آراء

دير حجلة بين أهمية التاريخ وحقيقة الوقائع.. لماذا يُستهدف البطريرك ثيوفيلوس قبل استكمال الصورة؟

3 مشاهدة قراءة 15 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير

 لم يعد الجدل الدائر حول دير القديس جيراسيموس، المعروف باسم دير حجلة، في منطقة أريحا والأغوار، مجرد نقاش حول إجراءات إدارية داخل مؤسسة كنسية، بل تحول إلى قضية تتقاطع فيها الأبعاد الدينية والوطنية والتاريخية، وتختلط فيها المخاوف المشروعة بشأن حماية الأوقاف والأراضي الفلسطينية مع اتهامات متداولة تستوجب التحقق والتدقيق، بعيداً عن التسرع في إصدار الأحكام أو توظيف القضايا الكنسية في معارك تصفية الحسابات.

إن دير حجلة، بما يمثله من إرث مسيحي عريق وحضور روحي في الأرض الفلسطينية، ليس ملكاً معنوياً لجماعة أو تيار بعينه، بل جزء من الذاكرة التاريخية والحضارية لفلسطين، ومن شواهد الوجود المسيحي الأصيل في هذه الأرض. ولذلك فإن التعامل مع التطورات التي يشهدها ينبغي أن ينطلق من الحرص على صون الدير وأوقافه واستمرار رسالته الدينية، لا من تحويله إلى ساحة للتجاذبات والاتهامات المتبادلة.

وفي خضم هذا النقاش، تبرز ضرورة التمييز بين الحق في مساءلة المؤسسات الدينية عن إدارة ممتلكاتها، وهو حق مشروع عندما يستند إلى وقائع ووثائق، وبين إطلاق اتهامات قطعية بحق البطريركية الأرثوذكسية المقدسية ورئيسها البطريرك ثيوفيلوس الثالث، من دون تقديم أدلة مباشرة تثبت ارتباط الإجراءات الأخيرة بأي عملية تسريب أو تفريط بأراضي الدير.

فالمسألة لا تُحسم بالشعارات، ولا بكثرة المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بالوثائق القانونية والسجلات العقارية والقرارات الإدارية والمالية ذات الصلة.

يعود تاريخ دير حجلة، المعروف أيضاً بدير القديس جيراسيموس، إلى القرون الأولى للمسيحية، وتذكر البطريركية الأرثوذكسية أنه تأسس عام 455 ميلادية. ويقع الدير في منطقة الأغوار شرقي أريحا، ضمن مساحة جغرافية ذات أهمية دينية وتاريخية ووطنية، في ظل ما تتعرض له المنطقة من سياسات الاحتلال والاستيطان والقيود المفروضة على الأرض الفلسطينية.

ولا تنبع أهمية الدير من مكانته الدينية وحدها، بل من ارتباطه باستمرارية الحضور المسيحي الفلسطيني، ومن كونه جزءاً من التراث الحضاري الذي أسهمت الكنائس والأديرة والمزارات التاريخية في تشكيله عبر قرون طويلة.

وفي هذا السياق، أشار مروان طوباسي، عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح والرئيس السابق للجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الأرثوذكسي، في تصريحات منشورة في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى أن الأراضي والأوقاف المرتبطة بالدير تقدر بنحو 6800 دونم، داعياً البطريركية إلى توضيح واقع هذه الممتلكات والإجراءات الإدارية المتخذة بحق الرهبان والعاملين فيه.

إن هذه المطالب تستحق أن تُناقش بمسؤولية، لأن حماية الأرض في الأغوار ليست مسألة إدارية عابرة، بل جزء من معركة الحفاظ على الوجود الفلسطيني في منطقة تتعرض لضغوط متزايدة. غير أن أهمية المطالبة بالشفافية لا تعني أن كل اتهام متداول أصبح حقيقة ثابتة، كما أن احترام المؤسسة الكنسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه إعفاء لها من واجب التوضيح والمساءلة.

وهنا تكمن نقطة البداية الصحيحة: حماية الدير والأرض والوقف، مع الاحتكام إلى الأدلة، وعدم الخلط بين المطالبة المشروعة بالشفافية وبين إصدار أحكام مسبقة على خلفية الخلافات القائمة.

وفي بيان نشرته البطريركية الأرثوذكسية المقدسية في 29 سبتمبر/أيلول 2026، أكدت أنها شرعت، عقب وفاة رئيس الدير الأرشمندريت خريستوسوموس، في اتخاذ إجراءات إدارية ومالية لإعادة تنظيم شؤون الدير وضبط أوضاعه.

وقالت البطريركية إن بعض الجهات عمدت إلى تداول شائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي بهدف الضغط عليها للتراجع عن إجراءات الإصلاح، وشددت على أن إدارة شؤون الرهبان وتنقلاتهم والضوابط المالية والإدارية في مؤسساتها وأديرتها تقع ضمن صلاحياتها. كما أكدت أن الرهبان الذين غادروا الدير فعلوا ذلك طوعاً وبناءً على طلبهم.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلنت البطريركية تعيين الأب دوثويوس، خوري دير زاكيوس في أريحا، قائماً بأعمال رئاسة دير حجلة، في خطوة قالت إنها تأتي في إطار المحافظة على الدير ومواصلة رسالته الدينية ورعاية شؤونه.

هذه هي الرواية الرسمية المعلنة للبطريركية، ومن حق الرأي العام أن يطلع عليها وأن يضعها في ميزان النقاش العام. وفي المقابل، من حق المهتمين بشؤون الكنيسة وأوقافها أن يطلبوا توضيحات إضافية بشأن طبيعة الإجراءات، والضمانات المتخذة لحماية الممتلكات، وآليات الرقابة على الإدارة المالية.

لكن من المهم هنا التأكيد أن تغيير إدارة الدير أو إعادة تنظيم شؤونه لا يشكل، بحد ذاته، دليلاً على وجود عملية بيع أو تسريب للأرض. فإثبات مثل هذا الادعاء يحتاج إلى وثائق عقارية أو عقود أو أدلة قانونية واضحة، لا إلى استنتاجات مبنية على التزامن بين وفاة رئيس الدير وتغيير إدارته.

وبالمعيار نفسه، فإن إعلان البطريركية أن مغادرة الرهبان كانت طوعية يمثل موقفها الرسمي، ولا يغني عن توضيح الوقائع إذا ظهرت مستندات موثوقة أو شهادات متعارضة تستدعي التحقيق. والإنصاف يقتضي ألا تتحول الرواية الرسمية إلى حقيقة نهائية غير قابلة للفحص، وألا تتحول الاتهامات المقابلة إلى حقائق لمجرد تكرارها.

إن الدفاع عن بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية لا يكون بإنكار تاريخ الخلافات التي أحاطت بإدارة أملاكها، بل بقراءة هذا التاريخ كاملاً، والتمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي لم تحسمها الأدلة.

فقد واجهت البطريركية، على مدى سنوات، احتجاجات وانتقادات من قطاعات من أبناء الرعية الأرثوذكسية الفلسطينيين على خلفية صفقات أراضٍ وعقارات في القدس ومناطق أخرى في عهد البطريرك السابق او المخلوع . وتناولت وسائل إعلام فلسطينية وعربية هذه الاعتراضات، بما فيها اتهامات تتعلق ببيع ممتلكات كنسية أو تأجيرها لجهات وشركات إسرائيلية.

وفي عام 2005، ومع تصاعد الأزمة المرتبطة بعقود إيجار أبرمت في عهد البطريرك السابق إيرينيوس، أعلن البطريرك ثيوفيلوس الثالث رفضه المصادقة على تلك العقود، وفق تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس" وأعادت نشره صحيفة "إي كاثيميريني" اليونانية.

وفي يونيو/حزيران 2007، أصدر المجمع المقدس للبطريركية بياناً أكد فيه أن التصرف في ممتلكاتها يجب أن يخضع للأصول القانونية والقرارات الكنسية المختصة، معلناً التزام البطريركية بحماية حقوقها في الممتلكات التي نُقلت بصورة غير قانونية قبل تولي البطريرك ثيوفيلوس الثالث منصبه.

هذه الوقائع مهمة في فهم موقف البطريركية من إرث الصفقات السابقة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جميع التصرفات العقارية اللاحقة. فقد استمرت الاتهامات والاحتجاجات بعد ذلك، ومنها شكاوى قدمتها جهات أرثوذكسية فلسطينية عام 2017 بشأن عقارات كنسية، وتقارير صحفية تناولت صفقات قالت إنها أضرت بحقوق أبناء الرعية.

ومن ثم، فإن الموقف الموضوعي لا يقتضي تبرئة كل قرار يصدر عن البطريركية بصورة مسبقة، كما لا يجيز تحميل البطريرك الحالي مسؤولية كل ملف تاريخي من دون تحديد الوقائع والأطراف والتواريخ والمسؤوليات القانونية لكل قضية.

بل إن القراءة المنصفة تقتضي الاعتراف بأن ملف الأملاك الكنسية ظل موضع خلاف حقيقي، وأن معالجة هذا الإرث لا تكون بالتشهير أو التعميم، وإنما بكشف الوثائق، ومراجعة العقود، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، أياً كان موقعه.

إن أحد أبرز أوجه الخلل في النقاش الدائر هو التعامل مع كل إجراء إداري جديد داخل البطريركية كما لو أنه دليل على تكرار سيناريوهات سابقة تتعلق بالأراضي والعقارات. فوجود خلافات تاريخية حول ممتلكات كنسية لا يثبت تلقائياً أن الإجراءات المتخذة في دير حجلة تستهدف تسريب أراضيه .  

والفارق كبير بين السؤال عن سلامة الإدارة المالية للدير، وهو سؤال مشروع، وبين الجزم بوجود مخطط للتفريط بأرضه من دون مستندات تثبت ذلك. كما أن الاختلاف مع البطريرك ثيوفيلوس الثالث أو مع سياسات البطريركية لا يمنح أي طرف حق احتكار تمثيل أبناء الرعية أو مصادرة حقهم في الاطلاع على المعلومات. فالقضية أكبر من الأشخاص، وتتعلق بمؤسسة دينية تاريخية وبأملاك ينبغي أن تبقى مصانة من المخاطر القانونية والسياسية والاقتصادية.

وفي المقابل، فإن تحويل الخلاف الإداري إلى اتهامات بالخيانة أو التواطؤ، من دون أدلة واضحة، لا يخدم حماية الدير، بل قد يزيد الانقسام داخل المجتمع المسيحي الفلسطيني ويضعف قدرته على الدفاع عن حقوقه ومصالحه.

إن دير حجلة يقع في منطقة شديدة الحساسية من الأغوار الفلسطينية، حيث تتداخل القيمة الدينية والتاريخية مع أهمية الأرض والوجود السكاني الفلسطيني. ومن هنا، فإن الحفاظ على الدير وممتلكاته يتجاوز حدود الخلافات الكنسية الداخلية ليصبح جزءاً من المسؤولية الوطنية المشتركة.

ومن هنا فإن البطريركية الأرثوذكسية المقدسية، برئاسة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، تقدم للرأي العام توضيحات كافية بشأن الوضع القانوني للأراضي المرتبطة بالدير، وطبيعة الإجراءات الإدارية والمالية الجديدة، والضمانات التي تحول دون المساس بحقوق الوقف أو تغيير وجهة استخدام ممتلكاته بصورة تتعارض مع غاياتها الدينية والوطنية.

كما يقتضي من منتقدي البطريركية أن يعرضوا ما لديهم من وثائق وأدلة عبر القنوات القانونية والرقابية المناسبة، وأن يميزوا بين المعلومات المثبتة والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى تحقق. فحماية الأرض لا تتحقق بتبادل الاتهامات، بل ببناء ملف موثق يمكن الاحتكام إليه أمام الجهات المختصة.

ومن الضروري أيضاً أن يكون لأبناء الرعية الأرثوذكسية الفلسطينيين حضور فاعل في النقاش المتعلق بمستقبل مؤسستهم وأوقافها، ضمن الأطر القانونية والكنسية، بما يعزز الثقة ويحول دون احتكار القرار أو تهميش أصحاب المصلحة الحقيقيين.

إن الحفاظ على الأوقاف المسيحية في فلسطين ليس نقيضاً لاستقلال الكنيسة في إدارة شؤونها، كما أن احترام الصلاحيات الكنسية لا يتعارض مع المطالبة بالشفافية والمساءلة. بل إن العلاقة بين الأمرين هي الأساس الذي يمكن أن يحمي المؤسسة من الشكوك، ويحفظ حقوق الرعية، ويصون الممتلكات من أي استغلال أو عبث.

إن موقفنا من قضية دير حجلة يجب أن يستند إلى قاعدة واضحة: الأرض الفلسطينية والأوقاف الدينية أمانة تاريخية ووطنية، وحمايتها تستوجب الحقيقة الكاملة، لا حملات التشويه ولا الدفاع غير المشروط عن أي جهة.

ومن هذا المنطلق، فإننا نرفض تحويل الإجراءات الإدارية الأخيرة إلى إدانة مسبقة للبطريركية ورئيسها، ما لم تقدم أدلة تثبت وجود مخالفة محددة. وفي الوقت نفسه، نؤكد أن المخاوف المتعلقة بمستقبل أراضي الدير تستحق إجابات واضحة وموثقة، وأن الشفافية هي السبيل الأجدى لتبديد الشكوك وحماية الثقة بين البطريركية وأبناء الرعية والمجتمع الفلسطيني. فالدير أقدم من الخلافات الراهنة، والوقف أمانة لا يملك أحد التفريط بها، والحقائق وحدها هي التي ينبغي أن تحكم هذا النقاش.