رئيس التحرير
في مشهد يتكرر يومياً على أرض الضفة الغربية المحتلة، ترسم إسرائيل بسياساتها الاستيطانية والعسكرية ملامح واقع جديد عنوانه "البيئة الطاردة". فبينما تتسارع وتيرة بناء المستوطنات وتوسعها، وتتصاعد اعتداءات المستوطنين والجيش على القرى والبلدات الفلسطينية، يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بين سياسات التهجير الممنهج وعنف الاستيطان، في معادلة صارخة هدفها إخلاء الأرض من سكانها الأصليين.
الاستيطان كسياسة دولة ..لم تعد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مجرد بؤر استيطانية معزولة، بل تحولت إلى مشروع استيطاني شامل برعاية حكومية. ففي التاسع من نيسان 2026، أعلن "المجلس الوزاري الأمني المصغر" الإسرائيلي مصادقته على إقامة وشرعنة 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، موزعة على جميع المحافظات الفلسطينية. وجاء هذا القرار بعد أسابيع من تخصيص الحكومة الإسرائيلية 1.075 مليار شيكل لإقامة 61 مستوطنة جديدة من أصل 103 مخطط لها، ليرتفع بذلك عدد المستوطنات في الضفة إلى 192.
وفي كانون الأول 2025، وافقت إسرائيل على بناء 19 مستوطنة جديدة، ليرتفع عدد المستوطنات التي تمت الموافقة عليها خلال ثلاث سنوات إلى 69 مستوطنة. ولم تكتف إسرائيل بذلك، بل كشف معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) عن طرح مخططات استيطانية لأكثر من 26 ألف وحدة استيطانية جديدة على مساحة تزيد على 30 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية.
استهداف ممنهج للتجمعات البدوية..
تحتل القدس الشرقية موقعاً خاصاً في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، حيث تركزت المخططات الاستيطانية بشكل خاص على توسيع المستوطنات حول المدينة المقدسة.فمنذ بداية عام 2025، تم الترويج لخطط بناء في شرقي القدس تشمل 11 ألفًا و575 وحدة سكنية للمستوطنين. وفي جلسة واحدة، ناقشت "لجنة التخطيط اللوائية" التابعة لسلطات الاحتلال ست خطط لتوسيع البناء الاستيطاني في شرقي المدينة، شملت بناء 2200 وحدة سكنية، في خطوة وصفتها جمعية "عير عميم" الحقوقية بأنها "غير مسبوقة".
ولم يقتصر الاستيطان على بناء الوحدات السكنية، بل طال المناطق البدوية في شرقي القدس بشكل خاص. فقد تقلصت تدريجياً مساحة الأراضي المتاحة لرعي الماشية أمام المجتمع البدوي، مع أخذ المستوطنات بالانتشار والاتساع على حساب الأراضي الرعوية. ويتصاعد قلق سكان التجمعات البدوية الفلسطينية مع تزايد اعتداءات المستوطنين واستيلائهم على الأراضي، في محاولة واضحة لفرض واقع ديمغرافي جديد عبر التوسع في البناء والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.
التهجير القسري كاستراتيجية ..
ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد توسع استيطاني عشوائي، بل مشروع متكامل لخلق "بيئة طاردة" تدفع الفلسطينيين إلى النزوح القسري. فقد حذر سياسيون وخبراء من أن ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي من تدمير مخيمات جنين وطولكرم، سيتدحرج ليشمل بقية مخيمات الضفة الغربية البالغ عددها 22 مخيماً.
ووفقاً لتقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش، فإن التهجير القسري الذي نفذته الحكومة الإسرائيلية بحق سكان ثلاثة مخيمات للاجئين في الضفة الغربية يشكل جريمة ضد الإنسانية. وقد كشف نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة عن رقم صادم، حيث اضطر نحو 40 ألف إنسان إلى النزوح وترك منازلهم في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2025. وفي وصف دقيق لما يجري، قال مساعد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان صلاح الخواجا إن "الاحتلال الإسرائيلي يحاول خلق بيئة طاردة لأهالي الضفة الغربية".
شهداء القرى ..في خضم هذا المشروع الاستيطاني، يرتقي الفلسطينيون يومياً برصاص المستوطنين والجيش، في مشهد دموي يتكرر في قرى وبلدات الضفة الغربية المحتلة.
ففي قرية المغير شمال شرق رام الله، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في نيسان 2026 عن استشهاد 4 فلسطينيين، بينهم طفلان، جراء اعتداءات المستوطنين وإصابات برصاص جيش الاحتلال. واستشهد الطفل أوس حمدي النعسان (14 عاماً) والشاب جهاد مرزوق أبو نعيم (32 عاماً) في هجوم للمستوطنين على القرية. وقد اقتحمت قوات الاحتلال القرية وهاجمت المشاركين في تشييع جثماني الشهيدين.
وفي بلدة دير جرير شرق رام الله، استشهد الشاب براء خيري معالي (20 عاماً) في تشرين الثاني 2025، بعد إطلاق قوات الاحتلال الرصاص عليه خلال تصدي الأهالي لهجوم نفذه مستوطنون. وكان براء معالي هو الشهيد السادس في القرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وقبل ذلك، استشهد الشاب محمد عيسى أحمد علوي (21 عاماً) متأثراً بإصابته برصاص المستوطنين في دير جرير.
أما في قرية مخماس شمال شرق القدس، فقد استشهد الشاب نصر الله محمد جمال أبو صيام متأثراً بإصابته خلال هجوم مستوطنين على البلدة في شباط 2026.
وفي قرية دير دبوان، شهدت اعتداءات متكررة من المستوطنين، حيث دخلت مجموعة من المستوطنين إلى أطراف البلدة في شباط 2025 وسرقوا 20 رأس غنم. كما استشهد الطالب أوس حمدي النعسان (14 عاماً) والشاب مرزوق أبو نعيم (32 عاماً).
أما عن بلدة بتا، فقد وثقت مصادر محلية اعتداءات متكررة، حيث قامت قوات الاحتلال بنصب بوابة حديدية على مفرق البلدة، في إطار سياسة عزل القرى الفلسطينية وتقييد حركة سكانها.
حصيلة ثقيلة ..وبشكل عام، سجل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، نقلاً عن وزارة الصحة، استشهاد 1102 فلسطيني وإصابة 9034 آخرين في الضفة الغربية المحتلة. وفي حصاد عام 2025، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل نحو 230 فلسطينياً في أنحاء الضفة الغربية. كما وثقت مؤسسة "الحق" استشهاد 242 فلسطينياً على يد قوات الاحتلال والمستوطنين خلال عام 2025، وبلغ إجمالي الشهداء في الضفة منذ 7 تشرين الأول 2023 حتى نهاية 2025 نحو 1051 شهيداً، منهم 227 طفلاً.
خاتمة ..في المشهد الفلسطيني المعقد، تتكامل سياسات الاستيطان مع عنف المستوطنين والجيش لتشكل معادلة واضحة: خلق بيئة طاردة تدفع الفلسطينيين إلى النزوح من أرضهم. فالمستوطنات الجديدة التي تشرعنها إسرائيل بأثر رجعي، والتوسع الاستيطاني في شرقي القدس والمناطق البدوية، واعتداءات المستوطنين المتواصلة التي تزهق أرواح الفلسطينيين في قرى مثل بتا والمغير ودير جرير ودير دبون ومخماس، كلها عناصر في سياسة واحدة هدفها تفريغ الضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين.
وهذا ما عبر عنه وزير المالية الإسرائيلي المغرق بالتطرف بتسلئيل سموتريتش حين وصف الموافقة على المستوطنات بأنها "تاريخية" وتهدف إلى "منع إقامة دولة فلسطينية". فالمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، بمكوناته المختلفة، يسعى إلى تقويض أي حل سياسي مستقبلي يتضمن إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وتحويل الضفة الغربية إلى بيئة طاردة لا تحتمل الحياة فيها إلا للمستوطنين.

