آراء

الانتخابات وسؤال التفكك في الدور والشرعية

12 مشاهدة قراءة 13 دقيقة


بقلم: جمال زقوت

إذا أُرجئت الانتخابات التشريعية مرة أخرى، ويبدو أن ذلك بات مؤكدًا، فإن السؤال الحقيقي لن يكون فقط: لماذا أُرجئت؟ ولا حتى: متى ستُجرى؟ السؤال الأهم هو: ماذا سيفعل الفلسطينيون لمنع أن يتحول التأجيل، مرة أخرى، من إجراء استثنائي إلى حالة سياسية دائمة، تستنزف ما تبقى من شرعية المؤسسات وتُفرِّغ أدوارها من مضمونها، فيما يتقدم الآخرون لملء الفراغ؟

هذه ليست مسألة إجرائية تتعلق بموعد اقتراع، بل مسألة تتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وبقدرته على الحفاظ على وحدة الجغرافيا ووحدة التمثيل ووحدة القرار الوطني، في لحظة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لأخطر محاولة لإعادة تشكيل واقعها منذ عقود.

التأجيل ومتطلبات وقف الانهيار 

كان يفترض أن تكون محطة الانتخابات التي دُعي إليها عام 2021 بدايةً للخروج من الانقسام وتجديد الشرعيات. وقد حدد المرسوم الرئاسي آنذاك مواعيد للانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، قبل أن تتوقف العملية الانتخابية في 30 نيسان/أبريل من العام نفسه، بحجة عدم توفر شروط إجرائها في القدس.

كان يمكن، في ذلك الوقت، أن يكون التأجيل محطة لفتح مسار وطني يعالج أصل الأزمة؛ كيف نمنع استمرار الانقسام، وكيف نعيد بناء مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير على أساس المشاركة، وكيف نضع آليات توافقية لإدارة المرحلة إلى حين إجراء الانتخابات.

لكن ذلك لم يحدث. ومنذ ذلك التاريخ أخذ التآكل يتقدم على حساب الوحدة، وباتت السنوات تمر فيما تتسع المسافة بين المؤسسات المتآكلة والناس، وبين الشكل القانوني للسلطة وقدرتها الفعلية على أداء الدور الوطني الذي يفترض أن تضطلع به.

فرص ضائعة بين الجزائر والعلمين وبكين

ولم يكن غياب الفرصة هو المشكلة وحدها. فقد جاءت بعد ذلك محطات كان يمكن أن تُستثمر لإعادة بناء التوافق. ففي الجزائر، وقع أربعة عشر فصيلاً إعلاناً للمصالحة في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ثم جاءت محطة العلمين، من دون أن تنجح هذه المسارات في إنتاج صيغة سياسية قادرة على إنهاء الانقسام وتحويل التوافقات المعلنة إلى مؤسسات وآليات عمل. وجاء الطوفان وحرب الابادة الجماعية الاسرائيلية ضد شعبنا في القطاع لتضع الجميع أمام حقيقة لم يعد ممكناً القفز عنها: لا يمكن إدارة المأساة الوطنية بمنطق الانتظار، ولا يمكن أن تبقى غزة خارج الإطار السياسي الفلسطيني، كما لا يمكن أن تستمر الضفة الغربية في مواجهة أخطار متصاعدة فيما يبقى النظام السياسي الفلسطيني عاجزاً عن تجديد نفسه.

ولهذا كان إعلان بكين في يوليو/تموز 2024 أكثر من مجرد بيان جديد للمصالحة. فقد وقعه أربعة عشر فصيلاً، وبما يشمل حركتي فتح وحماس، ونص على إنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية، وعلى تشكيل حكومة توافق وطنية انتقالية لإدارة الضفة و قطاع غزة، وإجراء الانتخابات، مع التأكيد على مكانة منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. لكن المعضلة بقيت في الفجوة بين الاتفاقات والرغبة وليس القدرة على تنفيذها.

