أثينا -واثق نيوز-دعا الوزير موسى أبو زيد، رئيس ديوان الموظفين العام ورئيس مجلس إدارة المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة ورئيس شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لبحوث الإدارة العامة " مينابار"، إلى جعل صناعة قيادات المستقبل أولوية في بناء قدرات الدولة، عبر عمل مؤسسي يبدأ باكتشاف الطاقات البشرية وتطويرها، ويصل إلى إعداد قادة قادرين على استشراف التحولات وإدارة المؤسسات في الظروف الاستثنائية. وأكد أن التجربة الفلسطينية تقدم خبرة عملية في القيادة تحت الضغط والأزمات، وفي تحويل الاستثمار بالإنسان إلى إنجاز مؤسسي وإسهام دولي رغم صعوبة الواقع السياسي والاقتصادي والمعيشي.
جاء ذلك خلال المؤتمر السنوي للرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة " IASIA 2026"، الذي يستضيفه المركز الوطني للإدارة العامة والحكم المحلي في اليونان "EKDDA". وتضمنت أعمال المؤتمر الجلسة الحوارية الأولى بين شبكة مينابار والرابطة، بالشراكة مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا " الإسكوا"، تحت عنوان " إعادة التفكير في الحوكمة في ظل عالم متغيّر: بناء قدرات الدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعصر جديد0022.
ويجمع المؤتمر مشاركين من 60 دولة، ويتضمن برنامجه 420 ورقة بحثية وعلمية، بمشاركة وزراء وقادة إداريين ورؤساء ومسؤولي مدارس ومعاهد الإدارة والتدريب، إلى جانب ممارسين وخبراء وأكاديميين وباحثين من مختلف دول العالم. ويتيح هذا الحضور الدولي تبادل التجارب في بناء قدرات الدولة وتطوير السياسات العامة، ومناقشة تحديات القيادة والحوكمة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وإدارة المؤسسات في ظل الأزمات والصراعات.
وأشاد أبو زيد بصمود الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، وتمسّكه بأرضه وحقوقه وإرادته في الحياة رغم ما يتعرض له من إبادة وحصار، مؤكداً أنه سيبقى متجذراً في أرضه، ولن تنجح محاولات اقتلاعه أو تهجيره، ولن تستطيع أي قوة في العالم محو فلسطين عن الخارطة الجغرافية والسياسية. وشدد على أن إرادة الشعب الفلسطيني ستنتصر بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، مؤكداً أن فلسطين ليست مجرد رقم في الأمم المتحدة، بل دولة تقدم للعالم المعرفة والخبرة والكفاءات، وتسهم في بناء القدرات وتطوير الإدارة العامة، وتحمل تجربة إنسانية ومؤسسية تؤكد قدرتها على البناء والعطاء رغم كل الظروف. وأوضح أن هذا الصمود يضع على عاتق المؤسسات الفلسطينية مسؤولية مضاعفة في الوقوف إلى جانب المواطنين، والاستجابة لاحتياجاتهم وصون كرامتهم، مشدداً على أن مواصلة بناء الإنسان وتعزيز قدرة المؤسسات على أداء مسؤولياتها تشكّلان ركيزة لدعم صمود الشعب الفلسطيني وتجسيد إرادته في بناء دولته.
وفي مداخلة استندت إلى الخبرة الفلسطينية في بناء المؤسسات، أكد أبو زيد أن القيادة في فلسطين تعمل في واقع تتداخل فيه الأزمات السياسية والاقتصادية مع صعوبة الظروف المعيشية والخناق المالي، بما يفرض مسؤوليات مضاعفة في الحفاظ على قدرة المؤسسات على العمل، ودعم الموظفين، والاستجابة لاحتياجات المواطنين. وأوضح أن هذا الواقع يختبر قدرة القائد على ترتيب الأولويات وحسن استخدام الموارد المتاحة، والحفاظ على ثقة العاملين وقدرتهم على العطاء، مع مواصلة التطوير والاستعداد للمستقبل.
وشدد على أن فلسطين، رغم هذه الظروف، راكمت إنجازات نوعية في بناء القدرات وتطوير الكفاءات ونقل الخبرات، ونجحت في ترسيخ حضورها في فضاء الإدارة العامة الدولي. واعتبر أن أهمية هذه التجربة تكمن في قدرتها على إنتاج خبرة قابلة للمشاركة مع الآخرين، انطلاقاً من ممارسة فعلية للقيادة والعمل المؤسسي في ظروف شديدة التعقيد، بما يؤكد أن الإرادة المؤسسية والاستثمار المستمر في الإنسان يمكن أن يفتحا فرصاً للإنجاز حتى عندما تضيق الموارد وتتصاعد التحديات.
وتوقف أبو زيد عند أهمية التوافق على مفاهيم القيادة ومجالاتها ومعاييرها والسمات المشتركة التي ينبغي أن تتوافر في القائد، بما يؤسس لفهم شامل وواضح تستند إليه المؤسسات في اختيار قياداتها وتطويرها. وأكد أن مفهوم القيادة لا يزال يتطور باستمرار؛ فالتحديات المتجددة وتجارب القادة وقدرتهم على إحداث فرق تضيف إلى هذا المفهوم، ويستطيع كل قائد، من خلال فكره وممارسته وأثره، أن يصنع بصمته القيادية الخاصة، ويقدم تجربة تثري فهم القيادة وتطبيقاتها.
وفي تناوله للسؤال المتعلق بما إذا كانت القيادة تولد أم تُصنع، شدد على أن بناء القيادات عملية إدارية مقصودة وعميقة، تُبنى على رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس، وتحدد مبكراً من يمكن أن يصبحوا قادة خلال السنوات المقبلة. وأوضح أن اكتشاف هذه الطاقات يتطلب إشراك الموظفين، والعمل معهم، ومتابعة أدائهم عن قرب، والتعرف إلى طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع المسؤوليات والمشكلات، بحيث يستند اختيار القيادات المستقبلية إلى معرفة حقيقية بقدراتها وإمكانات تطورها.
وأكد أن بناء الإنسان ينبغي أن يُحدث تحولات نوعية في شخصيته وسماته وقدراته، وأن يظهر أثره في طريقة فهمه للمشكلات، وتقديره للمواقف وإيجاد الحلول، والانجاز، وعلاقته بفريق العمل، وقدرته على تحمل المسؤولية. ومن هنا، تبرز أهمية تكليف الموظفين بمهام معقدة، وإشراكهم في التعامل مع ظروف استثنائية تتيح لهم التعبير عن أنفسهم وإظهار قدراتهم، وتكشف الفروق بين الأفراد وتساعد على تمييز الطاقات القيادية الواعدة، وتحديد ما تحتاجه من دعم وتطوير.
وأوضح أن الغاية هي إعداد قادة يمتلكون رؤية ثاقبة للمستقبل، ويستطيعون الربط بين احتياجات الحاضر والتحولات المقبلة. فالمؤسسة، وفق رؤيته، تحتاج إلى قيادات تقرأ ما يتغير حولها وتستعد له، وتبني داخلها القدرة على التجدد، وتُعدّ من يستطيعون مواصلة العمل وتطويره في السنوات اللاحقة. وتبرز هنا مسؤولية القائد في صناعة قيادات جديدة تضمن استمرارية الإنجاز وتراكم الخبرة داخل المؤسسة، بحيث تصبح قوة المؤسسة ممتدة عبر الأجيال القيادية.
وبيّن أبو زيد أن القيادة منظومة متكاملة، تتجاوز الاقتصار على قائمة من المعايير والمواصفات؛ إذ تتفاعل فيها السمات الشخصية والحضور القيادي والكاريزما مع سعة المعرفة والاطلاع ونضج التجربة والقيم الإنسانية. وهذا التكامل هو ما يصوغ عقلية القائد ويمنحه خصوصيته، ويوسّع قدرته على فهم المشهد الكلي للدولة وإدراك أثر قراراته في المجتمع، بما يجعل بصمته الإيجابية ممتدة إلى ما وراء حدود مؤسسته، ومؤثرة في قدرة الدولة على التطور والاستجابة للتحديات.
وفي هذا السياق، حذّر من اختزال الكفاءة القيادية في القدرة على الخطابة أو سرعة إصدار القرارات، مؤكداً أهمية التقدير المدروس وفهم النتائج والقدرة على دفع المؤسسة إلى الأمام. وأشار إلى ضرورة الربط بين البعدين المحلي والدولي، ولا سيما في الحالة الفلسطينية، حيث يرتبط التخطيط المؤسسي بقراءة واعية للواقع السياسي والاقتصادي والمتغيرات المحيطة، وفهم انعكاساتها على فرص العمل والإنجاز.
