(بالمختصر).... ما معنى السعادة بالنسبة لك؟ هل تعني الثروة، القوة، المعرفة، الجمال، أم ربما وجود عائلة كبيرة من حولك؟
المشكلة في هذه التصورات أن كل واحدة منها تبقى ناقصة بطريقة ما. فبغض النظر عن مدى غناك، ستجد دائمًا من هو أغنى منك. ومهما ازداد علمك، ستبقى هناك معارف جديدة لم تكتسبها بعد. وحتى إن كنت ترى نفسك جميلًا، فهناك من لن يجدك جذابًا. فإذا كان بالإمكان دائمًا أن نصبح أكثر ثراءً، أو أكثر علمًا، أو أكثر جاذبية، فكيف يمكن أن نصل إلى السعادة حقًا؟
هذا التساؤل كان محط اهتمام الفيلسوف إيمانويل كانط. فكل الأمور التي نعتقد أنها تمنحنا السعادة، سواء المال، أو الصحة، أو الحب، يمكن قياسها، وما يمكن قياسه يمكن أن يكون أفضل قليلًا أو أكثر قليلًا، مما يجعل أي سعادة مبنية على هذه الأمور غير مكتملة دائمًا.
لكن السعادة، بمفهومها الفلسفي، ليست شيئًا ناقصًا أو قابلًا للزيادة والنقصان. وكما يقول كانط، السعادة "كلٌّ مطلق"، أي أنها تعني الوصول إلى أقصى درجات الرضا والرفاهية في الحاضر، وفي كل الحالات المستقبلية الممكنة. فالسعادة لا يُفترض أن تكون مصحوبة بالقلق أو الشعور بالنقص.
وبناءً على ذلك، يرى كانط أننا مخطئون حين نجعل من السعي وراء السعادة هدفًا بحد ذاته. فالأشياء التي نعتقد أنها تمنحنا السعادة يجب أن نراها كإرشادات أو عوامل مساعدة فقط، لا كضمانات أكيدة للسعادة. يمكننا أن نسعى لأن نصبح أغنى، أو أكثر صحة، أو أكثر ذكاءً، ولكن سيكون خطأً أن نعتقد أن هذه الأمور هي السعادة بحد ذاتها.
فالسعادة، وفقًا لكانط، مجرد فكرة متخيلة، موجودة في أذهاننا فقط، لكنها تتلاشى في اللحظة التي نشعر فيها بالحاجة إليها. غالبًا ما ندرك أننا كنا سعداء فقط بعد مرور الزمن، وعند النظر إلى الماضي، قد تبدو لنا السعادة مختلفة تمامًا عن التصورات التي كنا نحملها عنها.
* جميل سالم، مفهوم السعادة عند إيمانويل كانط
"غاية الأدب أن يستحي المرء من نفسه أوّلًا"
"مَن يأبي اليوم قَبول النصيحة التي لا تكلف شيئًا، سوف يُضطَرُّ في الغد إلى شراءِ الأسف بأغلى الأثمان".
"السعادة هي معرفة الخير والشر".
"التفكير هو حوار الروح مع نفسها".
"القتلى وحدهم من يرَون نهاية الحرب
. "الانتصار على النفس هو أعظم انتصار".
"الحياة أمل؛ فمن فقد الأمل فقد الحياة".
"الكرامة جلالة تنجم عن عقل سليم وجاد".
"الرأي هو شيءٌ وسَطٌ بين العلم والجهل".
" لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق من طبعه شراً وأنت لا تدري ."
" إذا قامت حجتك في المناظرة على كريم أكرمك ووقرك وإذا قامت على خسيس عاداك واصطنعها عليك."
ما معي من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست بعالم.
"تستطيع أن تعرف عن شخصٍ في ساعةِ لَعِبٍ أكثر ممّا يمكن أن تعرفه في ساعة حديث".
". "غاية العلم الخير".
"الجسد مقبرة الروح".
. "يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكل روحك".
"الانتصار على النفس هو أعظم انتصار".
"الرجل الصالح هو الذي يحتمل الأذى لكنّه لا يرتكبه
"نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نُرِدْ أن نفكر، وعبيد إذا لم نتجرّأ على التّفكير".
"في الحب خطابات نبعث بها، وأخرى نمزّقها، وأجمل الخطابات هي التي لا نكتبها". "
"كل انسان يصبح شاعرًا إذا لامَسَ قلبه الحب".
" أعطِ وستأخذ".
عن صفحة : "الحياة منفًى قصير"
شعر : جدعة ابو فخر
أخبروهم...
أنني مازلت أحيا
ابنة الريف الندي
ابنة الفخر العتيق
قبل الشمس ميلادي
هناك بين ضلوع اللحف
عرشت طفولتي
و تعطرت بندى الزيتون
طهر الأرض أنوثتي
قمح السهل فاكهتي
أنا من هناك
من خلف أعتاب السماء
خبأت أحلامي
و لازلت أحيا
رغم هاتيك الطعان
أضرب الفكر
طولا...
وعرضا.....
مرة أكتب حرفا
مرة أنشد شعرا
لايهادن
ينحر الأيام رفضا
لست أرضى
أن يظل القهر ربا
لست أرضى
*
أخبروهم
أنني مازلت أحيا
أنظم الأشعار خبزا للجياع
أعطر وجه قصائدي
فالشعر نزف الأشقياء
*
أخبروهم
أنني مازلت أحيا
بيدرا يذر الحرف في شفاه الجائعين
مطرا لاينقطع
أنني عشتار
ربة الخصب و الطهر
قيامة الهدى على أوتار صوت الحالمين
*
أخبروهم
أنني مازلت أحيا
مهما طال العمر فينا
عنوة أقتات ذاتي
وحياتي رعشة الطهر على جفن الحقيقة
*
أنني مازلت أحيا
لهفة الراح على شفة النديم
صدى الشهقة على جام حرفي
و على حين غرة أعلن بهجتي
نعم لازلت أحيا
لا أحس الحرف حرفا
لا أحس الحبر حبرا
و روى الأصحاب عني
أعرف الأوجاع شعرا
أعزف الأوجاع شعرا
و لا زلت أحيا
كتب : عبد الفتاح جمال الدرعمي
في المجلس الثاني والتسعين من مجالس أسمار وأفكار، وعنوانه الاعتبار لأسامة بن منقذ ، يذكر الأستاذ الأديب أبو خالد الهاشمي أن من أسباب ميل الناس للسير الذاتية جمال أسلوبها وحسن مطلعها، واتخذ من كتاب الأيام للدكتور طه حسين مثلا، فهو يرى أن ليس في حياة الدكتور طه حسين شيء غريب، وأن ما يميز كتابه هو أسلوبه العذب، وأبرز أدواته الأسلوبية تمطيط الكلام، وهي أداة حلوة وعذبة.
ياتي إلى جملة: "أنا لا أذكر هذا التاريخ" فينفخ فيها فتصير ثلاثة أسطر، يقول في بداية الأيام:
"لا يذكر لهذا اليوم اسمًا، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتًا بعينه، وإنما يُقرب ذلك تقريبًا".
وفي ختام المجلس علّق الأستاذ محمد عبد الله لحبيب على هذه اللفتة أنه لم يكن ينظر لخاصية التمطيط عند طه حسين أنها خاصية جمالية، بل كان يضجر منها أحيانًا، وعزا هذا التمطيط إلى أنه كان يملي كلامه شفاهة ولا يكتبه، وأن الحكواتي يمطط الكلام ويمطط الأفكار.
وبعد خمس سنوات من هذا اللقاء الماتع أعلق على هذه المجالسة والمحادثة المفيدة أن هذا الضجر من تمطيط طه حسين مشترك عند من تأدب بأدب الرافعي ومال إليه في معاركه مع طه حسين، والتي كان منها هجوم الرافعي على أسلوبه وسخريته منه.
وللدكتور طه حسين في كتاباته تمطيط بليغ، وإيجاز بليغ أيضًا لكن لم يلتفت إليه، مثل قوله: "وكل امرأة في مصر محزونة حين تريد".
أما بالنسبة إلى سبب هذا التمطيط، فأعزوه إلى تربيته بين نساء قريته، والذي يذكر من صفتهن: "والنساء في قرى مصر لا يُحْبِبْنَ الصمت ولا يَمِلْنَ إليه، فإذا خلت إحداهن إلى نفسها ولم تجد من تتحدَّث إليه، تحدَّثت إلى نفسها ألوانًا من الحديث".
ويذكر أثر ذلك في نفسه: "وكان صاحبنا أسعد الناس بالاستماع إلى أخواته وهنَّ يتغَنَّين، وأُمه فغنَّت إن كانت فرحة، وعدَّدت إن كانت محزونة ... وكان صاحبنا أسعد الناس بالاستماع إلى أخواته وهنَّ يتغَنَّين، وأُمه وهي تعدِّد ... وعلى هذا النحو حفظ صاحبنا كثيرًا من الأغانى، وكثيرًا من التعديد، وكثيرًا من جِدِّ القصص وهَزْله".
كتبت : د كريمة الشامي الجزائري
سأل صحفي الأديب الكبير عباس العقاد يومًا : “من الأشهر، أنت أم محمود شكوكو؟”
فأجابه العقاد باستغراب : “من شكوكو؟!”
وحين نُقل رد العقاد إلى شكوكو، قال بثقة: “قل له ينزل ميدان التحرير ويقف على رصيف، وأنا أنزل وأقف على الرصيف المقابل، ونشوف الناس هتتجمع على مين أكثر.”
لكن العقاد كان أعمق من أن يدخل في هذا النوع من المقارنات، فقال للصحفي:
“قل له ينزل ميدان التحرير، ويخلي راقصة ببدلة رقص تقف على الرصيف التاني، ويشوف الناس هتتلم على مين أكتر.”
وهنا بيت القصيد.
العقاد لم يُهِن أحدًا، لكنه أرسل رسالة بليغة: في زمنٍ يلهث فيه كثيرون خلف الإثارة، اختلطت الشهرة بالقيمة، والسطحية بالمعنى، وأصبح عدد المصفقين معيارًا للنجاح، لا ما يقدمه الشخص من فكر أو أثر.
اليوم، في زمن “الترند”، لا يزال درس العقاد حاضرًا بقوة:
ليس كل من تجتمع عليه العيون يستحق الاحترام، وليس كل من يسير في صمت يكون منسيًا.
فالتاريخ لا يُصفق، بل يُحاكم، ولا يحفظ إلا ما كان نافعًا.
رحل شكوكو، ورحل العقاد، وبقي الفرق…
فالأول طواه الزمن، والثاني وثّقه.
#قيمة_لا_شهرة
#وعي_لا_ترند
صباحكم فنجان قهوة انتم سكره …❤️❤️
الكاتب: المعلم برمهنسا يوغانندا
الصداقة هي أسمى أشكال الحب البشري
لأنها متحررة من القيود والإلتزامات.
وما لم يظهر الحب السامي غير المقيد
من خلال الصداقة الشريفة المنزهة عن الأغراض الأنانية
فلن يتحرر الإنسان.
الحب البشري يجد ضالته في الصداقة الحقة
ويحصل على الإستجابة للأشواق الروحية النبيلة.
الحب النقي الخالد بنا يحاول من تجسدات عديدة
العثور على الوسيلة النقية التي من خلالها
يمكنه التعبير عن ذاته.
وعندما يتمكن من إظهار الوداد الوجداني بين نفسين
فإنه يحقق ذاته ويُسجَّل حباً سامياً ينبض في قلب السماء.
الحب السامي أقوى من الموت
وأكثر خلوداً من أي مظهر من مظاهر الحياة الزائلة.
النفوس الباحثة عن فرح الحب السامي المتبادل
لن تقنع بمتع وقتية
ونظرات تنم عن إغراء وأغراض
ولن تقع فريسة الأهواء والمشتهيات
هذه المغريات قد تخدّر الإنسان للحظة
فيستسلم لتأثيرها الطاغي
مخلفة وراءها فراغاً وندماً.
الحب البشري يكتمل فقط ويتحقق
عندما يتوسع نحو الحب السامي اللانهائي
وغير المقيد بشروط.
عندما تشعر أن بإمكانك مصادقة شخص ما دون غاية شخصية
وعندما تشعر أن حنينك للحب النقي مجسّد في ذلك الشخص
وعندما تفقد الرغبة في البحث عن الحب في أي شخص آخر
عندها تروي الصداقة ظمأها وتحقق هدفها.
الحب السامي يكمن في قلب كل إنسان.
هذا الحب قد يظل هاجعاً لزمن ما، لكنه لن يموت.
وما لم يتمكن الإنسان من تنقية وتصفية الحب البشري
فلن يشعر بالقناعة والإرتياح
وسيبقى يبحث عن حب آخر
إن في هذه الحياة أو في عالم آخر
إلى أن يلتقي أخيراً بنفس راقية
يشعر أنها توأم روحه
فيتذوق من خلالها طعم الحب النقي
ويروي أشواقه للحب مرة وإلى الأبد.
المعلم برمهنسا يوغانندا
* ترجمة محمود عباس مسعود
الكاتب : ابوعلاء منصور
في بيروت، قرأ أبو حسن قاسم مقطعاً من رسالة أرسلها تيسير أبو اسنينة من الداخل جاء فيه: "جهزتُ القاعدة لاستقبال الدورية.....". علق حمدي: "تيسير فدائي". قلت مزهواً: "أستاذ رياضيات". انفجرنا ضحكاً وقد علق قاسم: "وهل يشهد للعروس أكثر من ابنة خالتها؟ تيسير أهبل مثلك. ألست مدرس رياضيات كذلك؟ الرياضيات تلحس عقول أصحابها لدرجة قيل فيهم تندراً: مدرس الرياضيات يقول ا ويقصد ب والحقيقة ج". قال عدنان جابر: "انفتح قلبي لتيسير مذ جاءني أول مرة للتدريب في المعسكر. شابٌ جاد، يفيض بساطة وطيبة، ذكيٌ ويُتقن التعلم بسرعة، في وجهه براءة طفل، وفي نظراته حدة عين صقر. لكن الرياضيات لحست عقله كما قال قاسم، جعلته يبدو كمجنون يصعب فهم كلامه الذي ينطلق من بين شفتيه كرشاش بلكنة خليلية موغلة في القدم، كأنه جاء إلى مدينة الخليل مع سيدنا إبراهيم عليه السلام". قال حمدي: "حين التقيتُ تيسير وكان طالباً في الجامعة الأردنية، شعرتُ أنني عثرتُ على كنز، لكني مثل عدنان أجد صعوبة في فهم ما يقوله. يبدو مشوشاً أحياناً، ثم لا تلبث أن تدرك سريعاً أنه يعرف ما يريد". بعد مدة بدا عدنان مهموماً وهو يعبر زقاق بيته في "شارع لوبيا" بمخيم اليرموك في دمشق وهو يتهيأ لقيادة دورية الدبوية فهمس لنفسه: "من سيعتني بالمسكينة في غيابي؟ ربما تصاب بجلطة قاتلة حين تعرف أنني سأقود دورية فدائية إلى الداخل". جفّ ريقه حتى كاد يتلعثم وهو يفاتح زوجته نصف المشلولة بما ينويه وهما يحتسيان الشاي بعد الغداء: "حدثتك يا ابنة عمي عن حلم ذهابي بدورية إلى الأرض المحتلة. ها قد حان الوقت، ولن تطول غيبتي إن شاء الله. أثق بصبرك ولن يُقصّر رفاقي معك". ردت الزوجة بعيون ذابلة: "لم أكن لأتردد بموافقتك الرأي لو أن عندي ولدٌ أو أهل! ولو لم تكن صحتي كما ترى!". قالت ذلك وانهمرت دموعها، فاحتضنها متظاهراً التماسك. أمضى أيامه الأخيرة إلى جانبها، ثم غادر متخفياً وزميله ياسر زيادات إلى الأردن. في عمّان استقبلهما قاسم الذي سبقهما إلى هناك قبل شهرين. زودهما بهويتين إسرائيليتين مزورتين، وبمئتين وأربعين ديناراً، وحملهما فؤاد السروجي إلى "مزرعة الملاّحة" المحاذية للنهر. أمضى الفدائيان 23 يوماً في جبال قرية تياسير، ثم نقلهما عمر الحروب إلى الخليل. ظلت الأمور طبيعية في المخبأ الذي جهزه تيسير، حتى انزلقت قدم "عنزة" في باب مغارة تخفيها شجرة عنب. لن يخطر في بال الراعي أن تلك "الدالية" التي يعرفها منذ أعوام تحتضن عرين فدائيين. رفع حجراً محاولاً تخليص عنزته من مأزقها ففوجئ بالمغارة. هبط باحثاً عن "أنتيكة" يتاجر بها. بدلاً من ذلك وجد نفسه في مواجهة اثنين من المسلحين، فراح يهذي بكلام غير مفهوم ظاناً أنهما جنّيان. هدّأ عدنان روعه وأوصاه بحفظ السر. لكن من أذهلته المفاجأة لن يتحمل ثقلها. أخبر والده بما جرى، فهمس له الأب العبقري بلكنة خليلية محاولاً محو صورة الفدائيين من ذهنه: "أبردش عليك! إنت مسدئ إنهم فدائية! يو! منين بدهم ييجو الفدائية لهون؟! هدول يهود يا عمي. عليّ الطلاء يهود. اليهود شياطين! هدول يهود زي ما بؤلك! أبصر شو بعملوا هناكد؟! تجيبش سيرة لحدا زيّ ما بؤلك". رد الولد مرتبكاً: "بس مهم كلاشنات وبحكوا زيّنا". أجاب الوالد بصرامة: "يعني اليهود بعرفوش يحكوا عربي وما عندهمشي كلاشنات؟!". في الليلة التالية فوجئ الفدائيان بشخص يهمس من باب المغارة: "افتحوا، عليكم ألله وامان الله، أنزل ولا تطلعوا؟". كرر الهمس: "ابني راعي الغنم حكالي عنكم، ما تخافوش جاي أخدمكم". همس عدنان وقد تهيأ ورفقه للمواجهة: "انزل".
ساو باولو - رام الله -واثق- وقع الشاعر مراد السوداني ،الأمين العام للاتحاد العام لاتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين في ساو باولو اتفاقية تعاون بين الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين واتحاد كتّاب البرازيل وهو الاتحاد الأقدم والأكثر عراقة من بين المؤسسات الثقافية والاتحادات البرازيلية ، في إطار التبادل الثقافي والتعاون المشترك بين الاتحادين والمشهد الثقافي الفلسطيني والبرازيلي .
تأتي هذه الاتفاقية في خضمّ حرب الإبادة الجماعية، والثقافية على غزة وعموم فلسطين ما يستدعي استقطاب النخب الثقافية والأكاديمية في العالم من أجل دعم القضية الفلسطينية ،وفضح رواية الاحتلال وإيقاف المجازر الوحشية بحق شعبنا وإيصال صوت فلسطين وثقافتها للعالم بما يجسد حضور الثقافة الفلسطينية في الفضاء الكوني .
وحضر التوقيع رئيس اتحاد كتّاب البرازيل الكاتب ريكاردو راموس والأمين العام لاتحاد كتّاب البرازيل الكاتب ريكاردو فرنانديز والمديرة التنفيذية للاتحاد والروائي والأكاديمي والمترجم البرازيلي الكبير ميلتون حاطوم ونخبة من الكتّاب والأدباء والإعلاميين البرازيليين ورئيس اتحاد الجاليات الفلسطينية في البرازيل وليد صالح والمترجم والأكاديمي محمد الجاروش والمترجمةوالإعلامية د. ماريا كارولينا وعدد من فعاليات الجالية الفلسطينية في ساو باولو .
وأكد رئيس اتحاد كتّاب البرازيل ريكاردو في كلمته على أهمية التواصل الثقافي والإبداعي بين اتحاد كتّاب البرازيل واتحاد كتّاب فلسطين في أوقات صعبة ومعقدة تمرّ بها فلسطين اليوم.
واضاف: "أنا اليوم كما ترون ألبس اللون الأسود في إشارة مني للحداد وإعلان الموقف مما يحدث في فلسطين من مجازر وحشية ودمار غير مسبوق، فما يحدث في غزة من دمار وموت ووحشية يفوق الخيال ، ونحن ككتّاب أحرار في البرازيل من خلال اتحاد كتّابنا نرفع الصوت عالياً لوقف الإجرام والقتل الوحشي ونطالب بوقف حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني ، ولا يمكن أن يبقى العالم صامتًا أمام رعب ما يحدث من دمار وتجويع وحصار وإلغاء بحق الشعب الفلسطيني،
إننا نرى الموت على الشاشات ولا أحد يتكلم ، في البرازيل هناك دعاية إعلامية كاذبة يروج لها الاحتلال الإسرائيلي من خلال تحكمه بوسائل الإعلام وعلينا أن نكشف الحقيقة وأن يصل صوت فلسطين للبرازيل والعالم .
وقال: من خلال اتفاقية التعاون هذه نستطيع أن نسمع صوت الكتّاب الفلسطينيين ونعمم الحقيقية ونواجه الدعاية الكاذبة للاحتلال ، لذلك بدأنا بترجمة السردية الفلسطينية لكتاب وأدباء غزة ، وهذا سيتيح لنا أن نعرف من خلال الأدب حجم الوجع الذي يتعرض له الكتّاب في غزة وهم يواجهون يوميًا الموت والوحشية والقتل بكل الأساليب في ظل انعدام مقومات الحياة ، فالثقافة جسر للتواصل والكاتب ضمير وله رسالة وعلى ضمير الكتّاب في العالم أن يظل صاحياً من أجل فلسطين وعدالة قضيتها .
كما قال: وسنواصل الفعل الثقافي المشترك بالتعريف بالأدب الفلسطيني واستضافة كتّاب وأدباء فلسطين للتعرف أكثر إلى إبداعهم والتعريف بالأدب الفلسطيني ومعاناة فلسطين".
بدوره أكد السوداني على أهمية توقيع هذه الاتفاقية باعتبارها خارطة طريق ثقافية بين الاتحادين لإنفاذ المشاريع المشتركة وتحقيق تواصل وتبادل ثقافي وترجمات عكسية بدأت بينهما .
مضيفاً: فلسطين طروادة جديدة تتعرض للإبادة الجماعية والثقافية وغزة يتم اغتيالها يوميا بكل أنواع أسلحة الدمار والقتل ، والضفة الغربية تتعرض لاستباحة غير مسبوقة حيث تم تهجير ما يزيد على خمسين ألفاً في مخيم جنين وطولكرم ، وتم إغلاق خمس مدارس تابعة للأونروا في القدس ويتم تهويد القدس وتهجير أهلها .
وكتّاب غزة ما زالوا يقاومون بإبداعهم ويصلون بإبداعهم المقاوم إلى العالم ويفضح أدبهم رواية وأكاذيب الاحتلال ، إنها الحرية بالإبداع والمقاومة بالكتابة في ظل الموت والقهر والحصار .
ونوه السوداني بأهمية ترجمة الأدب الفلسطيني وتحديداً للكتّاب والأدباء في غزة لنقل الصورة الحقيقية لما يجري على الأرض فالأدب هو الحامل الحقيقي للحقيقية، حتى يدرك العالم الصامت حجم الأهوال التي يتعرض لها شعبنا فقد قتل الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد على ٤٧ كاتباً وفنانا ًومنهم من بقي تحت الأنقاض حتى اللحظة مثل الشاعر سليم النفار وعائلته .
واغتال ما يزيد على مائة مفكر ورئيس جامعة وأكاديمياً في غزة وما زالوا مستمرين في حرب الإبادة وتهجير أهلنا في غزة بكل الوسائل والطرق.
إنهم يغتالون وعي وثقافة فلسطين عن سبق إصرار وترصد ولكن كتّاب فلسطين صامدون ويصل صوتهم للعالم ويواجه زيف الاحتلال وروايته المضللة .
وقال السوداني: نحن ندعوكم لزيارة فلسطين لأن من رأى ليس كمن سمع ونحن بدورنا سنقوم بترجمة نصوص لكتّاب برازيليين للعربية تعريفاً بالمشهد الثقافي البرازيلي في فلسطين وتحقيق تواصل ثقافي فاعل بين الاتحادين .
ودعا السوداني خلال كلمته اتحاد كتّاب البرازيل للانضمام للجبهة الثقافية العالمية لأجل فلسطين حتى يتوحد مثقفو العالم من أجل فلسطين قضيةعادلة وثقافة راسخة مقاومة ،لأن فلسطين لا تدافع عن حريتها ، بل عن الحرية في العالم .
كما أشار السوداني إلى ضرورة تأسيس رابطة البريكس الثقافية تأكيداً على دور الثقافة في مواجهة الغزو الفكري والتحديات الداهمة .
وبعد توقيع الاتفاقية كرم السوداني رئيس اتحاد كتّاب البرازيل والأمين العام للاتحاد
أمين معلوف وأمبرتو إيكو ، هما كاتبان عالميان بارزان، اشتهرا بأعمالهما الأدبية والفكرية التي تجمع بين التاريخ والثقافة والفلسفة. على الرغم من أن كلاهما يتمتع بأسلوب متميز وخلفية ثقافية مختلفة، إلا أن هناك نقاط تقاطع وتباين تجعل المقارنة بينهما مثيرة للاهتمام. فيما يلي تحليل مقارن يركز على حياتهما، أعمالهما، وأساليبهما الأدبية.
1. الخلفية الثقافية والشخصية
أمين معلوف: ولد في بيروت عام 1949 لعائلة لبنانية ذات جذور متنوعة (مسيحية وشرقية)، وعمل كصحفي قبل أن يصبح كاتبًا روائيًا. انتقل إلى فرنسا عام 1976 حيث أصبح كاتبًا فرنسيًا باللغة الفرنسية. يعكس عمله هويته الهجينة واهتمامه بالتاريخ العربي والشرقي والعلاقات بين الشرق والغرب.
أمبرتو إيكو: ولد في إيطاليا عام 1932 وعاش حتى 2016، وكان عالم سيميائيات وفيلسوفًا قبل أن يصبح روائيًا. عمل أستاذا جامعيًا واشتهر باهتماماته العميقة في الفلسفة الوسطي ونظرية التأويل. كان عمله مزيجًا من الأكاديمية والأدب الشعبي.
2. الأعمال الأدبية :
أمين معلوف: اشتهر بالكتابة التاريخية مثل : (الحروب الصليبية كما رآها العرب) (1983).. عرض تاريخي، التي تروي قصة حرب الصليبيين من منظور عربي، و"سمرقند" (1988)، التي تستعرض تاريخ عمر الخيام. تركز أعماله على الصراعات الثقافية والتاريخية مع لمسة إنسانية، وغالبًا ما تكون شخصياته عاكسة لتعدد الهويات.
أمبرتو إيكو: اشتهر برواية "اسم الوردة" (1980)، وهي عمل يجمع بين الغموض والتحليل الفلسفي في إطار دير وسطوي، و"بندول فوكو" (1988)، التي تستكشف النظريات المؤامراتية. أعماله غنية بالإشارات الأدبية والفلسفية، وتتطلب من القارئ خلفية معرفية لفهم الرموز.
3. الأسلوب الأدبي :
أمين معلوف: يتميز بأسلوب سلس وقصصي، يجمع بين الرواية التاريخية والسرد الشخصي. يركز على تقديم الشخصيات بطريقة تجعلها قريبة من القارئ، مع لغة بسيطة نسبيًا تجذب القراء العامين والمتخصصين على حد سواء.
أمبرتو إيكو: أسلوبه معقد ومليء بالتفاصيل الأكاديمية، حيث يدمج بين السرد والتحليل الفكري. كتاباته غالبًا ما تكون تحديًا فكريًا، موجهة للقراء ذوي الاهتمام بالفلسفة والسيميائيات.
4. الموضوعات المشتركة :
كلاهما يهتمان بالتاريخ كمصدر لفهم الواقع الحالي. معلوف يركز على التفاعل بين الثقافات، بينما يركز إيكو على التأويل والمعرفة في سياقات تاريخية.
كلاهما يستخدمان الرواية كأداة لاستكشاف قضايا فلسفية وثقافية، مثل الهوية والسلطة والمعرفة.
5. التباينات :
الجمهور المستهدف: معلوف يكتب لجمهور أوسع يبحث عن القصص التاريخية الممتعة، بينما يستهدف إيكو القراء المهتمين بالتحليل العميق والفكري.
اللغة والثقافة: معلوف يكتب بالفرنسية مع جذور شرقية، بينما إيكو يكتب بالإيطالية مع تركيز أوروبي وسطوي.
النهج: معلوف يعتمد على السرد التاريخي الخيالي، بينما إيكو يمزج بين الخيال والفكر الأكاديمي.
6. الإرث :
أمين معلوف: يُعتبر صوتًا للشرق في الأدب الغربي، حيث ساهم في تعزيز الوعي بتاريخ الشرق الأوسط من خلال رواياته، وفاز بجوائز مثل جائزة غونكور.
أمبرتو إيكو: ترك إرثًا أكاديميًا وأدبيًا هائلاً، حيث أثر في دراسات السيميائيات والأدب، وأصبح "اسم الوردة" من أشهر الروايات العالمية.
الخلاصة
أمِينُ مَعْلُوفَ وأُمْبِرْتُو إِيكُو، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ خَلْفِيَّاتِهِمَا وَأَسَالِيبِهِمَا، يَشْتَرِكَانِ فِي شَغَفِهِمَا بِالتَّارِيخِ وَالثَّقَافَةِ كَمِرْآةٍ لِلإِنْسَانِيَّةِ. يُقَدِّمُ مَعْلُوفُ رُؤْيَةً إِنْسَانِيَّةً وَعَاطِفِيَّةً تُرَكِّزُ عَلَى الصِّرَاعَاتِ الثَّقَافِيَّةِ، بَيْنَمَا يُقَدِّمُ إِيكُو رُؤْيَةً فِكْرِيَّةً مُعَقَّدَةً تُرَكِّزُ عَلَى التَّأْوِيلِ وَالمَعْرِفَةِ.
اِخْتِيَارُ القَارِئِ بَيْنَهُمَا يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْضِيلِهِ: القِصَصِ التَّارِيخِيَّةِ الجَذَّابَةِ (مَعْلُوف) أَوِ الأَعْمَالِ الفِكْرِيَّةِ العَمِيقَةِ (إِيكُو).
وَقَدْ كَانَا صَدِيقَيْنِ حَمِيمَيْنِ جِدًّا، كَمَا قَالَ إِيكُو فِي حِوَارِهِ مَعَ جُمَانَةَ حَدَّاد.
* عن مجموعة " الثقافة مقاومة " - الكاتبة مريم اللبدي
باريس-كنت من الذين رفضوا استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" لوصف الحرب في غزة، ولكن التطورات الأخيرة على الأرض لا تترك مجالا للشك حول الطبيعة الحقيقية للنوايا والأفعال التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية.
هذا ما لخص به الكاتب الصحفي ورئيس التحرير السابق للمجلة الشهرية "البدائل الاقتصادية"، غيوم دوفال، موقفه الجديد مما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة، وذلك في مقال رأي له بمجلة لوبس الفرنسية.
لقد انتهكت الحكومة الإسرائيلية من جانب واحد الهدنة التي تم توقيعها برعاية الرئيس جو بايدن وقامت باستئناف الحرب والقصف، معرضة حياة الرهائن المتبقين للخطر ومتسببة، مرة أخرى، في مقتل الآلاف من المدنيين الإضافيين، بما في ذلك الكثير من الأطفال.
وأبرز دوفال أن إسرائيل لم تتوقف عند هذا الحد، بل فرضت حصارا كاملا على القطاع منذ أكثر من شهر، ومنعت دخول أي مواد غذائية أو وقود أو مياه أو كهرباء أو أدوية إلى غزة، مما يعني أن المجاعة لم تعد منتشرة في جميع أنحاء القطاع فحسب، بل هناك أيضا نقص في مياه الشرب والقدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.
(أ) قتل أعضاء مجموعة معينة.
(ب) إلحاق ضرر جسيم بالسلامة البدنية أو العقلية لأعضاء المجموعة.
(ج) فرض ظروف معيشية متعمدة على تلك المجموعة من شأنها أن تؤدي إلى تدميرها المادي كليا أو جزئيا.
(د) فرض تدابير تفضي إلى منع الولادات داخل المجموعة.
(هـ) النقل القسري للأطفال من المجموعة إلى مجموعة أخرى".
وأردف دوفال قائلا: "أمام هذه القفزة النوعية الكبرى في فظاعة السياسة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، بمباركة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن استمرار تقاعس الاتحاد الأوروبي يصبح، بما في الكلمة من معنى، عملا إجراميا. ولكن على النقيض من هذا الوعي، اعتبرت كايا كالاس، الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، أنه من الضروري تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأسابيع الأخيرة، في حين انتقدت الموقف الذي كان سلفها جوزيب بوريل قد اتخذه إزاء نتنياهو".
وانتقد دوفال، الذي تولى كذلك كتابة خطابات الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية جوزيب بوريل دول الاتحاد الأوروبي، قائلا إن "سلبية الزعماء الأوروبيين في مواجهة تصرفات حكومة نتنياهو لا يمكن أن توصف بأي شيء آخر غير التواطؤ النشط في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية".
* ينشر " واثق" هذا المقال عن صفحة الاستاذ ياسين خذايرية يستعرض فيه رؤية هيغل وماركس للجدلية وعلاقتها بتحولات الفكر الحديث . فيما يلي نص المقال :
على امتداد تاريخ الفلسفة، تنامت فكرة الجدلية (أو الديالكتيك) من منهج حواريّ بسيط لدى سقراط، إلى نظام تفسيريّ واسع لدى فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو. ولكن النقلة الكبرى حدثت مع حلول العصر الحديث، ولاسيما في الفلسفة الألمانية عند إيمانويل كانط، مرورًا بقمة تطوّرها في فكر جورج فيلهلم فريدريش هيغل، ووصولًا إلى توظيفها المادي والاجتماعي لدى كارل ماركس. يأتي سؤالُنا هنا: كيف تحولت الجدلية من نسق ميتافيزيقيّ أو منطقٍ فكريّ إلى أداة لتفسير الواقع الاقتصادي والتاريخي؟ في هذا المقال، نتوقّف عند رؤية هيغل للجدلية بوصفها حركة وجود وتاريخ، ثم رؤية ماركس في قلب الظواهر الاجتماعية والصراعات الطبقية.
1. هيغل: الجدلية بوصفها منطق الوجود والتاريخ :
عقب الثورة النقدية التي دشنها كانط في كتابه نقد العقل المحض، وجد الفلاسفة الألمان أنفسهم أمام سؤال عميق: ما حدود العقل البشري في إدراك الأشياء "كما هي في ذاتها"؟ وهل يمكن تجاوز انتقادات كانط للميتافيزيقا؟
من هنا انطلق هيغل (1770-1831) ليقدم رؤية جديدة تفيد بأن العقل والواقع ليسا منفصلين انفصالًا تامًّا كما قد يوحي بذلك كانط، بل هما يتحركان ويتطوران بوساطة التناقضات الداخلية. أوضح هيغل في كتابه علم المنطق وفي مؤلفاته اللاحقة أن كل مفهوم أو ظاهرة تحمل تناقضها في داخلها، وهذا ما يدفعها إلى التغير والتطور، فتنتقل من حالة إلى أخرى.
1.1 الثلاثية الهيغلية :
اشتهرت الجدلية الهيغلية بصياغتها الثلاثية: الطرح (These)، النفي (Antithese)، ثمّ نفي النفي (Synthese). قد يبدو الأمر في البداية تقنيًّا، لكنّه يُلخّص نظرة هيغل إلى صيرورة الوجود:
- الطرح يمثل نقطة الانطلاق أو الفكرة الأولية.
- النفي هو الذي يكشف التناقض الكامن أو المعارضة المحتملة داخل تلك الفكرة، فيهدم جزءًا ممّا سبق أو يضعه موضع تساؤل.
- نفي النفي يمثل مستوى أرقى وأوسع يدمج إيجابيات الطرح والنفي، دون إلغاء الصراع كليًا بل بـ"رفعه" (Aufhebung) إلى مستوى أعلى.
- 2.1 أمثلة على جدلية هيغل
في تناوله لفكرة "الوجود الخالص" (Pure Being)، لاحظ هيغل أنها مجردة بدرجة تحوّلها إلى "عدم" (Nothing)، ومن خلال هذا التلاقي الجدلي ينشأ مفهوم "الصيرورة" (Becoming). وبرأيه، يمكن تعميم هذا النمط على الفكر والتاريخ؛ إذ يتجلى التاريخ بوصفه حركة واعية تولد نفسها باستمرار، وصولًا إلى مستويات أعلى من الحرية والإدراك.
ينعكس هذا بوضوح في نظريته عن جدلية السيد والعبد كما عرضها في ظاهريات الروح؛ إذ يبدأ الصراع بين طرفين غير متكافئين، لكنّ هذا التناقض يولّد وعيًا جديدًا لدى العبد قد يقلب المعادلة الاجتماعية لاحقًا. بالنسبة لهيغل، التاريخ نفسه يعمل وفق هذه الحركة التناقضية التي ترمي إلى الحرية المطلقة في نهاية المطاف.
3.1 الروح المطلقة أو "روح العالم" :
لا يتوقّف هيغل عند صراع الآراء الخارجية؛ فجدليته ترتبط بجوهر كل شيء، من الأفكار إلى الظواهر الطبيعية، لأنها قائمة على الصيرورة المتواصلة. وهنا يظهر مفهومه عن "الروح المطلقة" (Geist) التي تتجلى عبر تلك الصراعات، وتتجاوز كل مرحلة لتندفع إلى مرحلة أرقى. وهذا يعني أن الواقع نفسه ليس ثابتًا، بل يتطوَّر نتيجة للجدل الداخلي بين التناقضات.
هكذا منح هيغل الجدلية بعدًا شاملًا، فهي ليست مجرد "حوار" كما كان الحال لدى أفلاطون وسقراط، بل منطق يحكم الوجود والفكر والتاريخ كله. وبذلك اصبح مفهوم الجدلية محورًا لرؤية شاملة تدمج العقل (الفكرة) والواقع في حركة واحدة.
2. كارل ماركس: المادية الجدلية والانتقال إلى حقل المجتمع والتاريخ :
لم يكن ماركس (1818-1883) معجبًا بهيغل فحسب، بل تتلمذ بالفعل على أعماله في شبابه. لكنه سرعان ما اكتشف ما اعتبره "قلبًا للجدلية على رأسها" لدى هيغل، لأن الأخير رأى أن الأفكار (أو الروح المطلقة) هي التي تحدد مسار العالم. في المقابل، رأى ماركس أن الفكرة يجب أن تُعاد إلى موطنها الحقيقي في المادة وفي حياة البشر الفعلية.
1.2 قلب الجدلية على قدميها :
اشتهرت عبارة ماركس بأنّه "أعاد هيغل من الوقوف على رأسه إلى الوقوف على قدميه". فما قصده هو أنّ العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الإنتاج المادي، تسبق الأفكار وتشكل أساسها. فإذا كانت روح العالم لدى هيغل هي العنصر المحرك للتاريخ، فإن "قوى الإنتاج" لدى ماركس هي القاطرة الفعلية التي تقود عجلة التغيير.
2.2 صراع الطبقات: تطبيق الجدلية في الواقع الاجتماعي :
في مشروعه الفكري، ولا سيما في كتاب مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي (1859)، يشرح ماركس نظريته عن "التفسير المادي للتاريخ". يرى أن الناس يقعون في شبكة من العلاقات الاقتصادية تحدد مواقعهم الطبقية، كما تحدد شكل مؤسساتهم وأفكارهم.
ينتج عن ذلك صراع جدلي بين الطبقات؛ فهناك طبقة تملك وسائل الإنتاج (البرجوازية في المجتمع الرأسمالي)، وأخرى تضطر لبيع قوة عملها (البروليتاريا). تتولد تناقضات عدة من هذا الوضع، على رأسها الاستغلال الاقتصادي. وهذا ما يعمق التوتر الاجتماعي، إلى حد يقود في النهاية إلى ثورة تتجاوز النظام القائم، وتُولِّد نظامًا جديدًا أكثر تطوّرًا (مثل الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، ثمّ الاشتراكية).
هنا تكون الجدلية أداةً لتحليل حركة المجتمع الفعلية، لا لحركة العقل المجردة. وهكذا تتجلّى "المادية الجدلية" كمنهج يربط الأفكار بمصالح الناس، والوعي بالوجود المادي.
3.2 الفكر والثورة :
لا تقتصر جدلية ماركس على وصفٍ اجتماعي بارد؛ إذ تؤدّي إلى نتائج ثورية. ففي البيان الشيوعي (1848) الذي كتبه مع فريدريك إنجلز، يقول صراحة: "إنّ تاريخ كلّ المجتمعات السابقة هو تاريخ صراع الطبقات." ومع تطوّر هذا الصراع، يصبح التغيير الجذري مسألة حتمية، لأنّ تراكم التناقضات سيطيح بالشكل السائد للإنتاج والعلاقات الاجتماعية، ممهّدًا لمرحلة تالية.
بهذا المنظور، يتبدل دور الجدلية من مجرد نسق فكري مثير للعقل، إلى قوّة معرفية تستشرف المستقبل الثوري؛ إنها ليست جدلية تكتفي بتوصيف الواقع، بل تسعى إلى تغييره جذريًّا.
3. مقارنة: جدلية الفكرة والواقع :
رغم أنّ ماركس استفاد من هيغل، فإنّهما يختلفان جذريًا في موضوع "مَن يتحكّم في حركة التاريخ؟" هل هي "الأفكار" (أو الروح المطلقة)، أم "المادة" (أو الواقع الاقتصادي)؟
لدى هيغل، فإنّ التاريخ يرتقي بالتناقضات وصولًا إلى وعيٍ أعلى، وأساس حركته يأتي من التطوّر الداخلي للفكرة.
لدى ماركس، الطبقات في صراع مستمر بسبب المصالح الاقتصادية، وهذا الصراع العملي في الواقع المادي هو الذي يولِّد التحولات على صعيد الأفكار والنظم الاجتماعية.
ومع ذلك، يبقى القاسم المشترك هو اقتناع كلٍّ منهما بأن التناقض هو جوهر الحركة والتطور. تلك الرؤية الجدلية وحدها، في نظرهما، تكشف جذور التغيير في طبيعة أي ظاهرة. إنها نظرة ترفض الجمود وتُقِر بالصيرورة والصراع الداخلي.
4. أثر هيغل وماركس في تطور الجدلية :
يرى بعض الدارسين أن هيغل هو المحطة الكبرى التي جمعت شتات الجدلية القديمة (من هيراقليطس وأفلاطون وأرسطو وغيرهم) وصاغتها في نظامٍ فلسفي شامل يفسر الواقع بوصفه صيرورة مستمرة. ومن ثم جاء ماركس ليعيد صياغة هذا النظام في ضوء المادة والتاريخ الاجتماعي، فحول الجدلية من أداة للتأمل الميتافيزيقي إلى أداة لتغيير العالم.
ليس هيغل سهلًا على الفهم لأسلوبه الاصطلاحي المعقّد، كما أنّ ماركس تعرّض بدوره لتأويلات متباينة، بين مَن يراه فيلسوفًا مثاليًّا إلى حد ما، ومن يعده مادّيًا ثوريًّا محضًا. لكنهما معًا أسهما في بلورة فكرة كبرى تنص على أن الواقع هو وحدة متناقضة، ومَن أراد فهمه أو تغييره فعليه أن يدرس صراع الأضداد في العمق.
5. منطق الجدلية بين روح العالم وواقع المجتمع :
تُجسِّد جدلية هيغل وماركس انتقالًا فارقًا في مسار الفكر، إذ لم تعد الجدلية مجرد حوار أو أسلوب للكشف عن الأخطاء، بل أصبحت "منطقًا" يسري في الكينونة نفسها (عند هيغل)، و"سلاحًا" في خدمة التغيير الاجتماعي (عند ماركس). ومن خلال إدراك هذه التحولات، نفهم بشكلٍ أوسع معنى أن تكون الحركة الديالكتيكية متأصّلة في الظواهر، وأنها ليست حدثًا ذهنيًّا فقط.
بالطبع، أثار هذا التناول صدى واسعًا في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ ففلاسفة ومفكرون كُثر استفادوا من النطاق الهيغلي-الماركسي، إما باستكمال النهج الماديّ، أو بنقده والسعي إلى إعادة ربط الجدلية بمنظوراتٍ أخرى (كفلسفات الوجودية أو البنيوية أو حتى ما بعد الحداثة). ومع ذلك، يبقى اسم هيغل وماركس مرتبطًا بميلاد الجدلية الحديثة بأشكالها المتعددة.
في الخلاصة ممكن القول أن استيعاب مقاربتَيهما هو استيعاب لروح عصر آمن بأنّ الحقيقة تكمن في التطور والصراع، لا في الثبات والجمود. وإذا كانت هذه الرؤية قد وجدت معارضةً قوية واحتفاءً صاخبًا، فإنّ مردّ ذلك إلى عمق ما تمسه الجدلية من إشكالات تتعلق بطبيعة الواقع، وسلطة الفكرة، ودينامية المجتمع. هكذا غدت الجدلية، عبر هيغل وماركس، إحدى أكثر الأدوات الفكرية انتشارًا وتأثيرًا في فهم التحولات الكبرى التي شهدها العالم الحديث.
شعر : ملاك الريماوي
تعال ..
نحتسي فنجان رحلة
على شرفة غرفة من نحاس
تعال نسقيها
ونتمرن على نكهة القمر
نعانق الليل
ونشرب أنخاب لحظة
لنكبة نرتديها ..
تعال ..
نقلب الأزمنة
ونحتفظ بحرف التأمل
كي ننثر المدى
ونحفر في غيمة
حتى أحتسي وجهك
وأشرب ملامحك ..
تعال ..
نسكن قصر اللوعة
نعانقها
في كل ظلمة عرجاء
تعال نمضي
وألى البحر نمضي
في بودقة الرأس
ندخل في اتساع أعمى ..
تعال كالهوى
إذا اشتريت
تجاعيد السنين
رميت في وجهها
ما تبقى من ضوء
وما تبقى من حلة ناعسة
تترقب مني الدوى ..!!
الكاتب : زياد خداش
مقهيان ــ مطعمان ــ متقابلان وجهاً لوجه، يفصل بينهما شارع، بالقرب من سرية رام الله، أحدهما اسمه (زمن) والآخراسمه (الـمنسي)، (لاحظوا دلالات الأسماء)، أمر عليهما مساء كل يوم تقريباً، فأذهل من تجاورهما (غير الـمفكر فيه) الهادئ والصامت والحضاري، رغم اختلاف بنيتهما الفكرية والشكلية، وطبيعة روادهما وموسيقاهما. زمن للشباب والشابات طلابا ثانويين وجامعيين وموظفين وفنانين، الـمنسي للرجال الكهول أربعينيين وخمسينيين وستينيين وسبعينيين، يقدم (زمن) أحدث وأغرب الـمأكولات والحلويات، ويسمع مرتادوه موسيقى حديثة جداً، بينما يقدم (الـمنسي) الكباب والنرجيلة ويسمع مرتادوه أم كلثوم غالبا.
أثناء مروري السريع من الشارع الذي يفصل بينهما، أكاد أقع مغشياً
من الإثارة حين أسمع موسيقى أغاني أم كلثوم تتداخل مع موسيقى حديثة لأغنية أجنبية أو عربية حديثة، أمضي وقتي أثناء رياضتي مشياً سريعاً في حي الطيرة بالتفكير بهذا الجدل الصامت بين رؤيتين للحياة والإنسان، رؤية النارجيلة والكباب وأم كلثوم والرجال الصامتين الغامضين ورؤية موسيقى البوب والجاز وعمرو ذياب والشبان الصارخين والضاحكين، أعشق تجاور التناقضات، واتفاقهما الصامت على حق كل منهما في الوجود، أصاب بالعجز عن الكلام ابتهاجاً وأنا أشاهد رجل دين يلعب الزهر في مقهى شعبي مع آخر علـماني، الحياة الـمدينية الـمعاصرة تستوعب كل شيء، إحدى علامات التمدن هي تجاور الـمتناقضات واعترافها ببعضها البعض، التشابه قتل وموت، وخواء، كيف تتطور أمة تشبه ذاتها؟ تخيلوا مدينة كل سكانها نسخ عن بعضهم البعض، هذا لا يتضارب مع الهوية العامة للبلد، بالعكس تماماً فالتنوع الداخلي يعمق ويثري هذه الهوية.
أحب هذا الشارع، بكل كثافته الشبابية الحركية وطاقته الجسدية ودلالاته الرمزية، أحبه لأنه يأخذني إلى أطراف يافا، حيث أقف عند دوار مطعم شقيرة الـمغلق آخر شارع الطيرة، فتبدو مدينتي الـمخطوفة الـمحطمة أمامي متمددة باستسلام مشع على مصراعي جسمها اللامع، أقف هناك وأتذكر ما قرأته وما قاله لي جدي عن يافا من عمق تاريخي كبير وتنوع ثقافي عظيم، مدينة حقيقية عصرية كانت موجودة بقوة الاختلاف واصرار التنوع قبل أن يدهمها غزاة يؤمنون بالتشابه القاتل، من شارع صغير في الطيرة إلى ظلال مدينة فلسطينية كبيرة أواصل مشيي شبه الراكض مساء كل يوم بحثاً عن حمية روحي الـمليئة بالشحوم. وزهوا وفرحاً لرؤية ما لا يراه الكثيرون في زحام ضغوط حياتهم، (زمن والـمنسي)، درس في الاختلاف، درس في قوة تحمل أصوات الآخرين، بثقافتهم الاخرى ومزاجهم الـمغاير، يسمع العشاق في (زمن) صوت النارجيلة ويشاهدون دخانها يكاد يصل زجاج مقهاهم، فيبتسمون، ويقولون : هؤلاء هم آباؤنا، يرى ويسمع كهول (الـمنسي) صخب الشبان والشابات، فيبتسمون، ويقولون لبعضهم البعض: هؤلاء هم أبناؤنا، رام الله تعطينا سببا اضافيا لحب جديد لها، التنوع، وتجاور الـمتعدد.
يا فلسطين الـمتنوعة تعالي لنكون اجمل بك وتكونين اجمل بنا.
الكاتب : المتوكل طه
سنكتشف،بدهشةٍ،وجهاً جديداً،ضاحكاً بسخريةٍ مريرةٍ،لواحدٍ من رموز أدبنا الفلسطيني،وهو غسان كنفاني،الذي يعدّ من أوائل المؤصّلين،بوعي عميق مختلف،لغير مكوّنٍ في حراكنا الابداعي،من رواية وقصة ومسرح،مروراً بقراءة التاريخ وسبر غور الظواهر الأدبية والوطنية،وصولاً إلى المقالة والخطاب الميداني،عداك عن دوره القياديّ المحوري في العمل المقاوِم المباشر،الذي عرّضه للاغتيال من قبل الاحتلال الصهيوني.واعتُبر غسان،لهذا كلّه،أيقونةً للخَلْق والتجلّي والثورة،التي أرهص لها وبشّر بها،وواكبها،وكان حاديها الأبرز والأكثر سطوعاً،بقلمه ودمه.غير أننا عرفنا غسان أديباً وفدائياً،طبّق الآفاق،لكننا لم نتعرّف على جانبٍ مُشعٍ من تجربته؛وهي تلك المقالات التي كتبها منذ العام 1965 إلى العام 1972،في غير جريدة لبنانية.
"فارس فارس" مقالات من ديناميت،ألقاها غسان في أحضان المتلقّين،ليفزّوا من رتابتهم الكسولة،وينتبهوا..متّخذاً السخرية مركباً ليشقّ عباب الساكن،وليحرّك الجوارح،ويدفع العقل إلى الانتباه الواجب.وأرى أن الحياة هي المفارقة الأولى والأخيرة،وفي قلب المفارقة تشعّ السخرية بمرارة وفكاهة وجنون،أي أن السخرية هي روح المفارقة وشرايينها ونسغها.والمقصود بالسخرية هنا ما يدعو إلى التعجّب أو الذهول أو المفارقة أو الضحك أو المفاجأة أو الاستخفاف أو التعرية والتشهير.
وأعتقد أن السخرية هي "أدب" العامة.أما المفارقة،فهي "أدب" الخاصّة أكثر من العامة من الناس،وهذا ما يوضح طغيان السخرية وانتشارها،في حين أن المفارقة لا تشيع شيوع السخرية والنكتة والفكاهة.
والسخرية أداة مقاومة شعبية ثقافية ضد القمع والاضطهاد والقهر الاجتماعي والسياسي وتصبح –كفنٍّ شعبي– أكثر إضاءة في وجدان الجماهير،وأكثر تفجّراً لمعاناتها وشقائها وأحلامها المقتولة.
وتتقاطع السخرية والفكاهة في إثارة الضحك.لكن (ضحك) السخرية خشن ومرّ ولاذع ومتشفٍ،في حين أن (ضحك) الفكاهة صافٍ ناعمٌ متعالٍ،لأن السخرية فنّ يختلف عن الفكاهة اختلافاً جوهرياً، فالسخرية تهدف إلى المواجهة والتعبئة والتغيير،في حين "تترفّع" الفكاهة لتبقى عمق الموقف الرسمي "الأرستقراطي"، فالنكتة بالنسبة للحاكم أو لرأس أيّ بنية اجتماعية ثرية أو متسلّطة،لا تعدو كونها وسيلة ترفيه وترويح عن النفس الغاصِبة المستبدّة،عدا أنّ الطبقات (العليا المُرفّهة) جعلت من الطبقات (الدنيا الفقيرة) مادة نكاتهم ولهوهم،بل تعدّوا ذلك بأن سمعنا عن عدد من الأمراء والحكّام الذين استعانوا (ببهلوان) في قصورهم بهدف اللهو والهزل والمجون.ولهذا قام الفقراء والمسحوقون بالردّ على فكاهة القصور بسخرية الجوع والقهر والاضطهاد والانتقام.إن ضحك "الضحية" بذلك يختلف جذرياً عن ضحك "الجلاد".فالضحية تقاوم وتعبئ ضحكتها بمضامين التمرد والتململ والثورة،فيما يكرس الجلّاد حالة اللهو فحسب،ومن هنا وُلدت السخرية السياسية والكاريكاتور ضد الحكام والسلاطين ورموز القهر والتجويع،وامتدت السخرية لتتناول كل مصادر الاضطهاد والخلل والقمع والإذلال،وبدت كأنها الضحك الأسود،ووسيلة المغلوب على أمره،وسلاحه الممكن الذي يوظّفه ضد خصومه.
وأرى أن غسان كان على بيّنة وإدراك للسخرية،وخصوصا أنه الداعي إلى نقل فنّ السخريّة العربي المعاصر من تخوم التّهريج إلى مستوى النَّقد السِّياسي والاجتماعي والفلسفي.كما أنه الذي قرر بأن الأدب السَّاخر ليس تسلية،وليس تزجيةً للوقت ولكنَّه درجة عالية في النَّقد،وكان على المؤلّف أن يقدّمه كضرورة.. فالسّخريَّة الهدَّامة سهلة بالمقارنة مع السّخريَّة البنّاءة،فالأخيرة تحتاج إلى وعيٍ أعمق وثقافة أوسع ومقدرة أكبر على فهم روح القارئ لا وعيه ونفسيَّته،لهذا يقول كنفاني:إنَّنا في الحقيقة شعب ضاحك،لدينا مقاييس عسيرة للنكتة،أساتذتها في الواقع!ولذلك فإنَّ مهمَّة الكاتب السَّاخر هي أن يعي هذه الحقيقة ويظلّ في مستواها،بل متقدّماً عنها.ثمَّ إنَّ السّخريَّة ليست تنكيتاً ساذجاً على مظاهر الأشياء،ولكنَّها تشبه نوعاً خاصّاً من التَّحليل العميق.إنَّ الفارق بين النكتجي وبين الكاتب السَّاخر يشابه الفارق بين الحنطور والطَّائرة،وإذا لم يكن للكاتب السَّاخر نظريّة فكريَّة فإنَّه يضحي مهرِّجاً.ثمَّ إنَّ السخريّة ليست في إيراد التَّعبيرات المضحكة ولكن في الأسلوب الذي يشعر المرء،من الأوَّل إلى النِّهاية،بكرباج الابتسامة الجارحة يعمل في الموضوع نقداً عميقاً،وكي يستطيع الكاتب أن ينقد بسخريّة فإنَّه أوّلاً يجب أن يمتلك تصوّراً لما هو أفضل،أو لما كان يجب أن يكون.
إنَّ السخريّة تعطي،عن طريق الضَّحك،نقداً يلخّص المشكلة بأفضل من مليون مقال،ويعطي فكرة عنها من الأوَّل إلى الآخر،وهي أقرب ما تكون إلى التَّحليل والاكتشاف منها إلى تركيب المقالة.
ويوضح غسان بأنَّ الجملة السَّاخرة الأفضل هي الجملة التي يبذل فيها جهد أكثر،فالسخريَّة ليست مثل المنشور الحزبي،لأنَّه حيثيَّات وشروح وشعارات ومليء بالكلام الذي قيل سابقاً،ولكنَّه من النَّوع المختصر الّذي ينفجر مثل القنبلة،فيهزّ القارئ ويفاجِئُهُ ويحرِّك في رأسه الرَّاكد عشرات من الصُّور والتخيّلات.
وأعتقد أن غسان كنفاني واصل مسيرة الشاعر ابراهيم طوقان،صاحب أول مفارقة وسخرية،في الأدب الفلسطيني المعاصر قبل النكبة،وبهذا فغسان وريث طوقان،وقد ترسّم خطاه في هذا البرّ الشائك،الساخط على السماسرة والصحافة الصفراء والقيادات الخائنة والقول السخيف.بمعنى أن طوقان هو أول مَن قدح شرارة السخرية والمفارقة،بل والثنائيات في القصيدة،فضلا عن أنه أول مَن خلَّق ترابيّة المقاومة في الشِعر الفلسطيني الحديث.ويعتبر غسان القنطرة التي حملت السخرية على متنها لتصل بها إلى تخوم جديدة واعدة. أما على المستوى العالمي فثمة عزيز نيسين،التركيّ الساخر الفريد من نوعه،والذي ضخّ السخرية في جسد نصّه القصصي،حتى بدا وكأنه مصقول ومحمول على المفارقة وفائضا بها.وثمة جورج برنارد شو الكاتب الإيرلندي،الذي أرى أن ثمة خيطا ذهبيا يربطه مع غسان كنفاني؛فكلاهما ساحَ في غير موضوع،وكانا ناقدين مسرحيين وأديبين ساخرين،ثم أن كليهما كان من دعاة الإشتراكية ويتمتعان بحمولة معرفية هائلة وكبيرة،مكنتهما من أن يتركا بصمتين عميقتين على جدار المعرفة الإنسانية والثقافة البشرية.وإذا ما رأينا الذي كتبه برنارد شو في بيوت الأرامل،أو جان دارك،أو الشيطان أو المسيح ليس مسيحيا،أو الميجر باربرا،وبجماليون وكانديدا..عداك عمّا تركه في النقد،سنجد أن ثمة تشابها يجعل من برنارد شو وغسان كنفاني توأمين.أما المشترَك الآخر بين شو وكنفاني فإن الأول مال نحو التكثيف والحكمة،وكأنه يريد أن يقدّم خلاصة مقطّرة تختصر الكثير من الكلام،ما جعلها اقتباسات لامعة تتناقلها الأقلام والألسن،أو شعارات تصلح للتربية والتوجيه والضبط،فيما راح الباحثون ينقّبون عن تلك الجُمل التي تشبه الرصاص،من تضاعيف أدب غسان،حتى باتت مقولات شائعة،تنفذ سريعا نحو المتلقّي،وتختصر الإجهاش والوعظ والكثير من التنظير.ونرى في فضائنا الكثير من نماذج السخرية،قديما وحديثا،نصا وشعرا ونثرا،بالفصحى والمحكيّة،اعتمدت على الدعابة السوداء أو الهزل والتندّر والتهكم؛من المقامات العربية ومفارقات المعرّي الفلسفية وإخشيديات المتنبي ولسعات الجاحظ والشاعر الخبزأرزي وابن لنكك،عبورا إلى المازني والبرّدوني وألبير قصير ونديم محمد وموباسان والنجفي وتوماس مان،وصولا لزكريا تامر ومارون عبود وعلي سالم وأمير تاج السرّ وأحمد رجب ومحمود السعدني ومحمد طمّليه وأحمد مطر ومحمد الماغوط وأحمد فؤاد نجم وعزيز الشعباني وعبد اللطيف عقل وحسن كمال وخالد القشطيني وشمران الياسري..عداك عمّا وصلنا من مسرح وكاريكاتور وسينما ونكات،أو ما وصلنا إليه في ال"ستاند كوميدي".
إن اليوميات المكثفة نسبيا والقصيرة،التي كتبها غسان (أبو فايز) في جريدة المحرر خلال العام 1965،تعتبر التجربة الأولى له في تناول ونقد جوانب من الحياة،بسخرية ظاهرة لافتة،جعلت منه،لاحقا،سيّد النقد الساخر وعنوانه العريض،ودون منازع.ولعل غسان يتميّز بقدرته الفذّة على تذويب المقولات الكبرى وجعلها بسيطة دارجة، وأنزلها إلى الشارع والعوام،دون أن يفقد الحساسية الفنية العارفة والأنيقة،وقد نجا لغير سبب؛الأول أن نصّه يزدحم بالمعرفة الوافرة، والثاني أنه لم يسقط في الثرثرة والمباشرة،بقدر ما لاحق "الفكرة" فأضاءها وفكّكها وعالجها،وخلق لها ضفافا جديدة مبهرة،وأمدّها بقوادم لافتة قادرة، لتجنّح بها في آفاق مفاجئة،وشحنها بتكثيف جامعٍ استمدّه من تلك اللغة المحكيّة أو المقولات الشعبية الحادّة.يقول:(إنَّ الوعاء الشَّعبي وعاء عميق،شديد العمق،ولا يستطيع أن يغرف منه إلاَّ من كانت له موهبة الغَرْف من أعماق الحكمة الشعبيّة العريقة. إنَّ الفولكلور تاريخ من الفلسفة التي تجمع بين البساطة والعمق والجمال،والجمع بين هذا الثلاثي لا يمكن إنجازه في جرن كبّه،أو لدى مصمّم أزياء،أو بكيّ طربوش عتيق.)
إن هذه التركيبة،غير المعهودة التي تتفجّر معرفة ومفارقة،وتضجّ بالسخرية المرّة والحرقة،وتحمل موقفا يعرف وجهته،ما يميز مقالات غسان،بمجملها.ولا أقول بأن غسان قد مهّد لمعارك أدبية، لكنه استدعى العديد من الردود التي أوجدت صخبا نافعاً، وجدلا..ساهم،بالضرورة في نبش المسكوت عنه،وأثرى النقاش المثار.
إن مقالات غسان،تغنيك عن قراءة عشرات الكتب،من كل نوع وروح ومضمون وأسلوب،ويمدّك بعناصر الدخول إليها،ويأخذ بيدك ليعلّمك كيفية التلقّي،وينبّهك إلى الملتبس فيها،ويكشف ما اغتمّ منها، ويتداعى..ليسرح بك في حقول جديدة تتصل بالموضوعة الأولى، ليوسّع المعنى،ويفيض بالأضواء،ليعرف القارئ مكانه ودوره..كل ذلك بسلاسة شائقة جاذبة،تعرّفنا على مقطع عريض من الحياة الثقافية والسياسية والفكرية العربية،وخاصة في لبنان،قبل ستين سنة،وما كان يدبّ حينها من نتاجٍ ومصطلحات ومقولات وفهم وآراء.
إن غسان في هذا الكتاب،على الأقل،يذكّرنا بالكُتّاب الموسوعيين الأوائل،مثل الجاحظ،في"البيان والتبيين" و"البخلاء"،وبأبي حيّان التوحيدي سيّد السخرية،في "الامتاع والمؤانسة"،إلا أن غسان كنفاني أكثر معرفة واتصالا بما صدر،تراثيا وعالميا،ممن سبقوه، وربما ما يجعله واحدا من أهم مثقفي وعارفي وكتّاب العرب،في عصره.
ولننتبه!فقد كتب غسان جلّ مقالاته بعد نكسة حزيران 1967،ما يعني أنه واجه الغثاء السائد الذي دفع إلى النكسة،كما قدّم،بوعي مسبق،مناجزاته الفكرية العميقة،وهو يناقش عناوين بارزة في الأدب والفكر،أمثال العبقري يوسف ادريس وصادق جلال العظم وكتابات ماو تسي تونغ وكتب النقد والتاريخ والسياسة،علما أن غسان لم يترك شاردة أو واردة،من أدب وفن وفكر وسِير وفلسفة وصحافة،بغير لغة،وعبر كل جغرافيا العالم،ومن خلال المطبوعات من كتب وجرائد وكتيّبات ومقالات..إلا وتصدّى لها،وكان يعرف ما الذي يقوم به.إنه يتغيّا تحقيق نظرية نقدية أدبية فكرية،نرى أجنحتها تدفّ في ثنايا المقالات، وبإمكان باحث حصيف أن يلمّ مكوّنات هذه النظرية ويضعها كاملة أمامنا (أنظر مقاربته ما بين الجواهري وقبّاني،ومعين بسيسو،وكتاباته عن نيرودا وستريندبيرغ وإبسن.أنظر إلى ما يقوله عن قصيدة النثر:هنالك كما يبدو علَّة كبيرة لدى كتّابنا،وهي اعتقادهم أنَّهم إذا أطلقوا على شيء ما اسمَ شعر فإن ذلك يعتبر بمثابة جواز مُرور إلى المجد.لماذا؟الشّيطان نفسه لا يدري،ولكنّه يطيب لنا أن نسمّي هذه الظّاهرة "بالظّاهرة الجاهليَّة"،حين كان النّاثر يُعتبر شخصاً عادياً.إنَّ هذا "الاحتقار" للنثر يدفع ببعض كتّابنا إلى صنع طائرة شراعيَّة يسمّونها "قصيدة".كأنّ المشكلة تكمن في التّسمية،وأنا شخصياً لا أعرف لماذا لا يكون النّثر أحياناً وغالباً أروع من الشّعر،وهل من الضروري أن يقطع الكاتب سطوره إلى أنصاف ثمّ يطلق عليها اسم شِعر؟وهل تستطيع التّسمية أن تعطي الشّعر صفة النّثر أو النّثر صفة الشّعر؟إذا كان الأمر كذلك فكيف استحقّ ماركس وانغلز كلَّ ذلك المجد مع أنّ "البيان الشّيوعي" ليس قصيدة؟فلذلك كلّه،أيّها السّادة،قررتُ أن أخرج عن طابع الزّاوية هذه المرّة على الأقل لأبرهن لأولئك الّذين يعتقدون أنَّ الله سبحانه وتعالى خلقني شتّاماً أنَّهم مخطئون،وأنَّ الّذي يجعلني أشتم هو نوع الإنتاج الأدبي الّذي يستحق الشّتم،فأنا في الواقع مرآة للأشياء،ولست مطبّلًا مزمّراً لها.إنَّ العمل الفنّي – استطراداً – هو محصلة لفعل وردّ فعل:فعل العمل الفنّي ذاته،وردّة فعل قارئه.وفي أحيان كثيرة يدخل عنصر ثالث إلى هذه المعادلة المبسّطة وهو عنصر "الجوّ الزّمني والمكاني" الّذي تجري من خلاله عمليّة التّزاوج بين الفعل وردّة الفعل.
ويقول عن شاعر مدّعٍ:يرتفع في أدائه الشِّعري من مستوى مزيكة حسب الله إلى مستوى طرفة بن العبد! إنَّ هذا السّؤال يطرح نفسه كالكرباج في كل سطر..ولكنّه يضع مفرداته مثلما يستخدم الجواهرجي أفضل لؤلؤة لديه في تزويق قبقاب..ويبدو كمن يشعل عود ثقاب دون أن يكون بين شفتيه سيكارة!.
ويضيف في مكان آخر:من المعروف أنَّ العمل الفنِّي،وعلى وجه الخصوص القصَّة القصيرة،هو عمل ينجز الكاتب نصفَه،ويترك النِّصفَ الآخر للقارئ.والبراعة الفنِّيَّة هي أنْ يستطيع الكاتب بطريقة غير مباشرة إعطاءَ القارئ كلَّ المفاتيح الَّتي تستطيع أن تدلّه على أبواب وطرق ومسالك ذلك النِّصف غير المكتوب في القصَّة.
وعبر تداعياته النقدية "يلسع" شاعرا بقوله:إنَّه شيء يشبه أن يقوم بابلو نيرودا برفع دعوى على معين بسيسو،لأنَّ الأخير لطش من الأوَّل صورة شعريَّة عن "الأشجار الّتي تموت واقفة". وغسان سبّاح ماهر غاص في محيط التراث العربي،ووقف عند حمولته الباذخة،فعرفها وهضمها،وها هو ينتصر لها في مواجهة الشِعر السطحي الحديث،لشاعر أوقف كلامه على اللذة،في حين لم يأت بما أتت به قصائد العرب العصماء الأولى.
وعن أحد السياسيين يقول:مناكفاً شريفة فاضل الَّتي تنصح كلّ يوم بأن لا يبيع المرءُ الماءَ بحارةِ السقّايين!.ويتجلى غسان وهو يشرح كتابا لنزار قباني- وليس بالضرورة أن نوافقه الرأي - ويفككه حتى يعريه،أو بالأحرى يكشف خواء أفكاره عن الشِعر والمرأة والجنس،وخصوصا وهو يقاربه مع فرويد ومايكوفيسكي وعزرا باوند وإليوت وبوشكين،وعلاقة كل ذلك بمفهوم البراءة والطفولة.
كما حاول أن يعيد تقعيد المصطلحات وإعادة تأصيلها على أسس قويمة منتمية،حتى لا نقع ضحايا القواميس المعادية.وأدرك ضرورة ملاحقة ما يصدر في دولة الاحتلال من أدب وسياسة ومواقف،فتصدّى لها، وكان رائدا في هذا الأمر،مثل ما كتبه عن كتاب "نمر من ورق" الذي ضمّ رسومات كاريكاتورية للإسرائيلي أوري بن يهودا،وكتاب "سقوط القدس"،أو ما نُشر في صحيفة معاريف المسائية،أو مقابلة وزير الحرب ديّان في محطة بريطانية، أو رواية "مين أنا" لدافيد زوطا - أنظر كيف تناول اسم زوطا..زيطة، أي مفارقة الأسماء..الخ - وغسان في كل ذلك يعرف ما تتضمنه الاصدارات الإسرائيلية من دفقات إعلامية،تتكئ على الدعاية الملفّقة والهولوكست ومقولات شعب الله المختار،والتي ينبغي فضحها ومواجهتها،عداك عن تناوله للروايات الاسرائيلية والأمريكية المسمومة،ونراه يؤكد،بحق،بأن ما سيصدر في دولة الاحتلال إنما يتمّ بتوجيه أمنيّ مشبوه.ولعل آخر مقال كتبه غسان قبل اغتياله،أوضح فيه،قبل غيره،انحياز الإعلام الغربي للقاتل الاسرائيلي المحتلّ،على حساب الضحية "نحن"،وبأن "الفبركات" و"التبريرات" الصحفية تقف خلفها قوى ومطابخ توجّه الإعلام، وتجعله سلاحاً شريكاً في المعركة الظالمة ضدنا.
ثم يقف في وجه السيولة الفنية السطحية،كالأغاني الهابطة التي تحتقر المستمع،والمسرحيات الشكلية الزاعقة،ووضع أرضية للفن، أو للتراث والفلكلور،ليحقق غاياته السامية من إمتاع وأثر،فنراه يقول:هل الأغاني التي يجلدوننا بها هي مستوانا الفنِّي؟أم أنَّ الطرب – مثل السّياسة – هو مهنة العاطلين عن العمل في هذا البلد؟
لو كان لدينا ذرّةٌ من الكرامة لاعتبرنا أنّ َالتزييف المرعب الّذي يجري بصفاقة لوجهنا الفنّي وهذا التّزوير والتّسخيف والتّشويه والشّرشحة والرّخص هزيمة يمكن أن نسمِّيها "5 حزيران الفنِّيَّة" فهي ليست أقلّ تسبّباً للخجل والعار من تلك!إنَّنا نرفض أن تكون الأغاني الّتي تقدِّمها إذاعتنا هي وجهنا الفنّي،ونعتبرها إهانة تنزل بنا:شعباً وحضارة وذوقاً،نعتبرها تشويهاً متعمَّداً ومقصوداً لقيمنا ومستوانا،وابتذالاً لكلّ ما هو خير وجميل ونبيل في حياتنا،بكلمة أخرى:مؤامرة خطيرة على صعود جيلنا الفنّي،وتسليط دكتاتوريَّة رخيصة على أخلاقنا،إفسادنا وتشويهنا،وتحكيم حفنة مِمَن لا يمثّلون قيمنا في أثمن ما نملك.
وراح غسان يناقش بعض المكوّنات الاجتماعية،فنراه،مثلاً،يناقش الأخلاق باعتبارها عتبة السلوك والقانون الحاكم،يقول غسان:ما هي الأخلاق؟سؤال عويص جدّاً،ولكن الجواب عليه يتعلّق حتماً بالفضيلة،فالأخلاق هي أن يكون المرء صادقاً – مثلاً – وأميناً، شجاعاً،كريماً،شريفاً،شهماً،نظيفاً.واللّاأخلاق هي أن يكون المرء كاذباً،لصّاً،مرتشياً،بخيلاً،قذراً،خدّاعاً.ولعل نقاشه العميق ذاك حرّك المياه الآسنة،ودفع نحو عصف ذهني وفكري إيجابيّ.
واستدار كاتبنا ليناقش العديد من الظواهر الأدبية مثل شِعر الصعاليك،باعتبارها حركة تمرّد ثورية على البناء العرقي والطبقي والاجتماعي،وما تواشج معها من نظريات كالوجودية،نقيض وجوديّة جان بول سارتر المصلحية،وربطها بما يمور من نتاج مشابه في تاريخنا كحركة القرامطة،على حدّ رأيه الذي نخالفه تماما،أو في ما يماثلها من قصائد لغارثيا لوركا.يقول:وفي رأيي أنَّ شعراء الصَّعاليك كانوا صوتَ الضَّمير الحيّ والشجّاع للثَّورة، وطلائع حركات تقدّميَّة كان من سوء حظّها وطالعها أن تفشل دائماً..كانوا يمثّلون رفض المضطهدين للاضطهاد،وثورةَ المسحوقين – اقتصاديّاً واجتماعيّاً وعرقيّاً – على الطَّبقة الأرستقراطيَّة المتحكّمة بالدّم الأزرق وبسطوة التَّقاليد المهترئة والتحكّم الطّبقي.لقد كانوا أصحاب رأي تقدّمي وثوريّ،ومقاتلين من أجله إلى حدود الوحدة والموت.وكانوا كذلك رجال حروب العصابات الصَّحراويَّة،ولكنَّهم فوق ذلك كلّه كانوا شعراء من الطِّراز الأوَّل!.
إن تنوّع المواضيع والعناوين والقضايا التي أثارها وتناولها غسان تدلل على عبقريته وموسوعيته،ومعرفة أين يقف إزاء ما يرغي أمامه ويقع.فكنفاني المنتبه إلى كل ما يدور حوله من همهمات وصحافة وكتب،تتعالق مع واقعنا العربي،نراه يتناول كتاب "شواطئ الحب الأكثر وحشية"،الصادر في لندن العام 1954، مثلا،والذي يتناول أربع سيدات أوروبيات اقتحمن بأجسادهنّ عوالم المسؤولين العرب،وكنّ جسوسات يخدمن الاستعمار،ليؤكد أنهن سبقن لورنس العرب وأعمدته السبعة.ويقتحم غسان مناقشة كتاب "رايش" في علم النفس،الذي يتناول غير تابو محرّم لدينا،يتعلق بالجنس وارتباطه بالطبقية والاستهلاك والقمع والتضليل..ليصل إلى نتائج معاكسة،تعيد الفهم القويم إلى البداهة الإنسانية.
وثمة ما يثير في كتابات غسان،وخصوصا عندما يتحدث عن بداية صعود ماركس وانجلز،وكيف بدأ كلٌ منهما شاعرا رومنطقيا،وليتحولا،لأسباب موضوعية لاحقاً،إلى مفكرين قادا ثورة عارمة في الكون.إنها تفاصيل مدهشة عارفة قدّمها غسان،تعكس متابعة حصيفة ودقيقة!
ويلفت نظر كنفاني مقال في صحيفة أمريكية تتناول الأضرار الكثيرة المتصلة باستعمال "أكياس البلاستيك" للقمامة،وتداعيات ذلك على القطط والفئران ورأس المال!إنه الساخر الذي يعالج الظواهر بالصدمة المضحكة..وإنه لأمر مضحك..مفيد!
كما إنه ناقد شمولي لكل المقولات الخطأ المفجعة،ويجأر في وجه هذا التخلّف الذي استشرى.
