الكاتب : بروفيسور/ حسين الديك
لا تبدو الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 مجرد استحقاق انتخابي لتجديد مقاعد الكونغرس، بل هي اختبار استراتيجي لمستقبل مشروع دونالد ترامب السياسي، وحدود قدرته على الاحتفاظ بأدوات الحكم خلال العامين الأخيرين من ولايته. فالتراجع في شعبيته، واستمرار الضغوط الاقتصادية، وتداعيات الحرب مع إيران، تضع الحزب الجمهوري أمام معركة تتجاوز المنافسة على المقاعد إلى تحديد طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والمؤسسات التشريعية.
وتشير المؤشرات الواردة في استطلاعات الرأي إلى تحسن فرص الديمقراطيين في استعادة مجلس النواب، مع احتمال منافستهم على مجلس الشيوخ أيضًا. لكن اعتبار خسارة الجمهوريين حتمية يظل استنتاجًا سابقًا لأوانه؛ إذ تتوقف النتيجة على خريطة الدوائر الانتخابية، ومعدلات المشاركة، وقدرة الحزبين على تحويل اتجاهات الرأي العام إلى أصوات فعلية.
ترامب: قوة التعبئة وعبء الشعبية المتراجعة
يواجه ترامب معضلة انتخابية تتمثل في أن العامل الذي يعزز تماسك القاعدة الجمهورية قد يصبح مصدر ضعف أمام الناخبين المستقلين والمترددين. فالرئيس لا يزال قادرًا على حشد أنصاره، ودعم المرشحين، والتأثير في أجندة الحزب، لكنه يتحمل في المقابل كلفة تراجع الثقة بأدائه لدى قطاعات أوسع من المجتمع الأمريكي.
ووفقًا للاستطلاع المنسوب إلى مركز بيو والمنشور في 8 أكتوبر/تشرين الأول، بلغت نسبة الراضين عن أداء ترامب 30%، مقابل 68% غير راضين. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن المرشحين الجمهوريين سيواجهون صعوبة في الموازنة بين الاستفادة من دعم الرئيس داخل القاعدة الحزبية وتجنب الارتباط بأوجه الإخفاق التي ينسبها الناخبون إلى إدارته.
وتزداد خطورة هذا الوضع لأن الانتخابات النصفية تختلف في طبيعتها عن الانتخابات الرئاسية. ففي حين يستطيع المرشح الرئاسي تعبئة الناخبين حول شخصيته ومشروعه، تتأثر الانتخابات النصفية بدرجة كبيرة بالأوضاع الاقتصادية، وأداء المرشحين، والقضايا الخاصة بكل دائرة. ولذلك قد يتحول الاستقطاب الذي ساعد ترامب على الوصول إلى السلطة إلى عبء على مرشحي حزبه في المناطق المتأرجحة.
الاقتصاد والحرب: كلفة سياسية متصاعدة
يشكل الاقتصاد أحد المحددات الأساسية للسلوك الانتخابي الأمريكي. فالناخب يقيس أداء الإدارة من خلال قدرته على مواجهة تكاليف المعيشة، وأسعار الوقود والغذاء، ونفقات السكن، وليس من خلال المؤشرات الاقتصادية المجردة وحدها. وعندما لا يشعر المواطن بتحسن ظروفه المعيشية، يصبح أكثر استعدادًا لمحاسبة الحزب الحاكم، حتى إن لم يكن مقتنعًا بالكامل ببدائل المعارضة.
وتتضاعف الضغوط على الجمهوريين مع استمرار الحرب مع إيران. فالمواجهة العسكرية لا تثير أسئلة بشأن أهدافها الاستراتيجية وفرص تحقيقها نتائج حاسمة فحسب، بل تمتد تداعياتها إلى أسعار الطاقة والإنفاق العام ومخاطر التصعيد الإقليمي.
وتكمن المفارقة في أن ترامب بنى جانبًا من خطابه السياسي على أولوية المصالح الأمريكية الداخلية، وتجنب الحروب الطويلة، وتحسين الظروف الاقتصادية. وإذا استمرت الحرب من دون نتائج واضحة، فقد يجد نفسه أمام فجوة بين الوعود الانتخابية وتكاليف الحكم.
كما أن العلاقة بين الحرب والاقتصاد قد تتحول إلى عامل ضغط انتخابي متبادل؛ فارتفاع أسعار النفط والوقود ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج والسلع، ويجعل الناخب الأمريكي يشعر بأن التطورات في الشرق الأوسط تؤثر مباشرة في حياته اليومية.
ومع ذلك، لا يعني استمرار الحرب بالضرورة تراجع الجمهوريين؛ فقد تمنح المواجهة الرئيس فرصة لتعزيز خطاب الأمن القومي وإظهار الحزم. ويتوقف أثرها الانتخابي على مدى اقتناع الجمهور بضرورة الحرب، ووضوح أهدافها، والقدرة على احتواء تكاليفها.
