الكاتب : اياد أبو روك
هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج الى كثير من الشرح لان ملامحها تكون واضحة الى حد الفضيحة ولا تحتمل كل هذا القدر من التبرير او الفلسفة الزائدة عن اللزوم. ما يجري اليوم في المنطقة لم يعد مخفي عن الجميع بل اصبح تسلسل عابر للأحداث ولا يمكن اختزاله في ردود فعل متفرقة بل هو مشهد سياسي واعلامي مركب تتحرك فيه حكومة نتنياهو وفق رؤية مسبقة مدعومة بخطاب اميركي طالما منحها الغطاء السياسي والمعنوي وصولا الى مرحلة بات فيها المشروع اكثر علنية واكثر انكشافا من اي وقت مضى.
ما يلفت النظر ليس فقط طبيعة هذا المخطط بل حالة الارتباك العميقة التي اصابت المنظومة الاعلامية الاسرائيلية والتي كانت لسنوات طويلة تعتمد على رواية موحدة مدعومة بميزانيات ضخمة مدعومة من متحدثين بمختلف اللغات ومؤسسات اعلامية وتحليلية تنتشر في اوروبا والعالم العربي بهدف تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام وفق سردية محددة الا ان هذه المنظومة رغم ما تملكه من ادوات بدأت تواجه اليوم فشلا واضحا لان الصورة التي حاولت ترسيخها لم تعد تصمد امام الحقيقة المباشرة .
لقد تغير العالم وتغير معه وعي الشعوب ولم يعد المتلقي اسيرا للرواية الرسمية او للتحليلات الجاهزة بل اصبح يرى المشهد بعينيه من خلال الصور الحية والمقاطع المباشرة والشهادات القادمة من قلب المأساة سواء من غزة او الضفة الغربية . هذه الحقيقة المنقولة بلا وسيط نسفت كثيرا من الاكاذيب التي بنيت عليها سرديات طويلة واعادت الاعتبار لصوت الانسان الذي يعيش الكارثة لا لمن يفسرها من خلف الشاشات هنا تحديدا بدأ الارتباك لان المنظومة التي اعتادت التأثير وجدت نفسها امام وعي جديد لم يعد يقبل التوجيه الجماعي كما في السابق بل اصبح يفكر بصورة فردية ومستقلة ويقرأ الصورة قبل ان يستمع الى التفسير .
لم تعد ملايين الدولارات التي تضخ في الالة الاعلامية قادرة على صناعة القناعة نفسها بل على العكس اصبحت كثير من هذه المحاولات تنقلب على اصحابها لان الصورة الحقيقية اقوى من اي خطاب واصدق من اي تحليل موجه وهذا ما يفسر حالة التوتر المتزايدة داخل الاعلام الاسرائيلي الذي بات يسلط الضوء بصورة اكثر كثافة على روايته في محاولة لاستعادة السيطرة على الرأي العام لكنه يواجه واقعا مختلفا تماما . الشارع لم يعد يصدق والامر لا يقتصر على المجتمعات الاوروبية بل يمتد بصورة واضحة الى الشارع العربي الذي شهد تحولا كبيرا في طريقة تلقيه للأحداث .
لقد اصبح هناك وعي جمعي جديد لكنه مبني على قراءة فردية حرة لا على التلقين وهذا ما جعل كثيرا من الناس يرون الامور من زاوية مختلفة تماما عن الخطابات الرسمية ومن هنا نفهم حجم التعاطف الشعبي العربي الذي ظهر في بعض المواقف تجاه ايران وهو تعاطف لا يمكن قراءته بوصفه تأييدا سياسيا او ايديولوجيا بل هو انعكاس لغضب متراكم تجاه مشهد اقليمي يشعر فيه المواطن العربي بان اسرائيل تمارس القوة والعدوان دون رادع وان اي طرف قادر على ايلام هذا الاحتلال يجد صدى عاطفيا لدى الناس .
هذه الظاهرة بحد ذاتها كشفت حجم الفجوة بين الحكومات وشعوبها لان كثيرا من الانظمة ما زالت تتعامل مع الرأي العام بعقلية قديمة في وقت تغيرت فيه ادوات المعرفة وتبدلت طرق تشكيل الوعي.
لقد اصبح واضحا ان الثقة لم تعد كما كانت وان المسافة بين ما يشعر به الشارع وما تعبر عنه الحكومات باتت تتسع بصورة خطيرة لم يعد المواطن يكتفي بالرواية الرسمية بل اصبح يقارن ويشاهد ويحلل ويصل الى استنتاجاته الخاصة وهذا هو جوهر الازمة الحقيقية .. ازمة ثقة وازمة انفصال بين القرار السياسي والوجدان الشعبي واذا استمر تجاهل هذا التحول فان المنطقة لن تواجه فقط صراعات عسكرية او اعلامية بل ستواجه تصدعا اعمق في العلاقة بين الشعوب وانظمتها .
ان ما يجري اليوم اصبح مكشوفا ومستهلكا وليس حالة حرب فقط على الارض بل هو حرب على الوعي وعلى من يملك القدرة على تفسير الواقع كما يراه الناس لا كما يراد لهم ان يروه . وفي لحظة كهذه لا تعود المشكلة في قوة السلاح او ضخامة الالة الاعلامية ، بل في عجز الرواية عن الصمود امام الحقيقة وحين تسقط الرواية تتكلم الحقيقة وحدها ...



