آراء

اقتحام مدارس كفر عقب: تصعيد في معركة المناهج والهوية

25 مشاهدة
اقتحام مدارس كفر عقب: تصعيد في معركة المناهج والهوية

الكاتبة : غدير فوزي جابر 

مسؤولة ملف التعليم في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس 
في خطوة تصعيدية جديدة، اقتحم عضو الكنيست الإسرائيلي المتطرف تسفي سوكوت، رئيس لجنة التعليم في الكنيست،خلال الايام الماضية، محيط مدارس كفر عقب شمال القدس المحتلة، في عملية وصفت بأنها استفزازية، رافقه خلالها انتشار عسكري مكثف. وجاء هذا الاقتحام في سياق حملة يقودها سوكوت لقطع المساعدات المالية عن المؤسسات التعليمية التي تدرّس المناهج الفلسطينية، متهمًا إياها بـ"التحريض على الإرهاب".

تفاصيل الاقتحام والتهديدات
اقتحم سوكوت، وهو عضو في حزب "الصهيونية الدينية" اليميني المتطرف،بلدة كفر عقب صباح يوم الخميس 18 حزيران /يونيو 2026، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، وسط احتجاز طلبة مدرسة الدوحة ومنعهم من المغادرة تزامنًا مع الاقتحام. وخلالذلك، وجّه سوكوت رسالة باللغة العربية إلى القائمين على المدارس، مهددًا بقطع التمويل وإغلاق أي مدرسة لا تلتزم بالمنهاج الإسرائيلي.

ووفقًا لتصريحات سوكوت، فإن "المؤسسات التعليمية في كفر عقب تتلقى ميزانيات تصل إلى عشرات الملايين من الشواكل من إسرائيل، لكنها في الممارسة العملية تدرّس الطلاب محتوى من السلطة الفلسطينية يشجّع على التحريض على الإرهاب" حسب زعمه . وأضاف: "جئنا اليوم لنوضح أن الحفلة قد انتهت. أي شخص يحرض على الإرهاب ويشجع دعم الإرهابيين يجب إغلاقه فورًا، وبالتأكيد لا يجب أن يتلقى شيكلًا واحدًا من الدولة". حسب تعبيره .

السياق السياسي والأبعاد
يأتي هذا الاقتحام في إطار حملة أوسع يقودها سوكوت ضد المؤسسات التعليمية العربية في القدس والضفة الغربية، بهدف فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على النظام التعليمي في المناطق المصنفة ضمن القدس الشرقية. وتتزامن هذه الحملة مع مخطط إسرائيلي أوسع لإقامة "مجمع تعليمي" في كفر عقب، وهو ما حذّرت منه مؤسسات فلسطينية رسمية واعتبرته محاولة لتقويض دور هذه المدارس ونظيراتها التابعة لوكالة الغوث الدولية " الأونروا" وفرض واقع تعليمي جديد يخدم الأجندة الإسرائيلية.

إشكاليات المنهاج والتمويل
يثير الجدل حول المناهج الفلسطينية في مدارس القدس إشكاليات قانونية وسياسية معقدة. فمن ناحية، تقع مدارس كفر عقب ضمن المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل إداريًا، لكنها تتبع إداريًا وتعليميًا للسلطة الفلسطينية في جوانب عدة. ومن ناحية أخرى، يرى الجانب الإسرائيلي أن تمويل مدارس تدرّس منهاجًا لا يعترف بالرواية الإسرائيلية يشكل تناقضًا، بينما يعتبر الفلسطينيون هذا الإجراء مساسًا بالهوية الوطنية والحق في التعليم.

ويمثل اقتحام تسفي سوكوت لمدارس كفر عقب وتهديده بقطع المساعدات المالية، حلقة جديدة في سلسلة إجراءات إسرائيلية تهدف إلى فرض السيطرة على المؤسسات التعليمية الفلسطينية في القدس. وتحمل هذه الخطوة تداعيات خطيرة على مستقبل التعليم في المنطقة، في ظل تصاعد التوتر بين الرواية الوطنية الفلسطينية ومحاولات فرض المنهاج الإسرائيلي، مما يُنذر بتصعيد إضافي في الصراع على الهوية والمؤسسات في القدس المحتلة.
المشهد التعليمي في القدس 
لا يمكن فهم اقتحام عضو الكنيست سوكوت لمدارس كفر عقب بمعزل عن السياق الأوسع الذي يمر به التعليم الفلسطيني في القدس، والذي يشهد حملة منهجية وممنهجة تهدف إلى تقويضه وفرض البديل الإسرائيلي. فما جرى في كفر عقب ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة متصلة من السياسات الإسرائيلية التي تستهدف المؤسسة التعليمية بأبعادها كافة: البنية التحتية، والمناهج، والتمويل، والهوية.

أزمة البنية التحتية 
يعاني قطاع التعليم في القدس الشرقية من نقص حاد في المدارس والغرف الصفية. ووفقًا لتقرير مؤسسة "عير عاميم" الإسرائيلية لعام 2025، أقرت وزارة المعارف الإسرائيلية نفسها بوجود نقص يبلغ 1461 فصلاً دراسيًا في القدس الشرقية. ورغم أن السلطات الإسرائيلية تخطط لبناء 1204 فصول دراسية جديدة حتى عام 2029، فإن هذا الرقم لا يأخذ في الاعتبار النمو السكاني البالغ 2.5% سنويًا، ولا النقص الناتج عن إغلاق مدارس الأونروا التي كانت تضم مئات الطلبة .

والأكثر إشكالية هو أن سلطات الاحتلال تضع عقبات كأداء أمام الفلسطينيين الراغبين في بناء مدارس جديدة، حيث تستغرق عملية منح التراخيص اللازمة للبناء ما بين 10 إلى 15 سنة، ناهيك عن التكاليف الباهظة لهذه التراخيص. هذا يعني أن النقص في الغرف الصفية ليس نتيجة إهمال، بل سياسة متعمدة تهدف إلى تضييق الخناق على المؤسسة التعليمية الفلسطينية.

فرض المنهاج الإسرائيلي: الحرب على الهوية
تمثل معركة المناهج جوهر الصراع التعليمي في القدس. فالتعددية التي يشهدها النظام التعليمي في المدينة تعكس حالة من الصراع والانقسام، حيث توجد مسارات تعليمية متعددة: منهاج فلسطيني أصيل، ومنهاج فلسطيني محرّف من قبل سلطات الاحتلال (من خلال حذف نصوص واستبدالها بأخرى)، ومنهاج إسرائيلي (البجروت)، وأنظمة تعليمية دولية.

وتعمل إسرائيل بشكل منهجي على تضييق الخناق على المنهاج الفلسطيني. فقد نجحت في السنوات الأخيرة في حذف مواد كثيرة بعد إعادة طباعتها، وصعدت وتيرتها هذا العام بعد أن سحبت في تموز /يوليو 2024 الترخيص الدائم من 6 مدارس في القدس، ومنحتها ترخيصًا مؤقتًا لمدة عام، بحجة "التحريض في الكتب المدرسية". وشمل القرار "الكلية الإبراهيمية" و"مدارس الإيمان" بكافة فروعها في بيت حنينا.

وطالبت وزارة المعارف الإسرائيلية "بتصحيح المناهج الفلسطينية"، وأرسلت نسخًا من الكتب التي اعتبرتها "تحريضية"، ومنها دروس تتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، ومنع الجيش الإسرائيلي سيارات الإسعاف من الوصول الى المصابين ، وأزمة المياه، ودروس تتعلق بالنكبة عام 1948. وبموازاة ذلك، خصصت إسرائيل 215 مليون شيكل في خطتها التعليمية للقدس للفترة 2024-2028 لتعزيز سياسة "أسْرلة" المناهج التعليمية.

إغلاق مدارس الأونروا: ضربة قاصمة
في ايار /مايو 2025، نفذت إسرائيل قرار إغلاق مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس الشرقية. وقد أثر هذا القرار على أكثر من 650 طالبًا وطالبة في مخيم شعفاط وحده، وهم الآن في مواجهة مصير تعليمي مجهول. وتقع المدارس البديلة خارج المخيم، خلف حواجز عسكرية إسرائيلية، مما يجعل الذهاب إليها مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر.

وتأتي هذه الخطوة ضمن حملة أوسع تهدف إلى إنهاء دور الأونروا في القدس، وهو ما حذرت منه السلطة الوطنية الفلسطينية واعتبرته محاولة لتقويض دور الوكالة وفرض واقع تعليمي جديد يخدم الأجندة الإسرائيلية.

التداعيات على الهوية والمستقبل
تحذّر اللجنة الملكية الهاشمية لشؤون القدس من أن هذه السياسات تشكل جزءًا من حملة منهجية تستهدف "تهويد" و"أسْرلة" المؤسسات التعليمية، وفرض رؤية إسرائيلية للتاريخ والهوية والثقافة الفلسطينية. ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تعاملت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة مع "أسْرلة" التعليم كأولوية للأمن القومي، مصحوبة بتعطيل الأنشطة التعليمية عبر توقيف المعلمين والطلاب، وإقامة الحواجز، وبناء الجدار الفاصل.

وقد نفت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية الشائعات حول تغيير المناهج، مؤكدة التزامها بمعايير اليونسكو، وأن ما يتم تداوله يستند إلى نماذج محرفة من قبل الاحتلال في الكتب المدرسية المستخدمة في مدارس القدس. غير أن النفي الرسمي لا يغير من واقع أن آلاف الطلاب المقدسيين يعيشون حالة من اللايقين، بين منهج يُجرّد من محتواه، ومدارس تُغلق أبوابها، وتمويل يُهدد بالقطع.

خلاصة :
إن ما شهده قطاع التعليم في القدس، من اقتحام سوكوت لمدارس كفر عقب إلى إغلاق مدارس الأونروا وفرض المناهج المحرفة، يرسم صورة قاتمة لمستقبل التعليم الفلسطيني في المدينة المقدسة. فالمعركة ليست مجرد معركة مناهج أو تمويل، بل هي معركة وجود وهوية، يدفع ثمنها الأطفال والطلاب الذين يجدون أنفسهم في قلب صراع لا ذنب لهم فيه. ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى ستذهب إسرائيل في حملتها على التعليم الفلسطيني، وهل سيجد المجتمع الدولي ما يكفي من الإرادة لحماية حق هؤلاء الأطفال في التعليم، كما كفلته المواثيق الدولية؟

÷مسؤولة ملف التعليم في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس