الكاتب : العميد لؤي إرزيقات
للإعلام دورٌ محوري في مختلف الأزمنة والظروف، غير أنّ أهميته تتضاعف في لحظات الأزمات وأوقات الحروب، حين تصبح الكلمة مسؤولية، والصورة موقفاً، والخبر أداة قد تبني الوعي أو تهدمه. ففي تلك اللحظات الحساسة لا يعود الإعلام مجرد ناقلٍ للأحداث، بل يتحول إلى خط دفاعٍ معنوي يحمي المجتمع من الارتباك، ويحفظ تماسكه أمام العواصف السياسية والأمنية والنفسية التي ترافق الحروب.
وهنا تبرز أهمية التزام الإعلام الوطني بأخلاقيات مهنة الإعلام، المتمثلة في نقل الحقيقة بموضوعية ومهنية دون تهويل أو تضليل، ودون الوقوع في فخ الإثارة التي قد تُربك الرأي العام أو تزرع الخوف في النفوس. فالمهنية الإعلامية الحقيقية تقوم على التحقق من المعلومات، والدقة في صياغتها، والوعي بتأثيرها المباشر في المجتمع، خاصة في زمن تنتشر فيه الأخبار بسرعة تفوق قدرة الناس على التمييز بين الحقيقة والشائعة.
كما يكتسب التنسيق مع الجهات الرسمية والتعاون معها أهمية خاصة، ليس بوصفه تقييداً لحرية الإعلام، بل باعتباره شراكة وطنية تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية وتعزيز استقرارها. فالإعلام الوطني المسؤول يسهم في المحافظة على تماسك المجتمع، ويحارب الإشاعة المنظمة التي تستهدف إضعاف الروح الوطنية وبث الإحباط، ويعمل في الوقت ذاته على رفع المعنويات وتعزيز الثقة بالمجتمع ومؤسساته.
ومن أخطر التحديات التي تواجه الإعلام في أوقات الحروب منع التساوق مع الخطابات التي تؤدي إلى الانهيار الداخلي أو تثبيط المعنويات، سواء جاءت هذه الخطابات عبر منصات إعلامية معادية أو عبر محتوى رقمي غير مسؤول. فالكلمة غير المدروسة قد تتحول إلى أداة هدم نفسي واجتماعي، بينما الكلمة الواعية قادرة على صناعة الأمل وتعزيز الصمود.
ويتجلى دور الإعلام الوطني أيضاً في تبني المواقف الموحدة التي تعكس المصلحة العامة، دون الإضرار بجوهر العمل الإعلامي القائم على الصحافة الصادقة وحرية الرأي المنضبطة. فحرية التعبير لا تتناقض مع المسؤولية الوطنية، بل تكتمل بها، إذ إن الإعلام الحر هو الذي يمارس نقده بوعي، ويوازن بين حق المعرفة ومتطلبات الأمن المجتمعي.
وفي ظل العصر الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تتضاعف المسؤوليات الملقاة على عاتق الإعلام الوطني. فقد أصبح كل فرد قادراً على إنتاج المحتوى ونشره، مما جعل ساحة المعلومات مفتوحة أمام الأخبار الزائفة وحروب الوعي والتلاعب بالرأي العام. وهنا يظهر الدور الريادي للإعلام الوطني في التحقق، والتفسير، وتقديم الرواية المهنية الموثوقة التي تحصّن المجتمع من التضليل الرقمي.
إن وقفة الإعلام الوطني في مواجهة كل ما يهدد السلم الأهلي والمجتمعي تمثل اليوم ضرورة وطنية وأخلاقية، فهو الحارس الأمين للوعي الجمعي، والجسر الذي يربط المواطن بالحقيقة، والصوت الذي يحافظ على التوازن بين نقل الواقع وحماية المجتمع من الانقسام. فالإعلام في أوقات الحروب ليس مجرد مهنة، بل رسالة وطنية وإنسانية، تُقاس قيمتها بقدرتها على حماية الإنسان وصون الحقيقة وتعزيز الأمل رغم قسوة الظروف.
وفي الختام، يبقى الإعلام الوطني الواعي أحد أعمدة الصمود، إذ بالكلمة المسؤولة تُبنى الثقة، وبالحقيقة تُهزم الشائعة، وبالوعي ينتصر المجتمع حتى في أصعب اللحظات.
*المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية



