الكاتبة : فداء البرغوثي
في عالم المؤسسات الدولية، تكفي كلمات كبيرة لصناعة هالة كاملة: العدالة، الشفافية، المساءلة، الكرامة، التمكين. تتكرر هذه الكلمات في الخطابات، وتلمع في التقارير، وتزين واجهات البرامج والمبادرات. ومع كل تكرار، تتسع الصورة العامة للمؤسسة بوصفها حاملة لقيم إنسانية عليا. غير أن الصورة الحقيقية للسلطة تظهر في مكان آخر تماما: في الغرف المغلقة، في ترتيب الأدوار، في تحديد من يسمع ومن ينتظر، في سرعة التجاوب مع بعض القضايا، وفي البرود المقصود مع قضايا أخرى، في توزيع الاعتراف، وفي رسم حدود المسموح داخل المؤسسة بلغة مهذبة المظهر وحادة الأثر.
هنا تحديدا، تدخل نظرية القوة/ المعرفة لدى فوكو إلى قلب المشهد. فالسلطة، وفق هذا الفهم، تتحرك عبر إنتاج الحقيقة المؤسسية نفسها: من يحدد ما القضية الأهم، ومن يمنح الشرعية لرواية معينة، ومن يقرر أي صوت يكتسب وزنا وأي صوت يذوب في الهامش. بهذا المعنى، تمارس بعض المؤسسات الدولية سلطة فائقة النعومة، شديدة الإحكام، عالية الكفاءة في ضبط المجال الذي تتحرك فيه الأسئلة. وحين تشتد حساسية القضية، يجري امتصاصها داخل لغة إجرائية باردة، فتفقد حدتها، ثم تفقد إيقاعها، ثم تفقد مكانها. هكذا تتحول الإدارة إلى تقنية متقدمة في تبريد الحقيقة.
ويكشف بورديو عبر مفهوم العنف الرمزي جانبا أكثر عمقا من هذه البنية. فالعنف هنا يلبس ثوبا راقيا، ويتحدث بلهجة رزينة، ويتحرك عبر إجراءات تبدو مهنية بالكامل. الامتياز يعرض بوصفه جدارة، والاقتراب من مركز القرار يقرأ بوصفه كفاءة، وتراكم النفوذ يقدم على أنه نتيجة طبيعية للخبرة، بينما تجري إعادة إنتاج الهرمية نفسها كل يوم من خلال اللغة، والإيماءات، وترتيب المقاعد، ومساحات الكلام، ومنح الثقة، ودوائر الوصول. بذلك، تتحول المؤسسة إلى حقل مغلق نسبيا، يحمل في خطابه لغة المساواة، ويعيد في ممارسته إنتاج تراتبية محروسة بعناية.
ومن خلال النظرية النسوية المؤسسية تتضح صورة أخرى أكثر كثافة. فالمؤسسة تحمل داخلها قواعدها غير المكتوبة: من يبدو قياديا، من يبدو مهنيا، من تبدو لغته حاسمة، من تبدو لغته حادة، من تمنح له مساحة الخطأ، من يطلب منه طوال الوقت أن يبرر حضوره ونبرته ومطالبته. وحين تتصل المسألة بخبرات النساء، أو بالأصوات المحلية، أو بمن يحملون معرفة نابعة من الهامش، يصبح ميزان الشرعية أكثر اختلالا. عندها يظهر المشهد في أكثر صوره فجاجة: مؤسسة تتحدث عن الشمول كقيمة، وتعيد في الداخل ترتيب المركز بطريقة تحفظ امتيازاته القديمة داخل قشرة حديثة.
وتمنحنا نظرية العدالة التنظيمية أداة حاسمة لقراءة الخراب الذي تتركه هذه الممارسات. فالعدالة داخل المؤسسة تقوم على عدالة الفرص، وعدالة الإجراءات، وعدالة المعاملة. وحين تميل الفرص نحو الأقرب نفوذا، وحين تصبح الإجراءات مساحة قابلة للتطويع وفق الموقع والمصلحة، وحين تتراجع الكرامة في تفاصيل التعامل اليومي، تدخل المؤسسة طور الاستنزاف الأخلاقي. عندها يبقى المبنى قائما، ويبقى الشعار متماسكا، ويبقى التقرير لامعا، بينما تتآكل الثقة في الداخل طبقة بعد طبقة. في هذه اللحظة، تبدأ المؤسسة في خسارة جوهرها وهي ما تزال تتحدث بثقة عن رسالتها.
وتكشف البيروقراطية في بعض هذه المؤسسات وجها آخر للسلطة: سلطة الوقت. وفق ماكس فيبر، يفترض في البيروقراطية أن تنتج الوضوح والاتساق. أما في نسختها المتصلبة، فإنها تتحول إلى جهاز بارع في تنظيم المسافة بين المظلمة والإنصاف. ملف يؤجل، رد يعاد تدويره، شكوى تدخل متاهة، قرار يرحل من مكتب إلى آخر حتى يفقد أصحاب الحق طاقتهم أو صوتهم أو حضورهم. الزمن هنا يتحول إلى أداة سيطرة كاملة. من يملك الوقت يملك خنق الإلحاح، ومن يملك الإجراء يملك إعادة ترتيب الحقيقة، ومن يملك ختم المؤسسة يملك القدرة على تحويل الألم إلى حالة معلقة.
ومن خلال نظرية العقد النفسي يمكن فهم الأثر الأعمق لهذه الممارسات. العاملون والشركاء وأصحاب التجارب يدخلون إلى المؤسسات الدولية وهم يحملون تصورا أخلاقيا مرتفعا عنها. يتوقعون احتراما يليق بالخطاب الذي يسمعونه، وإنصافا ينسجم مع القيم التي تقود البرامج، واتساقا بين الرسالة والسلوك. وحين يصطدم هذا التوقع ببرود الإجراء، أو انتقائية الاعتراف، أو استعراض الهيبة، ينكسر شيء جوهري في الداخل. هنا تبدأ المؤسسة في فقدان معناها الرمزي لدى من عاشوا حقيقتها عن قرب، وتتحول العلاقة المهنية إلى عبء نفسي مثقل بالخذلان والمرارة واليقظة الدائمة.
ثم تأتي نظرية النفاق المؤسسي لتمنح هذا المشهد اسمه الصريح. فالمؤسسة تقول شيئا، وتوثق شيئا، وتمارس شيئا ثالثا. اللغة تمضي في اتجاه، والقرار في اتجاه، والحياة الداخلية في اتجاه آخر. في هذا الانفصال، تصبح القيم مادة عرض، وتصبح الأخلاقيات جزءا من الهوية البصرية، وتصبح العدالة عنصرا من عناصر البراند المؤسسي. وهنا تبلغ الأزمة ذروتها، لأن المؤسسة التي تبني مشروعيتها على الدفاع عن الحقوق تستهلك رصيدها الأخلاقي كلما اتسعت المسافة بين نصها وصوتها وسلوكها.
ومع ذلك، تحمل الصورة وجها آخر أكثر نبلا، وتفسره نظرية القيادة الخادمة بوضوح عميق. فبعض القادة داخل هذه المؤسسات يمارسون السلطة كأمانة ثقيلة: ينصتون، يحمون العدالة داخل التفاصيل، يوزعون الاعتراف بإنصاف، يخلقون بيئة آمنة للكلام، ويمنحون الناس شعورا بأن كرامتهم المهنية جزء من أولويات المؤسسة. هذا النموذج يكشف الحقيقة كلها: السلطة نفسها تحمل إمكانا أخلاقيا عاليا، بينما تتحدد قيمتها الفعلية في الضمير الذي يوجهها والثقافة التي تضبط استعمالها.
لهذا، فإن سوء استخدام السلطة في بعض المؤسسات الدولية يلامس بنية كاملة أكثر من كونه خطأ عابرا. إنه ممارسة تنتج الصمت، وتكافئ القرب من المركز، وتطيل عمر الامتياز، وتعيد صياغة الظلم في لغة احترافية ناعمة. إنه تحويل المؤسسة من فضاء رسالة إلى جهاز لإدارة السمعة. إنه استثمار مكثف في الصورة العامة يقابله اقتصاد شديد القسوة في الإنصاف الداخلي. وهو ما يجعل المسألة أخلاقية وسياسية في آن واحد، لأن الجهة التي تدير موارد النفوذ باسم القيم تصبح مطالبة بأن تحمل القيم ذاتها في سلوكها اليومي، وفي أدق تفاصيل ممارستها للسلطة.
المؤسسات الدولية التي تريد مكانة أخلاقية حقيقية تحتاج إلى أكثر من بيانات براقة. تحتاج إلى قيادة تملك شجاعة المواجهة، وسرعة الإنصاف، ووضوح المسار، وعدالة الاعتراف، ونزاهة التمثيل. تحتاج إلى ثقافة مؤسسية تقيس نفسها من الداخل بنفس الدرجة التي تطلبها من العالم. وتحتاج إلى وعي بأن السلطة حين تبتعد عن الأخلاق تتحول إلى بنية لامعة السطح، ثقيلة الظل، عالية الكلفة على الإنسان والمعنى معا.
في النهاية، تكشف النظريات جميعها حقيقة فادحة الوضوح: بعض المؤسسات الدولية أتقنت إدارة الهيبة أكثر من إدارة العدالة، وأتقنت عرض القيم أكثر من تجسيدها، وأتقنت حماية الصورة أكثر من حماية الإنسان. وبين مؤسسة تحمل السلطة كأمانة، ومؤسسة ترفعها كدرع للنفوذ، يتحدد كل شيء: صدقية الرسالة، ووزن الخطاب، ومعنى العدالة نفسها.
*مستشارة النوع الاجتماعي



