الكاتب : عيسى قراقع
في زمن تتقاطع فيه النيران مع الكلمات، وتتشابك فيه الهويات مع الانتماءات، تعود بنا الحاجة إلى استدعاء شخصية نادرًا ما حظيت بما تستحق من تأمل فلسفي وأدبي: سلمان الفارسي ابن مدينة أصفهان في ايران، ليس لأنه صحابي جليل فحسب، بل لأنه النموذج الأكثر إدهاشًا في تجاوز الحدود: حدود الأرض، وحدود النسب، وحدود الهوية الجامدة، إنه الرجل الذي جعل من البحث عن الحقيقة وطنًا، ومن الحكمة موطنًا، ومن الوحدة والايمان سببا للانتصار.
قبل أن يكون سلمان "الفارسي"، كان سلمان "الباحث"، تلك الرحلة الطويلة من إيران إلى الشام فالحيرة فالمدينة حتى القدس وغزة، لم تكن مجرد انتقال في الجغرافيا، بل كانت انتقالًا في طبقات الوجود، ترك دين المجوس، وارتحل بين النصرانية واليهودية والبحث عن نبي وقائد يوحد الأمة في وجه الأحزاب والتحالفات الغربية والصهيونية التي استعمرت فلسطين، وجزات الأمة العربية وحولتها إلى كيانات متفرقة، والى قواعد لإدامة الهيمنة وإثارة الحروب والنعرات الطائفية، وكأنه كان يعيش فلسفة الوجود السابق على الهوية: أن يكون الإنسان أولًا طالبًا للحق، مقاتلا من أجل العدالة ونصرة المظلومين، والتصدي لهذه الوحشية المسلحة بكل ادوات الفناء والعنصرية والهمجية، داعيا إلى تجاوز الانقسامات والانتماءات الضيقة.
في هذا السياق، تحضر إيران اليوم وكأنها تعيد إنتاج سؤال سلمان: كيف يمكن للهوية أن تكون مفتوحة على الحقيقة بدلًا من أن تكون سجنًا؟ الحرب على إيران في بعدها الحضاري والسياسي والثقافي ليست حربًا على دولة فقط، بل محاولة لقطع ذلك الجسر الذي شيده سلمان بين فارس والعرب، بين ثقافة الحياة وثقافة الموت، بين الحكمة الفارسية والرسالة الانسانية، بين الفيلسوف ابن سينا والمؤرخ الكبير ادوارد سعيد، بين شمس التبريزي ومحمود درويش، بين الجامع والكنيسة، بين حيفا وشيراز، بين كل المكونات الأصيلة في المنطقة العربية.
عندما قال النبي محمد ﷺ: "سلمان منا أهل البيت"، لم يكن يمنحه نسبًا عربيًا، بل كان يعلن أن الانتماء الحقيقي هو انتماء الروح والمعرفة، سلمان الذي اقترح حفر الخندق دفاعًا عن المدينة والتصدي للحصار وللتحالف الاستعماري الذي تقوده امريكا والصهيونية، حمل معه خبرة فارسية في الحروب، ليصنع بها نصرًا إسلاميًا عربيا، أحدثت تحولا في تاريخ الصراع، كان الجسر حيًا يتنفس بين الديانات التوحيدية في منطقة الشرق الأوسط باعتباره فضاء للوحدة الثقافية والحضارية ورموزها المتعددة.
هذا الجسر هو ما تسعى الحرب على إيران إلى تفكيكه، الحرب ليست فقط صواريخ وطائرات، بل هي حرب على الذاكرة، على فكرة أن الحضارة العربية كانت ولا تزال نتاج تلاقح ثقافاتها، وأن طهران ليست "الآخر" بل هي شقيقة القدس ودمشق والقاهرة وبغداد وبيروت وعمان، ذات امتدت في الزمان والمكان والهوية والرواية.
الان احفروا الخندق، يقول سلمان الفارسي، دافعوا عن المدينة التي تتعرض للاعتداءات الدموية في غزة والضفة المحتلة وطهران ولبنان، ابادات متواصلة، فاما ان نكون عبيدا خانعين أو نكون شجعانا أحرارا نموت واقفين ولا نركع.
عندما جاءت قوى الغرب الاستعماري من كل الاتجاهات، أرضا وبحرا وجوا، صواريخ وقنابل وطائرات وبارجات، وكانت المذابح والجرائم المريعة في غزة، واستبيحت الأراضي المحتلة قتلا واستيطانا، طلب سلمان الفارسي استدعاء معركة الخندق من التاريخ، حتى لاتسقط المدينة، والدفاع عن البلاد وعروبتها وهويتها القومية.
السفاح جنكيز خان في المدينة مرة اخرى، الحرق والتدمير ودفن الحضارات العريقة، لا مسيح هنا ولا محبة وسلام، هكذا قال المجرم نتنياهو وهو يؤصل الشر ويضفي شرعية على جرائمه الوحشية، فلا بد إذا من سلمان، الفارسي، العربي، الكردي، التركي، المسيحي، المسلم، لحماية المنطقة والقيم وكرامة الشعوب ورسالة انبيائنا الخالدة.
سلمان الفارسي في بلاد العرب لم يكن "فارسيًا" بالمعنى القومي الضيق، ولم يكن "عربيًا" بالتبعية، بل كان إنسانًا تجاوز الثنائيات، إنه النموذج الذي يثبت أن الهوية ليست نقطة بداية بل مسار، ليست ماضًيا نستظل به بل مستقبل نبنيه.
في زمن الحرب على إيران، يعاد إنتاج خطاب الأنا والآخر بأشكال متجددة: الأمة العربية ضد الفرس، السنة ضد الشيعة، الغرب ضد الشرق، وسلمان لو عاش اليوم، لكان سؤالًا متجولًا في وجدان هذه الصراعات: أين الحقيقة من كل هذه الحدود؟ وكيف تستجار النار بالنار؟ بعد أن أعلنوا أن أرض التوراة من النيل إلى الفرات، وان عربات جدعون تسير من المحيط الى الخليج قصفا وذبحا ونهبا وسيطرة، وتصوير الصراع كصراع حضاري بين الغرب المتحضر والشرق المتوحش.
الحرب على إيران ليست مجرد حدث سياسي أو عسكري، إنها لحظة امتحان لهذه الأمة كلها: هل تستطيع أن تكون كما كان سلمان، جسرا بين ثقافتها وذاكرتها، ام أنها ستظل أسيرة الهويات المتصارعة؟ سلمان الفارسي يذكرنا أن إيران ليست خصما للامة العربية، بل هي جزء من نسيجها الحضاري، وعندما تسقط طهران تسقط كل العواصم العربية.
سلمان الفارسي يصلي في القدس، الحكمة الفارسية تلتقي بالرسالة المحمدية واليسوعية، في بقعة جمعت الانبياء في أقرب نقطة إلى السماء، يتجاوز سلمان الحدود المصطنعة وكل الحواجز وخطابات الفتنة، ويقول: أن بلاد فارس كانت دائما جزءا من النسيج الاسلامي والعروبي، وان محاولات شطب هذا الدور تصطدم بتاريخ لا يمكن محوه.
سلمان في القدس يتحدى الروايات التي تريد فصل إيران عن فلسطين، يجمع الشرق بالغرب، يصلي بالمسجد ويقرع الاجراس في الكنيسة، والمعركة الحقيقية ليست بين أبناء الأمة الواحدة، بل مع المشروع الأمريكي الصهيوني الذي يريد طمس الهوية وتفتيت الجسد.



