الكاتب: أحمد دخيل
يبدو لي أنني أمام اختبار صعب، حين أكتب عن رجلٍ بات مع الأيام جزءًا من جغرافيا المعنى.
ولأن بعض الراحلين يتركون خلفهم سيرة. وبعضهم يتركون ظلًا. أما فيصل الحسيني فترك شيئًا أشد التباسًا وأبعد غورًا، فقد ترك أثرًا يشبه ذلك العطر الذي يبقى في البيت بعد أن يغادر أصحابه بسنوات طويلة، فلا يُرى ولا يُلمس، لكنه يواصل حضوره في الذاكرة.
يمرّ عبق الرحيل، فتخطر القدس على البال قبل أن يخطر هو.
وكأن الرجل الذي سكن المدينة، كانت المدينة تسكنه حتى قبل ولادته.
كان يمشي في أزقتها القديمة كما يقرأ العارف في كتابه المفضل. يعرف مواضع الضوء على الحجارة قبيل الضحى، ويعرف كيف تتغير رائحة الأسواق حين تهبّ الريح من الجهات الست. يسمع صمت القباب حين يخلو المكان من الضجيج، ويدركُ الحزن الذي تخفيه النوافذ العتيقة خلف خشبها المتعب.
كانت القدس بالنسبة له أشمل من قضية سياسية بالمعنى الذي تعرفه القاعات المغلقة والبيانات الرسمية.
إذ أنها كانت حالًا مستمرًا، ومقامًا للنجوى و تحولت إلى امتحانٍ يوميّ للوفاء.
لهذا ظلّ متعلقًا بها كما يتعلق المتصوف باسم الله، لم يطلب مكسبًا، ولا جزاءً لانتظار، لأن محبة القدس نفسها صارت قدرًا لا فكاك منه.
في الأزمنة التي كانت فيها الكلمات تكثر وتقلّ المعاني، اختار الحسيني الطريق الأصعب، طريق العمل الصامت الذي يشبه جريان الدم في الأوردة. لا يُرى دائمًا، لكنه يبقى ليصنع أثره في نبض القلب.
وفي حركة فتح، كان حثيث البحث عن موطئ قدم لفلسطين في عالم يتسع للقوة أكثر مما يتسع للحق. فهو يعرف أن السياسة، حين تنفصل عن الناس، تتحول إلى حوار معتل بالبرودة.
لذلك ظلّ منحازًا إلى دفء البشر، ووجوه المقدسيين البسطاء، وأصحاب الدكاكين الصغيرة، وخروب المدينة وكعكها المنغمس بالحليب النقي، كما كان ملتصقًا بأولئك الذين كانوا يرون في القدس أكثر مما تراه الخرائط.
ولعل سرّه الحقيقي أنه لم يتعامل مع الحجارة بوصفها إرثًا تاريخيًا، عايشها وكأنها كائن حيّ يبكي ويضحك ويثور.
كان يصغي إليها، كأنها حديث الجدّة وهذه موهبة نادرة.
فالمدن، مثل البشر، لا تبوح بأسرارها إلا لمن يحبها بما يكفي.
وحين رحل، بدا الأمر لكثيرين كأن بابًا من أبواب الأقصى قد أغلق، ذلك لأن الرجال لا يُعوَّضون، حيث أن بعض الأرواح تمتلك بصمتها الخاصة التي لا تتكرر.
ومع ذلك، لم ينقطع حضوره.
ثمة رجال يواصلون حياتهم بعد الموت بطرقٍ أخرى.
يتحولون من أشخاص في الذاكرة إلى ذاكرة بحد ذاتها. ثم من ذاكرة إلى معنى.
ومن معنى إلى جزء من السردية الكبرى التي تسردها الشعوب عن نفسها.
وفي رحاب المسجد الأقصى، حيث يرقد جسده إلى جانب والده، تنهض البداية لسيرة لم تكتمل بعد.
هناك، تحت سماء القدس التي أحبها حتى ذاب فيها، يستريح الرجل الذي أمضى عمره كله كأنه يحرس شعلةً من الريح.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ذكراه أنه حارس القدس الذي أحبها.
والحراسة يمكن تفرضها الواجبات.
لكن المحبة فلا يمكن فرضها.
إنها اصطفاء الروح.
ولهذا بقي اسمه عالقًا في ذاكرة المدينة كما تعلق نواقيس المساء في الهواء بعد انقضاء الرنين.
تمر الأعوام تتعاقب الفصول على حجارة القدس.
يتبدل القادمون والراحلون، لكن بعض الرجال يظلون هناك، في مكان لا تطاله الشيخوخة ولا الغياب.
يقبعون في طبقات المعنى العميقة.
حيث يقيم الذين منحوا أعمارهم لما هو أكبر من أعمارهم.
وهناك، في تلك المسافة بين التراب والذكرى، ما زال فيصل الحسيني حاضرًا، كأن القدس كلما نادت أبناءها المخلصين، جاء صوته من بعيد، هادئًا وواثقًا، مثل بوح مؤذنٍ يعرف دربه للعروج إلى السماء.



