الكاتب : د. مجدي جميل شقوره
ما يشهده الشرق الأوسط اليوم من تصعيد عسكري ضد إيران يتجاوز كونه مجرد مغامرة إسرائيلية فردية قادها نتنياهو لإقحام واشنطن في مواجهة مفتوحة، بل هو تحرك أمريكي استراتيجي ممنهج، توظف فيه الولايات المتحدة إسرائيل كذراع إقليمية، في سياق مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة المنطقة، وفق رؤية تسعى تل أبيب لقيادتها ويخضع فيها العالم العربي لمعادلات جديدة كلياً.
فالهدف الأمريكي المعلن وغير المعلن يتجاوز حدود التعامل مع الملف النووي الإيراني، ليطال السيطرة على ثروات المنطقة الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط، الذي ظل لعقود محور الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط. وما التصعيد الحالي إلا محاولة لفرض واقع جديد يضمن لواشنطن الهيمنة على موارد الطاقة في الخليج العربي، ضمن إستراتيجية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات في المنطقة.
غير أن ولادة هذا النظام الإقليمي الجديد، إن كتبت له الولادة أصلاً، لن تمر بسلام. فالمشهد لا يحتمل الاختزال في مواجهة إيرانية-إسرائيلية، بل يمس مصالح قوى دولية كبرى لن تقف مكتوفة الأيدي. فمبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تخترق العالم العربي، تواجه خطر التفكك في حال اندلاع حرب شاملة. إعادة تشكيل المنطقة تتطلب توافقاً على مستوى القطبية الدولية حول تفاصيل هذا الوضع الجديد، وهذا التوافق غير محسوم بعد، وهو ما يستوجب التحسب له عربياً من الآن.
واشنطن تريد إيران مستسلمة، كما طالب الرئيس ترامب، لكن طهران تبدو غير معنية بهذا الخيار. المنطق السائد في طهران يميل إلى سيناريو "علي وعلى أعدائي"، أي مواجهة وجودية لا تبقي ولا تذر. المنطقة إذن قد تكون على موعد مع مشهد انتحاري شامل، تنجر إليه أطراف إقليمية ودولية، في حرب مفتوحة العواقب. وفي خضم هذا المشهد، يبرز السؤال الأصعب: هل العالم العربي مستعد لتداعيات هذا السيناريو الكارثي؟
الأكثر خطورة مما يجري هو ما قد يلي مرحلة التصعيد الحالية، فإسرائيل التي تقود هذا المشروع الإقليمي، وبغطاء أمريكي كامل، لن تتوقف عند حدود تقويض القدرات الإيرانية. المشروع الإسرائيلي الجديد يقوم على أن تل أبيب ستكون القوة المهيمنة في المنطقة، وهو ما يعني عملياً أنها ستواجه أي قوة إسلامية أو عربية تحاول ملء الفراغ أو بناء نفوذ مستقل. المنطقة مقبلة على مرحلة قد تشهد فيها القوى العربية والإسلامية -أياً كانت هويتها- استهدافاً مباشراً يمنعها من لعب أي دور يهدد التفوق الإسرائيلي المرسوم في الخرائط الجديدة.
الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية الذي انعقد كان يفترض أن يكون مناسبة لنقاش وجودي يرقى إلى مستوى المسؤولية التاريخية، لا مجرد اجتماع روتيني للاستنكار أو الإدانة. فالعنوان الحقيقي للمرحلة هو "تغيير الشرق الأوسط وإخضاع العالم العربي"، وهو عنوان يتطلب استعداداً عربياً جاداً، وطرحاً بديلاً قادراً على حماية المصالح العربية في خضم إعادة الترتيب الإقليمي. غير أن السؤال المطروح: هل كان النقاش العربي على المستوى المطلوب؟ أم أن الاجتماع انتهى كغيره من الاجتماعات، دون خريطة طريق واضحة لمواجهة مرحلة عدم الاستقرار الشامل والممتد التي تنتظر المنطقة، والتي تتداخل فيها المصالح الدولية الكبرى بشكل غير مسبوق، وباتت فيها الذات العربية ذاتها مهددة في الوجود والفاعلية؟
ما نحتاجه اليوم ليس اجتماعات شكلية، بل رؤية عربية استباقية تتعامل مع المتغيرات الدولية من موقع قوة، وتستعد لواقع إقليمي جديد تتصارع فيه الإرادات الكبرى، وتحاول فيه إسرائيل فرض نفسها كالقوة الوحيدة المسموح لها بالتمدد والنفوذ. المنطقة تقف على فوهة بركان، والقيادة العربية أمام اختبار مصيري: إما النهوض لمواجهة التحدي بحكمة جماعية، أو البقاء في موقع المتفرج على مشهد إعادة تشكيل الخريطة من حولها. والخيار لم يعد يحتمل التأجيل.