ووضع أبو زيد مفهوم "القائد الإنسان" في صلب رؤيته، مؤكدًا أن القرب من الناس، والوقوف إلى جانبهم، والتواضع في التعامل معهم، عناصر أساسية لقيادة ناجحة في ظل الظروف المتغيرة. فالقائد الذي يدرك ظروف موظفيه ويحترمهم ويصغي إليهم، يكون أقدر على بناء الثقة وتحفيزهم على المشاركة والإنجاز، وعلى تحويل العلاقة داخل المؤسسة إلى تعاون يقوم على المسؤولية والانتماء.
وشدد على أن دور القائد يتمثل في دفع الموظفين وتحفيز الابتكار ودعم الأفكار، مهما كان المستوى الوظيفي لصاحبها، وعند النجاح ينسب الإنجاز إلى الموظف والمؤسسة ويمنح أصحاب الجهد التقدير الذي يستحقونه. كما أكد أهمية إتاحة الحوار وتنوع وجهات النظر، وتوفير بيئة يستطيع فيها الموظف أن يقترح ويشارك ويتحمل المسؤولية، بما يعزز الأداء ويهيئ لنشوء قيادات جديدة. وبهذا تصبح قدرة القائد على تمكين الآخرين وإبراز كفاءاتهم جزءًا أصيلًا من نجاحه القيادي.
وفي عرضه للتجربة التطبيقية، أبرز أبو زيد دور المدرسة الوطنية الفلسطينية للإدارة في بناء القيادات الإدارية وتطوير كفايات موظفي الدولة، وربط التدريب بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات. واستعرض امتداد هذه التجربة إلى تدريب قيادات وكوادر من دول عربية وأفريقية ومن شرق ووسط أوروبا، وإعداد مدربين فلسطينيين تولّوا نقل المعرفة والخبرة إلى مشاركين من هذه الدول في مجالات القيادة والتخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات وفرق العمل.
وأكد أن هذه البرامج جسدت قدرة فلسطين على تقديم خبرة مهنية يستفيد منها الآخرون، وأظهرت قيمة الاستثمار طويل الأمد في الكفاءات الوطنية. وربط نجاح التدريب بظهور أثره في العمل، من خلال ما يكتسبه المشاركون من قدرات على معالجة المشكلات وتحسين الأداء، وما توفره المؤسسات لخبراتهم الجديدة من فرص للتطبيق والتطوير، بما يحوّل بناء قدرات الأفراد إلى تقدم في أداء المؤسسات.
واستحضر أبو زيد نجاح فلسطين في تنظيم المؤتمر المشترك للرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة وشبكة مينابار عام 2017، ثم الطاولة الوزارية المستديرة عام 2019 حول دور الإدارة العامة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. مؤكداً أن انعقاد هذين الحدثين الدوليين على أرض فلسطين شكّل إنجازاً استثنائياً رغم الظروف الصعبة، وأظهر قدرتها على جمع قيادات ومؤسسات وخبرات دولية للمساهمة في مناقشة قضايا الإدارة العامة وبناء الدولة، وتعزيز التعاون وتبادل المعرفة بين الدول. كما ن الأثر العلمي والمهني لمؤتمر فلسطين عام 2017 ما زال حاضراً حتى اليوم، وتُستعاد تجربته وما أفرزته من نقاشات وإسهامات في المؤتمرات السنوية للرابطة. وقد امتد هذا الأثر إلى إنتاج المعرفة، إذ انطلقت من المؤتمر فكرة إعداد كتاب علمي متخصص حول الإدارة العامة في الدول المتأثرة بالصراعات تناول تجارب دولية متعددة، من بينها التجربة الفلسطينية، وبحث في قدرة المؤسسات العامة على أداء وظائفها وبناء قدرات الدولة في ظل الازمات والصراعات. واعتبر أبو زيد أن هذا الامتداد المعرفي يجسّد قيمة ما حققته فلسطين، وقدرتها على تحويل تجربتها وتحدياتها إلى إسهام علمي ومهني يثري النقاش الدولي، ويتيح للباحثين وصناع القرار الاستفادة من خبراتها في تطوير المؤسسات وإدارة الأزمات.
