آراء

بعد تأجيل الانتخابات... ماذا بعد؟

65 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب : المحامي الدكتور حسن سليم 

تأجيل الانتخابات، كما توقعنا وحذرنا منه سابقا، ليس نهاية المطاف.

لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما نتعامل مع التأجيل وكأنه نهاية المشكلة، أو عندما نعتقد أن تأجيل الاستحقاق الانتخابي يمنحنا فرصة أخرى للعودة إلى الطريقة نفسها في إدارة البلد، وكأن شيئا لم يحدث.

إن الانتخابات في جوهرها، ليست مجرد يوم اقتراع، وليست مجرد صناديق تُفتح وأسماء تُعلن نتائجها، بل هي وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية، وتجديد الحياة السياسية، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وفتح الطريق أمام المساءلة وتداول المسؤولية، ولهذا فإن السؤال بعد التأجيل لا ينبغي أن يكون فقط: متى ستُجرى الانتخابات؟  بل السؤال الأكبر والأكثر إلحاحا هو: ماذا بعد؟ وما البديل؟ 

لكن، وقبل نقاش ماذا بعد والبحث في البديل،  فان هناك مجموعة من الحقائق التي لم يعد بالإمكان تجاهلها، ولا بد من الاقرار بها، وأولى هذه الحقائق: أن تبقى البلد بهذا الحال إلى ما لا نهاية أمر مستحيل، فلا يمكن أن تستمر الأزمات السياسية والمؤسسية والاقتصادية والاجتماعية بالوتيرة نفسها، ثم نتوقع أن تبقى قدرة المجتمع على الاحتمال بلا حدود.

والحقيقة الثانية أن تأجيل الانتخابات، مهما كانت أسبابه ومبرراته، لا يعالج أسباب الأزمة، بل يؤجل الاستحقاق، وقد يمنح الأطراف وقتا إضافيا لمعالجة بعض الظروف أو الإشكاليات، لكنه لا يقدم بذاته جوابا عن سؤال الشرعية، ولا عن طبيعة إدارة المرحلة، ولا عن مستقبل النظام السياسي والمؤسسات.

أما الحقيقة الثالثة، فهي أن استمرار إدارة البلد بالطريقة التقليدية نفسها، وبالأدوات نفسها، وبالعقلية نفسها، أمر لم يعد واردا، فليس منطقيا أن نؤجل الانتخابات ثم نعود إلى النقطة نفسها، ونستخدم الأدوات نفسها، ونكرر السياسات نفسها، وننتظر نتائج مختلفة.

والحقيقة الرابعة أن الاعتقاد بأن صبر الناس أمر مضمون إلى ما لا نهاية هو وهم ليس أكثر، فالناس تتحمل، وتصبر، وتتفهم، وتنتظر عندما ترى أفقا واضحا، لكنها عندما لا ترى سوى التأجيل، والأزمة، وإعادة تدوير الأزمات، يصبح السؤال مشروعا: إلى متى؟

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شجاعة في التفكير أكثر مما تحتاج إلى المزيد من الشعارات، وهذا التفكير يجب ان يكون خارج الصندوق، وهذا لا يعني، ولا المقصود به اختراع نظام سياسي جديد بين ليلة وضحاها، ولا الالتفاف على الانتخابات، ولا البحث عن بديل دائم عن الإرادة الشعبية، بل المقصود هو البحث عن صيغة انتقالية وطنية ومؤقتة وواضحة، لها أهداف محددة، ومدة زمنية محددة، ومهام محددة، وتكون مهمتها الأساسية فتح الطريق أمام انتخابات حقيقية، وفي الوقت نفسه معالجة ما يمكن معالجته من الاختلالات التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة، وهنا يمكن التفكير في أكثر من مسار.

ومن المسارات التي يمكن التفكير بها: 

أولا:  إعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسسي من خلال صيغة وطنية مؤقتة تشارك فيها القوى السياسية والمجتمعية، لا بهدف اقتسام المواقع، وإنما بهدف إدارة المرحلة والتحضير للاستحقاقات الديمقراطية، وفق قواعد واضحة ومعلنة.