معركة الكونغرس وإعادة توزيع السلطة
يمتلك الجمهوريون أغلبية ضيقة في مجلس النواب، ما يجعلهم أكثر عرضة لتغيرات محدودة في اتجاهات التصويت داخل الدوائر المتنافسة. وقد يتمكن الديمقراطيون من استعادة المجلس من خلال تقدم انتخابي محدود، خصوصًا إذا ارتفعت مشاركة ناخبيهم وتراجعت نسبة التأييد للجمهوريين بين المستقلين.
أما مجلس الشيوخ، فتظل المنافسة عليه أكثر تعقيدًا بسبب اختلاف الخريطة الانتخابية بين الولايات وطبيعة المرشحين. لذلك، فإن خسارة الجمهوريين المجلسين معًا تبقى احتمالًا يحتاج إلى تقييم مستقل، ولا يمكن استنتاجها تلقائيًا من تراجع شعبية الرئيس.
وفي حال سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب، فسيكون بمقدورهم توسيع الرقابة البرلمانية على الإدارة، وفتح التحقيقات، والتأثير في التشريعات والموازنة، وفرض قيود سياسية على مبادرات البيت الأبيض. وإذا امتدت الخسارة إلى مجلس الشيوخ، فستزداد صعوبة تمرير التعيينات الرئاسية، بما فيها المناصب العليا والقضاء الفدرالي.
لكن هذه النتائج لن تعني شلّ الرئاسة الأمريكية بالكامل؛ إذ سيحتفظ ترامب بصلاحيات تنفيذية واسعة، خصوصًا في السياسة الخارجية والأمن القومي. وستكون النتيجة الأرجح انتقال العلاقة بين السلطتين إلى مرحلة أكثر تنافسًا، ترتفع فيها كلفة اتخاذ القرارات وتزداد احتمالات المواجهة المؤسسية.
الديمقراطيون: فرصة انتخابية أم تفويض سياسي؟
توفر الظروف الراهنة للديمقراطيين فرصة لتحويل الانتخابات إلى استفتاء على أداء إدارة ترامب. غير أن استثمار تراجع شعبية الرئيس لا يضمن وحده الفوز؛ إذ يحتاج الحزب إلى تقديم بدائل مقنعة بشأن الاقتصاد والسياسة الخارجية، وتوحيد رسالته الانتخابية، وحشد مؤيديه في الدوائر الحاسمة.
كما أن التصويت ضد الحزب الحاكم لا يعني بالضرورة تأييدًا شاملًا لبرنامج الحزب المنافس. فقد تكون النتيجة تعبيرًا عن الاستياء من تكاليف المعيشة والحرب وأداء الإدارة، أكثر من كونها تفويضًا ديمقراطيًا لتنفيذ أجندة سياسية متكاملة. ومن هنا، ستتوقف قيمة المكاسب الديمقراطية على قدرتهم على ترجمتها إلى سياسات ملموسة، لا الاكتفاء بتعطيل مبادرات الرئيس.
التداعيات على السياسة الخارجية والشرق الأوسط
لن يؤدي تغير الأغلبية في الكونغرس بالضرورة إلى تحول فوري في السياسة الأمريكية تجاه إيران أو إسرائيل أو القضية الفلسطينية. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات مهمة في إدارة العلاقات الخارجية، لكن الكونغرس يستطيع التأثير في التمويل والرقابة والتشريع، بما يغير البيئة السياسية التي تتحرك فيها الإدارة.
وقد تتيح الأغلبية الديمقراطية مساحة أوسع لمناقشة المساعدات الأمريكية، وتداعيات الحرب، والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، إلا أن ترجمة هذه النقاشات إلى تغييرات فعلية ستظل مرتبطة بالتوازنات الحزبية والمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
تقف الانتخابات النصفية لعام 2026 عند تقاطع ثلاثة عوامل: تراجع شعبية ترامب، والضغوط الاقتصادية، وتداعيات الحرب مع إيران. ويمنح اجتماعها الديمقراطيين فرصة جدية لتحقيق مكاسب، لكنه لا يجعل الانتصار مضمونًا ولا الخسارة الجمهورية حتمية.
إن الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيسيطر على الكونغرس، بل بما إذا كان الناخب الأمريكي بصدد إعادة ضبط موازين القوة بين المؤسسات، ومحاسبة الرئيس على نتائج سياساته. فإذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم، سيدخل ترامب مرحلة أكثر صعوبة في إدارة الحكم، أما إذا احتفظوا بها، فسيحصل على فرصة لمواصلة أجندته وسط استمرار الضغوط.
وفي الحالتين، ستكشف انتخابات نوفمبر عن حدود القوة الرئاسية في النظام الأمريكي، وقدرة الاقتصاد والسياسة الخارجية على إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، ومدى استعداد الناخبين لتحويل استيائهم من أداء الإدارة إلى تغيير فعلي في خريطة السلطة بواشنطن.
*خبير في الشأن الامريكي - القدس

