الكاتب : محمد زهدي شاهين
ليست الانتخابات المحلية مجرد استحقاق إداري عابر، بل هي لحظة سياسية كثيفة، تختبر فيها القوى قدرتها على قراءة الشارع، وإعادة تعريف شرعيتها، وتجديد خطابها. غير أن ما جرى في إدارة هذا الملف يكشف عن خلل أعمق من مجرد أخطاء تكتيكية؛ إنه خلل في فهم قيمة اللحظة ذاتها، وفي استثمارها سياسياً ووطنياً.
أول الإخفاقات تمثّل في إضاعة فرصة ذهبية كان يمكن أن تتحول إلى نقطة ارتكاز في تعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية في الوعي الشعبي. كان بالإمكان، وببساطة سياسية ذكية، الاستثمار والبناء على
اشتراط التزام المرشح بالإقرار بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وببرنامجها السياسي، وهو ما يهدف إلى تعزيز مرجعية المنظمة في أي انتخابات محلية.
. لم يكن هذا الشرط إقصائياً، بل كان سيشكل معياراً وطنياً جامعاً، يعيد ضبط البوصلة السياسية، ويمنح العملية الانتخابية بعداً سيادياً لا مجرد تنافس خدماتي محلي.
هذه الخطوة، لو أُنجزت، لكانت حولت صناديق الاقتراع إلى استفتاء شعبي غير مباشر على شرعية المنظمة، خاصة في ظل وجود ما يقارب مليون وأربعمائة ألف ناخب مسجل. إن مشاركة واسعة بهذا الحجم كانت كفيلة بأن تُقرأ كرسالة سياسية صلبة في أن الشارع الفلسطيني، رغم كل التعقيدات، ما زال يجد في منظمة التحرير مظلته التمثيلية الأوسع. لكن ما حدث هو العكس؛ فقد تُركت هذه الكتلة البشرية دون تحفيز حقيقي، ودون خطاب تعبوي يليق بثقلها.
الإخفاق الثاني تمثل في الانزلاق نحو “التوافقات” بوصفها بديلاً عن التنافس. والتوافق هنا لم يكن سياسياً ناضجاً، بل في كثير من الحالات اتخذ طابعاً عشائرياً، أعاد إنتاج البنية التقليدية على حساب الكفاءة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فبدلاً من أن تكون الانتخابات أداة لتجديد النخب وضخ دماء جديدة قائمة على الكفاءة والخبرة، تحولت إلى آلية لإعادة اجترار المشاهد السابقة باختيار مرشحين وفق ميزان القرابة والترضيات.
إن التوافق حين يُفرغ من مضمونه الوطني، ويتحول إلى مجرد صفقة اجتماعية، فإنه لا يحمي الاستقرار كما يُظن، بل يكرّس اللامبالاة. فالمواطن الذي لا يرى فرقاً بين صندوق اقتراع وتفاهم مسبق، لن يجد دافعاً حقيقياً للمشاركة. وهكذا، تُفقد الانتخابات معناها، وتُختزل إلى مجرد إجراء شكلي لا يعكس إرادة الناس بقدر ما يعكس إرادة المتنفذين.
أما الإخفاق الثالث، فهو غياب الرؤية التعبوية. لم تُبذل جهود كافية لتهيئة المناخ العام، ولم يُستثمر الإعلام الحركي والتنظيمي في دفع الناس نحو المشاركة. في مثل هذه اللحظات، لا يكفي فتح الصناديق؛ بل يجب فتح الأفق أمام الناس ليشعروا أن أصواتهم قادرة على إحداث فرق. وهذا ما لم يحدث بالشكل المطلوب.
إن التعامل مع اكثر من مليون ونصف المليون ناخب بوصفهم رقماً ساكناً، لا طاقة كامنة، يعكس قصوراً في الرؤية. فالكتلة الانتخابية ليست مجرد عدد، بل هي رصيد سياسي يمكن تحويله إلى قوة ضغط، أو إلى شهادة شرعية، أو حتى إلى لحظة إعادة تموضع في المشهد الوطني.
ولا بد لنا من التنويه هنا، بأن الانتخابات المحلية ستعقد في ١٨٤ هيئة من أصل ٤٢١ هيئة محلية، وهذا يمثل ما نسبته ٤٤% من مجموع الهيئات المحلية. بينما كان واقع الحال يُلزمنا بالعمل نحو تعزيز ودفع الناخب الفلسطيني إلى أوسع مشاركة في هذه الانتخابات، من أجل تعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية في الشارع الفلسطيني، وهذا كان يتطلب منا عدم الذهاب إلى مربع التوافقات.
وبناء على ما سبق نستنتج بأنه كان من الأفضل القيام بتأجيل الانتخابات المحلية هذا من باب ومن باب آخر هو لعدم مواءمة الظروف المحلية والإقليمية، وهذا التأجيل كان يمثل خياراً واقعياً، لا هروباً من الاستحقاق، بل محاولة لإعادة ترتيبه على أسس أكثر صلابة. وننوه هنا إلى أن بعض المشاهد الت
كما يجب أن يُستثمر هذا الوقت في صياغة ميثاق انتخابي واضح، يربط بين العمل المحلي والانتماء الوطني، ويعيد الاعتبار للبعد السياسي في الانتخابات.
في الخلاصة، لم يكن الإخفاق في إدارة ملف الانتخابات المحلية قدراً، بل نتيجة خيارات كان يمكن تجنبها.
لقد أُهدرت فرصة كان يمكن أن تتحول إلى لحظة تعزيز للشرعية الوطنية، وإعادة وصل ما انقطع بين الشارع والمؤسسة. وما لم تُراجع هذه التجربة بجرأة، فإن كل استحقاق قادم سيبقى مهدداً بأن يُدار بالعقلية ذاتها؛ عقلية تفوّت الفرص، وتخشى من قوة الصندوق بدل أن تستثمرها.
وننوه بأننا قد شهدنا في بعض المدن والبلدات نماذج مشرّفة ومظاهر لافتة في الدعاية الانتخابية، عكست وعياً مجتمعياً وتفاعلاً جماهيرياً راقياً يُحتذى به. ولعلّ ما ميّز هذه التجارب هو الحضور الشعبي الإيجابي والروح التنافسية الصحية التي أضفت على المشهد طابعاً ديمقراطياً حقيقياً. ويا ليت هذا النموذج قد عُمّم، وتم إجراء الانتخابات في كافة أو معظم البلديات بذات هذا الزخم والحيوية، لما لذلك من أثر كبير في تعزيز المشاركة الشعبية وترسيخ ثقافة الاختيار الحر والمسؤول.
وفي الختام، لا بد من الاشادة بلجنة الانتخابات المركزية على حسن أدائها في إدارة وتنفيذ مراحل العملية الانتخابية المزمع عقدها في الخامس والعشرين من هذا الشهر.