ويمكن، ثانيا: إنشاء إطار وطني للحوار والتوافق، ولكن ليس على طريقة اللجان التي تبدأ باجتماعات وتنتهي ببيانات، بل نحن بحاجة إلى إطار له جدول أعمال حقيقي: إصلاح المؤسسات، معالجة الملفات العالقة، الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، تحديد المسؤوليات، ووضع طريق واضح ومعلن نحو الانتخابات.

كما يمكن، ثالثا، إطلاق مسار إصلاحي متزامن مع التحضير للانتخابات، فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد تغيير للأشخاص بينما تبقى طريقة إدارة البلد كما هي، فلا معنى لتغيير الوجوه مع بقاء الأدوات، ولا معنى لتغيير أسماء المسؤولين ويتم ترك المؤسسات تعاني من المشكلات نفسها، ولا معنى للذهاب إلى صناديق الاقتراع، ثم يتم العودة إلى الممارسات ذاتها التي أنتجت أزمة الثقة أصلا.

وبالتالي فان المطلوب إذن ليس فقط انتخابات، وإنما إصلاح البيئة التي ستنتج الانتخابات وما بعدها، والأهم من كل ذلك أن لا يكون البديل مجرد إعادة إنتاج الحاضر بوجوه جديدة، فالبلد لا تحتاج إلى مزيد من تدوير الأزمة، بل تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تقول بوضوح: لن نستمر بالطريقة نفسها- لن ندير الأزمة إلى ما لا نهاية - لن نطلب من الناس المزيد من الصبر من دون أن نقدم لهم أفقا واضحا - لن نحول التأجيل إلى إقامة دائمة.

إن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة انتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة الأزمة، ومعلوم ان الفرق كبير بينهما: حيث إن إدارة الأزمة تعني أن نبحث في كل مرة عن حل مؤقت، وأن نؤجل الاستحقاقات، وأن نرحل الملفات، وأن نشتري الوقت، أما معالجة الأزمة فتعني أن نذهب إلى جذور الازمة، وأن نعيد بناء الثقة، وأن نحدد المسؤوليات، وأن نصل إلى صيغة سياسية ومؤسسية أكثر استقرارا، وأن نضع المواطن مرة أخرى في مركز العملية السياسية. 

ولذلك فإن الانتخابات، في نهاية المطاف، ليست المشكلة وحدها، فالمشكلة  هي كيف نصل إلى دولة تُدار بإرادة الناس، وبمؤسسات فاعلة، وقواعد واضحة، ومساءلة حقيقية، والانتخابات واحدة من أهم الأدوات للوصول إلى ذلك، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإصلاح السياسي والمؤسسي، والإصلاح لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة دائمة لتأجيل الانتخابات، وهنا تحديدا يجب أن نتوقف.

وفي ظل الحديث عن تأجيل الانتخابات، والجدل بشأنه، فلا يجوز أن يكون السؤال: كم شهرا سنؤجل؟ بل يجب أن يكون: ماذا سنفعل خلال هذه الفترة؟ ما الذي سنصلحه؟ ما الذي سنغيره؟ ما الذي سنعيد بناءه؟ وما الضمانة بأن لا يتحول التأجيل المؤقت إلى وضع دائم؟ 

وهذه الأسئلة بالطبع ليست ترفا سياسيا، بل تمثل جوهر المرحلة المقبلة، أما  الأخطر من التأجيل نفسه هو أن نضيع الوقت الذي منحه لنا التأجيل، وإذا كان التأجيل واقعا، فيجب أن يتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت السياسي والمؤسسي، لا إلى فرصة لإطالة عمر الأزمة، ليتم استبدال سؤال متى ستجري الانتخابات الى سؤال ماذا سنفعل بالبلد الى ان تجري الانتخابات ؟ والاجابة عليه هي التي ستحدد إن كان التأجيل مجرد تأجيل جديد للأزمة، أم بداية لمرحلة جديدة.