حين يترك الفراغ الباب مفتوحاً

وهنا نصل إلى أخطر ما أنتجه الفراغ السياسي. فحين يعجز الفلسطينيون عن إنتاج صيغة وطنية لإدارة شؤونهم، فإن الفراغ لا يبقى فراغاً. سرعان ما يدخل إليه الآخرون، كلٌّ وفق مصالحه ورؤيته. وهذا ما جعل مسألة إدارة غزة بعد الحرب شديدة الخطورة. فوجود لجنة فلسطينية لإدارة الشؤون المدنية يمكن أن يكون، من حيث المبدأ، أداة انتقالية إذا كانت جزءاً من قرار وطني واضح، ومربوطة بمؤسسات فلسطينية موحدة، ومحددة المدة والوظيفة، وطريقها واضح نحو إعادة توحيد النظام السياسي وإجراء الانتخابات.

أما نشوء إدارة لغزة منفصلة عن الضفة، أو تحت مرجعيات سياسية وأمنية خارج الإطار الوطني الفلسطيني، فإن الخطر لا يعود إدارياً، بل يصبح سياسياً بامتياز، متمثلًا بتكريس الانقسام الجغرافي والمؤسسي وتحويله، مع مرور الوقت، إلى واقع يصعب التراجع عنه.

من إدارة الانقسام إلى خطر الانفصال

وهذا هو الجانب الأخطر في استمرار الفراغ. فالانقسام، مهما طال، يظل قابلاً للمعالجة ما دام يُنظر إليه باعتباره حالة سياسية مؤقتة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الحالة إلى بنية مؤسسية وجغرافية، لكل جزء منها إدارته ومرجعياته ومصالحه وشبكة علاقاته الخارجية.

عندها لا يعود الأمر مجرد خلاف فلسطيني داخلي. يصبح تفكيكاً تدريجياً لوحدة المجال السياسي الفلسطيني، بما ينسجم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع الرؤية الإسرائيلية التي طالما سعت إلى منع قيام إطار فلسطيني موحد وقابل للحياة.

ولهذا فإن أي ترتيب لإدارة غزة يجب أن يُقاس، قبل تفاصيله الإدارية، بسؤال سياسي بسيط: هل يُقرب الفلسطينيين من استعادة وحدتهم، أم يضيف طبقة جديدة إلى واقع الانقسام؟ علماً بأنه بمرور عام كامل على تشكيلها دون فعل شئ جدي يخفف من مأساة غزة، فإن عدم نقاش بدائل وطنية يصبح صمتًا غير مقبولًا على الكارثة.

غزة لا تحتمل الانتظار، والضفة كذلك

وفي المقابل، فإن ما يجري في الضفة لا يترك لنا ترف الانتظار. فالتوسع الاستيطاني، وتصاعد العنف والقيود على الحركة، والضغط الاقتصادي والتهجير القسري في مناطق مختلفة، كلها تتفاعل مع محاولة إضعاف مقومات الحياة الفلسطينية المتصلة. وفي غزة، تستمر آثار الحرب الكارثية على الإنسان والعمران والمجتمع، فيما يبقى مستقبل القطاع السياسي والإداري موضع صراع إقليمي ودولي.

وبينما تتعرض غزة لهذا الدمار، وتواجه الضفة ضغوطاً متصاعدة، يصبح استمرار الفراغ السياسي الفلسطيني ترفاً لا يحتمله الواقع. فالمسألة لم تعد فقط: من يدير غزة؟ بل: من يحافظ على وحدة الشعب الفلسطيني ومجاله السياسي في مواجهة محاولات إعادة تشكيله؟

إذا أُرجئت الانتخابات، فلا يجوز تأجيل السياسة

الطريق لا يبدأ بإعادة إنتاج السؤال القديم: من يحكم؟ بل بسؤال مختلف: كيف نمنع انهيار الإطار الوطني الذي يجب أن يحكم؟

إذا أُرجئت الانتخابات، فلا يجوز أن يكون ذلك تأجيلاً للسياسة نفسها. يجب أن يقترن، فوراً، بتفاهم وطني معلن ومحدد المدة والمهام، يقوم على تشكيل حكومة توافق وطني انتقالية غير فصائلية، تستند إلى مظلة منظمة التحرير، وتتولى إدارة الشأن العام في الضفة وغزة، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة الإعمار، والدفاع عن وحدة الأراضي الفلسطينية، والتحضير الجدي للانتخابات. ولا ينبغي أن تكون هذه الحكومة بديلاً عن الانتخابات، بل جسراً إليها.

كما يجب أن يُفتح، بالتوازي، مسار لإصلاح النظام السياسي كله، لا السلطة وحدها. فالمطلوب ليس مجرد استبدال حكومة بحكومة، وإنما إعادة وصل السلطة بمنظمة التحرير، وتجديد مؤسسات التمثيل الوطني، وفتح المجال أمام القوى السياسية والاجتماعية والشباب والنساء والمجتمع المدني، ووضع حد لمنطق الإقصاء المتبادل الذي جعل النظام السياسي أسيراً لدائرة مغلقة من الانقسام والانتظار. والأهم أن يكون هناك جدول زمني واضح. لا وعود مفتوحة، ولا مرحلة انتقالية بلا نهاية، ولا انتخابات مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

هل ما زال الإصلاح ممكناً؟

لقد دفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً نتيجة الانقسام، لكنهم يدفعون اليوم ثمناً أكبر نتيجة غياب القدرة على تحويل الخلاف السياسي إلى إدارة مشتركة للاختلاف. ربما لم يفت الأوان بعد. لكن القول إن الوقت لم يفت لا يعني أن الوقت متاح بلا حدود.
هناك لحظات في حياة الشعوب يصبح فيها استمرار الخلاف نفسه قراراً، ويصبح عدم اتخاذ القرار نوعاً من اتخاذ القرار. ونحن أمام مثل هذه اللحظة.
إن المسؤولية اليوم ليست مسؤولية فصيل وحده، ولا سلطة وحدها، ولا معارضة وحدها. إنها مسؤولية جماعية أمام شعب يتعرض للخطر في غزة والضفة والقدس، وأمام قضية مهددة بأن يجري تفكيكها إلى ملفات منفصلة، وأمام أجيال فلسطينية لا يجوز أن ترث انقسامنا بوصفه قدراً.

المطلوب ليس أن يتنازل أحد عن هويته السياسية، بل أن يتنازل الجميع عن وهم القدرة على إنقاذ المشروع الوطني منفردين. وإذا كانت الانتخابات قد أصبحت متعذرة مرة أخرى، فليكن أول قرار سياسي بعد التأجيل هو منع الفراغ، لا تمديده؛ واستعادة وحدة النظام السياسي، لا إدارة انقسامه؛ وإعادة بناء الشرعية، لا تأجيل أزمتها؛ وحماية وحدة غزة والضفة، لا التعايش مع انفصالهما.

السؤال الذي يواجهنا، في النهاية، ليس ما إذا كان يمكن تأجيل الانتخابات. السؤال هو: هل نستطيع، قبل أن يصبح التفكك واقعاً يصعب إصلاحه، أن نتوافق على إنقاذ ما تبقى من الدور والشرعية ووحدة المشروع الوطني؟ هل ستتوقف أوهام الرهانات على استرضاء الخارج بمعزوفة الإصلاح الوهمي، بينما ينشغل هذا الخارج أساسًا في تفكيك الوطنية الفلسطينية والإرث الكفاحي لشعبنا، تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية، ومنع الفلسطينيين من استثمار التحولات الدولية لخطوات ملموسة نحو تقرير المصير وتجسيد دولتهم المستقلة كعنصر حاسم لاستقرار المنطقة . ذلك هو الاختبار الحقيقي الآن. وليس أمام الفلسطينيين الكثير من الوقت لاجتيازه.