الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن
ليست أزمة إسرائيل أزمة حدود فقط، ولا أزمة أمن فقط، بل هي في جوهرها أزمة وجود وشرعية ومعنى. فالدولة التي امتلكت واحدة من أعظم الآلات العسكرية والتكنولوجية في المنطقة، ما زاالت حتى اليوم تعيش قلق البقاء، وكأن فائض القوة لم يتحول إلى فائض طمأنينة .
وهذا يكشف التناقض العميق بين القوة والشرعية، فالقوة تستطيع أن تفرض الوقائع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع القبول التاريخي والأخلاقي والإنساني ولذلك بقي المشروع االصهيوني منذ بدايته يعيش هاجس البحث عن شرعية داخلية قبل أن يبحث عن اعتراف خارجي .
الحركة الصهيونية نفسها كانت تدرك هذه الحقيقة منذ التأسيس، كانت تعرف أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء وطن طبيعي أو هوية مستقرة، ولذلك وضعت لنفسها منظومة فكرية كاملة تهدف اإلى إعادة تشكيل الوعي اليهودي والتاريخ اليهودي معا .
ومن أخطر هذه المفاهيم ما عُرف بـ(نفي المنفى ) ..
هذا القانون أو المبدأ الصهيوني لم يكن مجرد شعار ثقافي، بل كان محاولة فلسفية وسياسية لنفي حقيقة تاريخية كاملة ، حقيقة أن اليهود عاشوا قرونا طويلة في الشتات، وأن أزمتهم الأساسية كانت في أوروبا، داخل البنية الأوروبية السياسية والدينية والاجتماعية، وليس مع الشعب الفلسطيني .
الصهيونية أرادت أن تقول لليهود : لم تكونوا مجرد جماعات منفية ومضطهدة في العالم، بل كنتم أمة تنتظر العودة إلى وطنها التاريخي. وهنا بدأت عملية إعادة صياغة الوعي، ليس فقط بإقامة دولة، بل بإلغاء معنى المنفى نفسه .
لكن نفي المنفى احتاج إلى إثبات معاكس فإذا كانت الحركة الصهيونية تريد أن تنفي شتاتها وضياعها التاريخي، فقد كان عليها أن تثبت حضورا كاملا في أرض أخرى. وهذا الحضور لم يكن ممكنا إلا عبر نفي شعب آخر من أرضه وتاريخه ووعيه وحقوقه ،
وهنا ظهرت المأساة الفلسطينية.
فالفلسطيني لم يكن مجرد عقبة جغرافية أمام المشروع الصهيوني، بل أصبح شاهدا حيا على التناقض الداخلي للمشروع نفسه. وجود الفلسطيني فوق أرضه كان يذكر دائما بأن ( ارض بلا شعب ) لم تكن سوى أسطورة سياسية وأن حل الأزمة اليهودية الأوروبية جاء على حساب شعب آخر لم يكن مسؤولا عن تلك الأزمة أصلا .
ولهذا فإن إسرائيل تعيش حتى اليوم قلقًا وجوديا دائما، لأن القوة العسكرية تستطيع أن تهزم الجيوش لكنها لا تستطيع أن تمحو الأسئلة الكبرى: هل يمكن بناء شرعية دائمة على نفي الآخر؟ وهل يمكن لدولة أن تصل إلى السلام الداخلي وهي تعيش فوق صراع لم يحل أخلاقيا وتاريخيا؟ وهل يستطيع التفوق الأمني أن يعالج أزمة المعنى والهوية؟
إن المأزق الحقيقي لإسرائيل ليس في حدودها فقط، بل في علاقتها مع التاريخ ذاته. فالمشكلة ليست في امتلاك القوة، بل في العجز عن تحويل هذه القوة إلى عدالة مقبولة إنسانيًا وتاريخيًا.
ولهذا تبدو إسرائيل، رغم كل تفوقها، وكأنها دولة قوية تعيش خوفًا دائمًا، لأن الشرعية التي لا تُبنى على العدالة تبقى دائمًا شرعية قلقة، تحتاج باستمرار إلى مزيد من القوة لحماية نفسها.
وهنا يظهر قانون التحدي والاستجابة؛ فالحضارات لا تسقط فقط بسبب أعدائها، بل حين تعجز عن تقديم استجابة أخلاقية للتحديات التي تواجهها. وربما يكون السؤال الأكبر أمام إسرائيل اليوم: هل تستطيع أن تتحول من مشروع قوة إلى مشروع عدالة؟ أم أن استمرار المأزق الوجودي سيجعلها تبقى أسيرة الخوف مهما امتلكت من تفوق وسلاح؟
* أسير محرر يقبع في القاهرة