وفي ملف الشباب والمرأة، دعا أبو زيد إلى ترجمة دعم مشاركتهما إلى إعداد مؤسسي متواصل يبدأ منذ الصغر، ببناء القيم والكفايات والثقة بالقدرة على التأثير، ويتدرج إلى اكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية. وأكد أن الوصول إلى مواقع صنع القرار يجب أن يستند إلى إعداد واقعي يمنح الشباب والنساء الكفاءة والقدرة لتمكينهم على ممارسة أدوارهم والمساهمة الفعلية في تطوير المؤسسات والمجتمع.
وأشار إلى الخطوات الفلسطينية الداعمة لمشاركة الشباب والمرأة في الحياة السياسية، ومنها تحديد الحد الأدنى لسن الترشح للمجلس التشريعي بثلاثة وعشرين عاماً، والضمانات القانونية لتمثيل المرأة في القوائم الانتخابية بنسبة 30%. وشدد على أهمية أن تتكامل التشريعات مع بناء القدرات وإتاحة الفرص، حتى تتحول المشاركة إلى قدرة حقيقية على التأثير في القرار، وأن ترافق النصوص القانونية ممارسات مؤسسية تفتح المجال للكفاءات وتدعم تقدمها.
وربط أبو زيد تجدد القيادات بالحاجة إلى تغيير في الثقافة والعقلية في منطقة الشرق الأوسط، بما يعزز قبول الطاقات الجديدة ويتيح لها فرص التقدم على أساس الكفاءة. وأكد أهمية مراجعة النظرة إلى الموقع القيادي وترسيخ مسؤولية القائد في إعداد من يواصلون العمل من بعده، وبناء ثقافة مؤسسية ترى في صعود قيادات جديدة ضمانة للاستمرارية والتطور، وفي نقل الخبرة مسؤولية تجاه المؤسسة والمجتمع.
ويحمل هذا الحوار بعداً إقليمياً ودولياً تقوده فلسطين من خلال شبكة مينابار، التي يرأسها أبو زيد، وشركائها في مختلف أنحاء العالم، عبر جمع المؤسسات والباحثين والممارسين حول أولويات تطوير الإدارة العامة. وتوفر مؤتمرات الشبكة وأنشطتها البحثية مساحة لالتقاء الخبرة العملية بالبحث العلمي وصياغة توصيات تدعم السياسات والقرارات المبنية على الأدلة والبيانات، وتعزز تبادل التجارب الإدارية الفضلى بين دول المنطقة وشركائها الدوليين.
وشارك في الجلسة الأستاذة الدكتورة ليزل لويس، رئيسة الرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة؛ والعين الدكتورة عبلة عماوي، عضو مجلس الأعيان الأردني؛ والدكتور سفيان الصحراوي، المدير العام للمعهد الدولي للعلوم الإدارية؛ والدكتور يونس أبو أيوب، رئيس إدارة الحوكمة وبناء الدولة في الإسكوا، إلى جانب ممثلي مدارس ومعاهد الإدارة العامة وخبراء وممارسين وأكاديميين وباحثين. وتخللتها مداخلات وأسئلة حول القيادة في الأزمات، والثقة بين المؤسسات والمواطنين، والتحولات التكنولوجية والديموغرافية، وفرص التعاون، كما تناولت المداخلات صمود الشعب الفلسطيني وإرادته في بناء الدولة.
وتأتي الجلسة في إطار الشراكة الاستراتيجية التي تجمع مينابار بالمعهد الدولي للعلوم الإدارية "IIAS" والرابطة الدولية لمدارس ومعاهد الإدارة "IASIA"، وهما من المنظمات الدولية المرموقة والمتخصصة في تطوير الإدارة العامة والبحث وبناء القدرات، وتضم شبكاتهما جامعات ومعاهد ومؤسسات حكومية ومنظمات إدارية دولية من اكثر من 75 دولة من دول العالم. وتتيح هذه الشراكة حضوراً فاعلاً لأولويات المنطقة وتجاربها في الحوار الدولي حول الحوكمة وتنمية القدرات.

