آراء

نزوح الشباب المغربي نحو سبتة... رسالة تتجاوز المغرب إلى الوطن العربي

4 مشاهدة
نزوح الشباب المغربي نحو سبتة... رسالة تتجاوز المغرب إلى الوطن العربي

الكاتب : د. بسام سعيد
 

لم يكن مشهد تدفق آلاف الشباب المغاربة نحو سبتة مجرد حادثة هجرة غير نظامية، بل كان رسالة صامتة ومدوية في آن واحد. فحين يغامر آلاف الشباب بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف عبروا؟ بل: لماذا أصبح البقاء في أوطانهم أقل إقناعًا من المجهول؟
وإذا كان المغرب لا يعيش حربًا ولا انهيارًا للدولة، فإن ما حدث يطرح سؤالًا مؤلمًا: لماذا يغادر الشباب بلدًا يملك استقرارًا نسبيًا ويشهد مشاريع تنموية؟ يبدو أن المشكلة لم تعد في غياب التنمية وحدها، بل في شعور قطاعات من الشباب بأن ثمارها لا تصل إليهم بالقدر الذي يمنحهم الأمل في مستقبل أفضل.
وفي خضم الجدل، برزت تفسيرات تربط ما جرى بأبعاد سياسية، إذ يرى بعض المراقبين أن ما حدث قد يحمل رسائل ضغط موجهة إلى إسبانيا بسبب مواقفها الإنسانية تجاه الحرب في غزة والقضيةالفلسطينية بشكل عام ، ولا سيما في الأشهر الأخيرة. لكن، سواء صح هذا التفسير أم لم يصح، فإنه لا يغير جوهر القضية، لأن أي طرف لا يستطيع دفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم ما لم يكن الإحباط وفقدان الأمل قد بلغا مستوى يجعل الهجرة خيارًا مقبولًا.
وهنا لا ينبغي أن يقتصر النقاش على المغرب وحده، لأن ما جرى يحمل رسالة إلى معظم الدول العربية، وخاصة تلك التي تمتلك الموارد والإمكانات. فالتنمية لا تُقاس بحجم الطرق والجسور والأبراج، وإنما بقدرة الدولة على توفير فرص عادلة، وحياة كريمة، وأفق يجعل الشباب يتمسكون بأوطانهم بدل البحث عن مستقبلهم خارجها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقدم صورة انتقائية ومضللة عن الحياة في أوروبا، فتُظهر الرفاهية والنجاح، بينما تغيب عنها قصص العمل الشاق، والبطالة، والعنصرية، وصعوبات الاندماج. وهكذا يترسخ لدى كثير من الشباب وهمُ أن أوروبا هي الخلاص، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
إن الهجرة ليست جريمة، كما أن البحث عن حياة أفضل حق إنساني مشروع، لكن تحويلها إلى الحلم الوحيد لشباب الأمة يجب أن يدق ناقوس الخطر. فحين يصبح البحر أملًا، والوطن مجرد محطة انتظار، فإن المشكلة ليست في الشباب، بل في السياسات التي لم تستطع أن تمنحهم الثقة بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل بلدانهم.
إن مشهد سبتة ليس شأنًا مغربيًا خالصًا، بل إنذار عربي بامتياز. وإذا لم تتحول هذه الرسالة إلى مراجعات حقيقية في التعليم، وسوق العمل، والعدالة الاجتماعية، وتمكين الشباب، فإن قوافل المهاجرين ستستمر، لأن الإنسان لا يترك وطنه بسهولة، وإنما يغادره عندما يشعر أن وطنه قد تركه أولًا.

 *أكاديمي وكاتب