْنَانِ، قَبْلَ جُنُوحِ الرِّيحِ إِلَى الصَّمْتِ...
هَزَّ جُذُوعَ الكَوْنِ...
فالودق الواقف في الغيم الداكن يستجدي الريح لينهض من غفوته ،
كي يساقط فوق شفاه عطشى
ولِقَاحُ الزَّهْرِ الطَّائِرُ مَا زَالَ كَئِيبًا يَنْتَظِرُ الأَنْفَاسَ
عَلَى وَلَهٍ.
وَالعَتْمَةُ تَنْتَظِرُ الضَّوْءَ
لِيُمَارِسَ رَغْبَتَهُ فِي فَكِّ ضَفَائِرِهَا.

