آراء

حين يسبح صحفي في برك سليمان : هل تكفي الفزعة لإنقاذ المكان؟

78 مشاهدة
حين يسبح صحفي في برك سليمان : هل تكفي الفزعة لإنقاذ المكان؟

 
الكاتب : عيسى قراقع

في مشهد  يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، ينزل الصحفي محمد عبد النبي  اللحام إلى مياه برك سليمان الأثرية في قرية ارطاس جنوب بيت لحم ، كأنه يمارس فعلاً عادياً من أفعال الحياة، لكن في فلسطين، حيث يتحول كل حجر إلى موضوع صراع، وكل شجرة إلى قضية سيادية، وكل بركة ماء إلى هدف استيطاني، يصبح السباحة نفسها فعلاً سياسياً ورمزياً.
الصحفي اللحام أراد أن يتحدى سلطات الاحتلال والمستوطنين الذين أعلنوا نواياهم الاستيلاء على هذا الموقع الأثري الذي بناه السلطان العثماني سليمان القانوني ليسقى العطاش في ذلك الزمان، وربما اراد اللحام أن يفتح ملفا خطيرا وهو سياسة نهب الآثار الفلسطينية وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية وتثبيت السيطرة على الأرض والذاكرة المكانية والتاريخية الفلسطينية، وذلك عبر الاستيلاء على مئات المواقع الأثرية وتغيير روايتها تحت مزاعم وجود إرث يهودي.

لم تكن برك سليمان عبر التاريخ مجرد خزانات للمياه، بل كانت ذاكرةً للحضارات التي مرت من هنا، وشاهداً على العلاقة العضوية بين الإنسان والأرض والماء. لذلك فإن محاولة الاستيلاء عليها أو محاصرتها ليست اعتداءً على موقع أثري فحسب، بل محاولة لمصادرة الذاكرة نفسها، وإعادة كتابة الجغرافيا بلغة القوة.

عندما يسبح شخص في برك سليمان، فهو يقول بلغة الجسد ما تعجز عنه البيانات السياسية: "هذا المكان ما زال حياً، وما زلنا ننتمي إليه". إنها استعادة رمزية للمكان والهوية قبل أن يتحول إلى منطقة مغلقة أو مستعمرة أو حديقة توراتية جديدة ضمن المشروع الاستيطاني الكبير الذي لا يستهدف الأرض فقط، بل الرواية أيضاً.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بالمشهد ذاته، بل بما يكشفه من واقع فلسطيني أوسع:
نحن غالباً نتحرك عندما يقترب الخطر من الباب، نهرع للدفاع عن شجرة بعد اقتلاعها، وعن بيت بعد هدمه، وعن أرض بعد مصادرتها، وعن موقع أثري بعد استهدافه. إنها سياسة الفزعة؛ رد فعل أخلاقي نبيل، لكنه يبقى أسيراً للمبادرة التي يفرضها الخصم.

الفزعة تحمي الكرامة أحياناً، لكنها لا تصنع استراتيجية،
المشروع الاستيطاني لا يقاوم فقط بالفزعة، إنه مشروع طويل النفس، يعمل وفق رؤية متكاملة: خرائط، قوانين، طرق التفافية، بؤر استيطانية، روايات دينية، دعم اقتصادي ومالي، خبراء وحفريات  وأكاديميين وباحثين وتحالفات سياسية، إنه يفكر بعقود قادمة، بينما ننشغل نحن غالباً بإطفاء حرائق اليوم
.
وهنا تظهر المعضلة السياسية العميقة: هل يمكن لشعب أن ينتصر وهو يتحرك دائماً كرد فعل؟
في الفلسفة السياسية، لا تُقاس قوة الفاعل بقدرته على الاحتجاج فقط، بل بقدرته على إنتاج المستقبل، أما الذي يبقى مشدوداً إلى أفعال الآخر فإنه يتحول، ولو دون أن يدري، إلى تابع لإيقاع الخصم.

 فالاستيطان يقرر المكان، ونحن نقرر كيفية الاعتراض عليه؛ الاستيطان يحدد التوقيت، ونحن نحدد شكل الاحتجاج؛ الاستيطان يوسع خرائطه، ونحن نلاحق آثار هذا التوسع.

لهذا تبدو السباحة في برك سليمان حدثاً رمزياً يطرح سؤالاً أكبر من البرك نفسها: أين المشروع الوطني الذي يسبق الاستيطان بخطوة بدلاً من أن يلاحقه؟
فالمعركة ليست على بركة ماء فقط، ولا على جبل أو وادٍ أو نعجة أو شجرة زيتون. إنها معركة على المعنى. ومن يملك المعنى يملك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى تاريخ، والتاريخ إلى مستقبل.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن سياسة الضم والهدم والمصادرة ليست أحداثاً متفرقة، بل أجزاء من رؤية استعمارية متماسكة، والسؤال المقابل هو: هل نمتلك نحن رؤية تحررية متماسكة بالقدر نفسه؟ أم أننا ما زلنا نعيش في زمن الفزعات المتناثرة، حيث ننتقل من أزمة إلى أخرى دون أن تتجمع هذه الأفعال في استراتيجية وطنية شاملة؟

إن السباحة في برك سليمان قد تكون لحظة جميلة من التحدي، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تتحول من فعل احتجاجي إلى سؤال فكري: كيف نحمي المكان قبل أن يصبح مهدداً؟ وكيف ننتقل من الدفاع عن ما تبقى إلى صناعة ما يجب أن يكون؟
ربما تكون المأساة الفلسطينية اليوم أن الأرض ما زالت تقاوم، بينما الرؤية لم تكتمل بعد، فالمكان يحتاج إلى من يحبه، لكنه يحتاج أيضاً إلى من يفكر به. يحتاج إلى الفزعة عندما يقع الخطر، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى استراتيجية تجعل الفزعة استثناءً لا قاعدة، وتجعل حماية برك سليمان جزءاً من مشروع تحرري يرى فلسطين كلها بركةً واحدةً من الذاكرة والحق، لا يجوز أن تُترك قطرة منها للاستيلاء أو النسيان.
حين يصبح الفعل الفلسطيني مجرد استجابة وصدى لقرارات الاحتلال ولمنظمات الاستيطان الصهيونية واعتداءاتها المستمرة على الآثار الفلسطينية ونهبها وتشويهها، يتحول العمل الوطني إلى إدارة أزمات لا إلى صناعة واقع جديد، والصحفي اللحام الذي غطس في برك سليمان وتفقد ينابيعها قبل أن تجف يقول: عندما  يمر قرار الاحتلال بالاستيلاء على اثار الضفة المحتلة، تصبح القضية ليست موقعا بعينه، بل مفهوم السيادة على المكان كله.

هي صرخة من صحفي لحماية الارض، وتحويل الدفاع عنها إلى مشروع وطني منتج، أن ينتقل المجتمع من رد الفعل بالحضور الدائم في الارض، من الاحتجاج على مصادرة الأرض الى زراعتها واعمارها، من الخطاب العاطفي إلى بناء مؤسسات تحمي الوجود الوطني، من الموسمية والفزعة إلى العمل التراكمي طويل المدى، من الدفاع عن المواقع منفردة إلى ربطها في مشروع وطني شامل.
الاحتلال يريد الفلسطيني أن يعيش داخل منطقة الأزمة اليومية، أن  يبقى منشغلا باطفاء الحرائق، لكن التحرر يبدأ عندما يستعيد الإنسان القدرة على التفكير خارج الأزمة، فالشعوب لا تتحرر لانها صمدت فقط، بل حولت الصمود إلى مشروع سياسي وثقافي واخلاقي، الصمود وحده يمنع السقوط، اما الرؤية فهي التي تفتح الطريق.