آراء

إيران وأمريكا... حين لا تكفي القوة العسكرية وحدها

66 مشاهدة
إيران وأمريكا... حين لا تكفي القوة العسكرية وحدها

الكاتب : هاني جابر

إذا جرى تجاوز ضجيج التصريحات السياسية والحرب الإعلامية، والنظر إلى المواجهة الأمريكية الإيرانية من زاوية استراتيجية، فإن ما جرى خلال السنوات الأخيرة يكشف حقيقة بات من الصعب تجاهلها: التفوق العسكري الأمريكي، على ضخامته، لم يعد وحده كافيًا لحسم الصراعات أو فرض الإرادة السياسية بصورة مطلقة. فالقوة العسكرية أصبحت عنصرًا من عناصر القوة، وليست العنصر الوحيد.

لقد أثبتت هذه المواجهة أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالصواريخ والطائرات فقط، وإنما تحتاج أيضًا إلى إدارة سياسية معقدة، وعمل استخباري، وحسابات دقيقة، وقدرة على استثمار الجغرافيا والاقتصاد والتحالفات. وحتى عندما تحقق الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا أو نجاحات تكتيكية، فإن ترجمة ذلك إلى انتصار استراتيجي دائم تبقى أكثر تعقيدًا.

ولا خلاف على أن ميزان القوة التقليدي يميل بصورة واضحة إلى الولايات المتحدة من حيث الإمكانات العسكرية والتكنولوجية واللوجستية. لكن في المقابل، تمتلك إيران عناصر قوة من نوع آخر؛ فهي دولة ذات عمق تاريخي، ومؤسسات راسخة، وجغرافيا واسعة، وقاعدة سكانية كبيرة، وهي عوامل تمنحها قدرة على امتصاص الضربات والاستمرار، حتى في ظروف بالغة الصعوبة.

ومن منظور كثير من المحللين، استطاعت إيران، رغم الضغوط والعقوبات والضربات التي استهدفت قياداتها ومنشآتها، أن تحافظ على تماسك مؤسساتها، وأن تمنع خصومها من تحقيق أهداف حاسمة. كما نجحت، في أكثر من محطة، في فرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم.

ويظل الموقع الجغرافي أحد أهم مصادر القوة الإيرانية. فإشرافها على منطقة الخليج وقربها من مضيق هرمز يمنحها تأثيرًا مهمًا في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية لتجارة الطاقة العالمية. وهذه الحقيقة تجعل أي تصعيد عسكري معها يتجاوز حدود المواجهة الثنائية، ليمتد أثره إلى أسواق النفط والغاز، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الدولي بأسره.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن مبدأ التعامل مع الولايات المتحدة من موقع الندية السياسية، لا من موقع التبعية، أصبح جزءًا ثابتًا من العقيدة السياسية الإيرانية، بغض النظر عن طبيعة الحكومات أو تبدل الظروف. وقد تعرض هذا النهج لاختبارات قاسية، لكنه ظل حاضرًا في الخطاب والممارسة بدرجات متفاوتة.

لقد تلقت إيران ضربات مؤلمة استهدفت قياداتها وبنيتها العسكرية والأمنية، ولا يمكن التقليل من أثرها. ومع ذلك، فإن الدولة لم تنهَر، ولم تفقد قدرتها على إدارة مؤسساتها أو الحفاظ على حضورها الداخلي والخارجي. وهذا، في حد ذاته، يفسر لماذا بقيت إيران، رغم كل ما تعرضت له، لاعبًا إقليميًا مؤثرًا لا يمكن استبعاده من أي معادلة تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط.

والدرس الأهم من هذه المواجهة هو أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة الانتصار. فالانتصار الاستراتيجي يحتاج إلى دولة تمتلك مؤسسات قادرة على الصمود، ورؤية سياسية واضحة، وعمقًا جغرافيًا وبشريًا، وقدرة على إدارة الصراع طويل الأمد. وفي عالم يتغير بسرعة، لم يعد التفوق في السلاح وحده كافيًا لفرض الإرادة، بل أصبح مجرد جزء من معادلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

ومن بين المتغيرات الاستراتيجية التي فرضت نفسها في هذه المواجهة، يبرز السؤال المتعلق بقدرة الولايات المتحدة على حماية انتشارها العسكري الواسع في منطقة الخليج. فوجود القواعد الأمريكية لعقود طويلة كان قائمًا على فكرة الردع، وعلى اعتبار أن هذه القواعد تمثل مظلة أمنية لحلفاء واشنطن في المنطقة.

إلا أن تطور وسائل الاستهداف والقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة لدى الخصوم، أظهر أن هذه القواعد لم تعد محصنة كما كان يُعتقد سابقًا، وأن امتلاك قواعد عسكرية متقدمة لا يعني بالضرورة القدرة على منع وصول التهديد إليها. وهذا التحول يضع دول الخليج أمام تساؤلات استراتيجية حقيقية حول طبيعة الاعتماد على هذه المظلة الأمنية، ومدى قدرتها على توفير حماية كاملة في لحظة المواجهة الفعلية.

فالمعادلة الجديدة لا تتعلق فقط بحجم القوة الموجودة، بل بقدرة هذه القوة على حماية نفسها أولًا. إذ إن أي منظومة ردع تفقد جزءًا من فعاليتها عندما يصبح الطرف الآخر قادرًا على الوصول إلى نقاط تمركزها وإظهار هشاشتها، حتى لو لم يكن قادرًا على تحقيق تفوق شامل عليها.

وفي متغير آخر لا يقل أهمية، برزت خلال الأزمات المتكررة أولوية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن. فقد أظهرت الولايات المتحدة التزامًا عالي المستوى بأمن إسرائيل، سواء عبر الدعم العسكري أو السياسي أو أنظمة الدفاع المتطورة، وهو ما دفع بعض المراقبين في المنطقة إلى التساؤل حول ترتيب الأولويات الأمريكية، وما إذا كانت حماية إسرائيل تمثل المحور الأساسي في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط.

هذا الواقع يعزز لدى بعض دول المنطقة شعورًا بأن التحالفات الدولية لا تُبنى فقط على المصالح المشتركة، وإنما على حسابات القوة والأولوية. فبينما تبحث دول الخليج عن ضمانات أمنية ثابتة، تبدو واشنطن، وفق قراءات منتقدي سياساتها، أكثر تركيزًا على حماية حليفها الإسرائيلي باعتباره عنصرًا مركزيًا في منظومتها الإقليمية.

وفي النهاية، فإن التحولات التي كشفتها المواجهات الأخيرة لا تعني بالضرورة نهاية النفوذ الأمريكي في المنطقة، لكنها تشير إلى أن قواعد اللعبة تغيرت. فالدول التي اعتمدت طويلًا على الحماية الخارجية أصبحت أمام ضرورة إعادة تقييم منظومات أمنها، وبناء قدر أكبر من الاستقلالية في القرار والقدرة، لأن عالم الصراعات الكبرى لم يعد يسمح بالاعتماد الكامل على قوة خارجية مهما بلغت إمكاناتها.