الكاتب : د.عبدالله كميل
في وقتٍ أصبحت فيه القواعد العسكرية الأجنبية سمة بارزة في جغرافيا الشرق الأوسط، يبرز الموقف المصري مختلفًا بوضوح وتدفع ثمنه ، فبينما فتحت بعض الدول أراضيها للقواعد الأجنبية تحت عناوين الحماية أو الشراكة الأمنية، حافظت مصر على قاعدة ثابتة في عقيدتها السياسية والاستراتيجية: الأرض المصرية ليست منصة لقوات أجنبية.
هذا الموقف لا يمكن قراءته بوصفه مجرد قرار سيادي تقليدي، بل هو تعبير عن فهم عميق لطبيعة القوة في النظام الدولي. فالقواعد العسكرية الأجنبية، مهما قُدِّمت تحت عناوين التعاون أو الشراكة، تبقى في جوهرها أدوات نفوذ استراتيجي تسمح للقوى الكبرى بتثبيت حضورها العسكري والسياسي داخل أراضي الدول الأخرى.
تجارب المنطقة خلال العقود الماضية تقدم شواهد واضحة على ذلك. فالدول التي استضافت قواعد أجنبية وجدت نفسها، في كثير من الأحيان، جزءًا من صراعات إقليمية ودولية لم تكن طرفًا أصيلًا فيها. ومع كل تصعيد أو توتر دولي، تتحول تلك القواعد إلى نقاط ارتكاز في معادلات القوة، ما يجعل أراضي الدولة المضيفة ساحة محتملة لأي مواجهة.
من هنا يمكن فهم إصرار مصر على رفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية فوق أراضيها. فالقاهرة تدرك أن الأمن القومي لا يُبنى عبر استيراد الحماية، بل عبر امتلاك القدرة الذاتية. ولهذا حافظت مصر تاريخيًا على عقيدة واضحة تقوم على أن الجيش الوطني هو الضامن الأول للأمن القومي، وليس الجيوش الأجنبية.
هذا النهج يكتسب أهمية أكبر في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة اليوم. فالتوترات المتصاعدة في الخليج، والتنافس الدولي المتزايد في البحر الأحمر، ومحاولات القوى الكبرى إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط، كلها عوامل دفعت العديد من الدول إلى توسيع حضور القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها.
لكن هذه المعادلة تحمل في طياتها مفارقة واضحة. فكلما توسعت القواعد الأجنبية في دولة ما، تقلّصت قدرتها على اتخاذ قراراتها الاستراتيجية بصورة مستقلة. فالدولة التي تحتضن قواعد عسكرية لقوى كبرى تصبح، بحكم الواقع، جزءًا من شبكة الصراعات الدولية لتلك القوى.
في المقابل، اختارت مصر مسارًا مختلفًا يقوم على الاستقلال الاستراتيجي. فهي تدرك أن الحفاظ على القرار الوطني يتطلب إبقاء الأرض خارج معادلات التموضع العسكري للقوى الكبرى. وهذا لا يعني الانعزال عن العالم أو رفض التعاون العسكري، بل يعني ببساطة أن التعاون لا يصل إلى حد تحويل الأرض الوطنية إلى قواعد دائمة لقوات أجنبية.
إن الموقف المصري يطرح سؤالًا جوهريًا على مستوى الإقليم: هل يُبنى الأمن الحقيقي على انتشار الجيوش الأجنبية، أم على بناء قدرة وطنية مستقلة؟
التجارب التاريخية تشير بوضوح إلى أن الدول التي راهنت على الحماية الخارجية وجدت نفسها في كثير من الأحيان أسيرة لتوازنات القوى التي لا تتحكم بها.
وفي زمن تتكاثر فيه القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة تحت شعار التعاون ،يظل الموقف المصري تذكيرًا مهمًا بأن السيادة ليست شعارًا سياسيًا، بل قرار استراتيجي. فالدول التي تثق بقدرتها على حماية أرضها لا تحتاج إلى تأجير سيادتها، لأن الأمن الحقيقي يبدأ من الداخل، لا من القواعد الأجنبية.