ونراه يعثر على مجلة أمريكية نشرت ثلاث قصائد لسجين عربي شاب في سجن هناك،فيترجمها غسان ليقول:إن ذاك الشاب إرهاصة ناتئة تحاول عبر قصائدها الشاتمة أن تنتصر للثورة وتقود إلى المستقبل.إن غسان،هنا،معنيّ بالجميع،وينحاز للمظلومين المُهمّشين المنسيين!
ويدور ويقطع الحدود،فنراه يتناول كتاب "ذيل الأسد" البريطاني،الذي يتناول مجمل الشتائم والنقد اللاذع للإنجليز،ما يعني أنهم أهل للشتيمة لفرط ما اقترفوه من فظاعات وجرائم!أو كتابا لشاب في بلدة لوند السويدية كرّسه لمقابلات ومحادثات مع عجائز، في إشارة إلى أن المجتمع السويدي قارب على الهرم،وكيف أن كثيراً من الوقت المهدور لا يستفاد منه،وخاصة من الذين راحوا إلى "التقاعد" وهم في أوج قدرتهم على العطاء.وهنا نكتشف انتباهة غسان إلى الفكرة الوجودية المتعلقة بوجود زمنين في وقت واحد، وأهمية التصدي لكل آليات قتل الوقت.
ويبقى غسان مشدودا إلى بؤرته الفلسطينية،فنراه يتناول تجربة أحمد الشقيري في منظمة التحرير الفلسطينية،ويكشف خواء "الشقيرية"..ما يجعل غسان يصيح:بأن فلسطين خسرت الشقيري أديبا وربحته سياسيا،ليصل غسان،بعد ذلك،إلى نتيجة مفادها أننا خسرناه على كل المستويات بسبب دعاويه القاصرة.
باختصار؛إن المساحات الوسيعة التي عبرها غسان،والموضوعات غير المحصورة التي تناولها،بحذاقة وسلاسة ومعرفة ودقّة،ومن زاوية ناقدة ساخرة..تثبت أن هذا الكاتب المتفرّد بحمولته وأدواته،استطاع أن يؤسس لفن المقالة الساخرة،بصيغتها الجديدة،وبثوبها القشيب المتين اللاهب،البعيدة عن الافتعال والذهنية وتقصّد إثارة الضحك الكميّ.لقد حقق كنفاني حضورا و"كريزما" في كتابه هذا،يجعل منه ما يحقق معنى مقولة ماكس فيبر "واحد من محرّكات التاريخ"، ولو على المستوى الفلسطيني، على الأقل.
وتحضرني الرواية الفرنسية "جلد الحُزن" التي هجست بفكرة أن مَن يمتلك ذلك الحرز السحري،الذي يحقق له كلّ أمنياته، تماما مثل العفريت الطالع من السراج،سوف يدفع مقابل كل أمنية تتحقق جزءا من سنوات عُمره..بمعنى أن كنفاني كان كلما أعطى وكتب وحبَّر وناضل..كان يدفع جزءا من سنواته،ما يفسّر رحيله المبكّر..لكثرة ما بذل وقدّم وأعطى!والعزاء أن ما تركه غسان الفذّ المقاوم التقدميّ المثقف العارف الجامح..ما فتئ يسعى بيننا،أو أننا ما زلنا نمشي تحت ظلال أشجاره الساخنة،وفي غابته الماطرة الفوّاحة اليانعة.
بقي أن نشير إلى أن عددا مهما من الدراسات والأبحاث قد تناولت السخرية وضفافها،أنجزها المبدعون؛محمود محمد علي،نعمان أمين طه،سناء علي الحركة،سها السطوحي،نزار الضمور،جوي بيري،فاطمة حسين العفيف،علي البوحديدي،ستار بادي،سيمون بطيش،عبدالله الكدالي،رابح العوي،عبدالفتاح عوض،ألبير قصيري،وئام محمد أنس،هادي السيوفي،غنية النحلاوي،حامد عبده،عبدالحسين شعبان،آصف دريباتي،عبدالحليم حسين،هاني الخير،هشام جابر،سعيد أحمد غراب،وآخرون أثروا المكتبة العربية،وأضاءوا لنا السخرية بكل ما اتصل بها.
دمشق-واثق-يكتب السوريّ فوّاز حدّاد في «الروائي المريب» (رياض الريّس، بيروت، 2025) عن كاتب غامض يُدعى «أسعد العرّاد»، بطريقة أشبه بـ«كوميديا سوداء» تقع في مفترق الطرق بين التوثيق الساخر، والتأريخ الرمزيّ، والانقضاض السردي على نُخب صنعت ثقافتها من ولاءاتها وارتكاساتها في ظلّ نظام يستخفّ بها ويوظّفها بطرق مشينة لخدمته.
بطل الرواية، أو بالأحرى اللابطل، هو «الروائيّ الشبح»، كاتب ينشر رواية واحدة ثم يختفي. لا يُعرف اسمه الحقيقيّ، وليس له صورة، إنّما يتجسّد فقط من خلال روايته. الغائب، الذي لا يحضر في اللقاءات والندوات والمقاهي الأدبية، يصبح فجأة محور الهجوم، والقلق، والحسد، والافتراء؛ لأنّه كسر القاعدة، كتب من دون أن يكون من «القطيع الثقافيّ».
«الشبح» هنا ليس أسطورة أدبية، إنّما هو رعب وجوديّ للوسط الثقافيّ السوريّ الموصوف في الرواية. هو من يُسقط، دون أن يتكلّم، كلّ الأقنعة عن المثقّف السلطويّ، عن النقّاد المأجورين، عن ثقافة الولاء والانبطاح، فغيابه هو الذي صنع حضوره الطاغي.
تدور الرواية، التي تبدو كأنّها جزء ثانٍ من روايته «المترجم الخائن» من حيث الاشتغال على الفساد الثقافيّ والشلل العابرة للحدود، في دمشق، لكن دمشق ليست فضاءً محايداً، هي مسرح الجريمة الثقافية المستمرّة. تنتقل الرواية من مقهى الروضة إلى اتّحاد الكتّاب، من أروقة الجرائد الرسمية إلى صالونات النميمة الأدبية، من كواليس وزارة الثقافة إلى دهاليز المخابرات والقصر الجمهوريّ في زمن الأسدين، حيث تتقاطع السلطات وتُطبخ المصائر.
تقدم الرواية ثنائية مثيرة: «فريد جسّام» و«حسين كرّوم»، كنموذجين للمثقف المرتزق، المنتفع، السلطويّ، الموهوم بعظمة لا تتحقّق. كلاهما يشعر بالخطر من «الروائيّ الشبح»، يحاولان تحويل الهجوم عليه إلى مسألة وطنية، سياسية، آيديولوجية. يندفعان في حملة تشويه معلنة وسرّية، يشكّلان عصابة، يجنّدان أتباعاً، ينسّقان مع الأجهزة، في سبيل القضاء على الرواية وكاتبها.
يفكّك فوّاز حداد في روايته فكرة «المثقف التقدّميّ» أو «المفكّر الراديكاليّ» الذي يتحوّل إلى رقيب ثقافيّ، إلى معوّق للحداثة، إلى وكيل أمنيّ بغطاء ثقافي. ويمثّل كلّ من «جسّام» و«كرّوم»، ومن ورائهما سلطة مزدوجة: سلطة حقيقية داخل المؤسسات، وسلطة رمزية تحكم من تحت الطاولة.
ينوّع الكاتب بين أساليب كتابة مختلفة في روايته، تراه يسخر، يتهكّم، يروي، يسجل، يفضح. كأنّ الرواية «سيرة ثقافية لمجتمع أدبيّ»، تتحوّل تدريجياً إلى هجاء مرير، ثمّ إلى كشف بوليسيّ، ثمّ تعود إلى كابوس ساخر. وتراه يكتب عن سلوكيات الكتّاب بالموازاة مع تعرية «المؤسّسة الثقافيّة» بوصفها سلطة مضادّة للحرّية، تستدرج الكتّاب إلى مسالخها، وتكافئ الطيّعين، وتغتال المتمرّدين.
في المفارقة الكبرى، تصبح الرواية ذاتها موضوعاً للرواية، فـ«الروائي الشبح» لا يُكتب عنه فقط، بل تتحوّل روايته «لقاء لا ينتهي» إلى بؤرة أساسية تدور حولها الأحداث، ومنها تتفرّع المؤامرات. شخصيات الرواية تقرأ الرواية، تناقشها، تشتمها، تدافع عنها، تحاول منعها، تتمنّى موت كاتبها. هكذا تصبح «الرواية» نوعاً من الشاهد والمجرم في آنٍ واحد. شهادة ضدّ عصر، وجريمة ضدّ مَن يملك الجرأة على الكتابة.
تمتدّ الرواية إلى ما يقرب من 520 صفحة، مقسّمة إلى قسمين رئيسين، يتضمّن كلّ قسم مجموعة من الفصول التي تتراوح بين السرد الروائيّ، والأفكار التحليلية والنقدية، وحتى القصص الساخرة المدرجة ضمن المتن السرديّ. هذه البنية ضرب من التنقيب داخل بنية الرواية نفسها، بما يجعلها نصّاً يتحدث عن الكتابة الروائية وهو يكتبها في الآن نفسه.
ويتوزّع الزمن في الرواية بين مرحلتين: زمن الرواية الأولى «لقاء لا ينتهي»، وزمن الرواية «الحالية» التي تبدأ مع لحظة وفاة الرئيس الأب وانتقال السلطة للابن الذي هرب. التوازي بين المرحلتين، بالإضافة إلى أنّه يصنع مقارنة سياسية، يرسم جدلية أعمق: الماضي الذي دُفِن، والماضي الذي لا يُدفن.
تقدّم الرواية صورة المثقّفة السلطوية، بوصفها جزءاً من لعبة السلطة الثقافية. «الحسناء»، كما تُرسم، ليست سوى تجلٍّ لثقافة «تسليعية» للجسد، حيث الجسد الأنثوي يُستثمر في الصعود الثقافي أو التسلق السياسي. هي «جرأة معلبة»، أو «تحرر مصمم خصوصاً لخدمة النظام». في حين أنّ «صفاء»، مثقفة متحررة، تُقدّم على نحو متناقض: جميلة وواعية، ناقدة وخائفة، تمتلك القدرة على المواجهة، لكنها محاطة بمن يريد تهميشها أو احتواءها. يَظهر في علاقتها مع «الشبح» ما يشبه العلاقة المستحيلة: امرأة تبحث عن معنى في رجل لا وجود له، ورجل يهرب من العالم بحثاً عن صدق لا تجده هي في العالم المحيط.
أحد أقوى عناصر الرواية هو قدرتها على استخدام الرمزية الساخرة كأداة تشريح. لا يمرّ شيء من دون سخرية مريرة: اتحاد الكتّاب، الجوائز الأدبية، الصحافة الثقافية، حلقات النقد، المؤتمرات، حتى «الثقافة القومية التقدّمية» ذاتها، تسقط واحدة تلو الأخرى.
يتجلّى ذلك في شخصيات مثل: كبير النقّاد الذي لا يقرأ شيئاً لكنه يحكم على كلّ شيء. المفكّر الراديكاليّ الذي يرى الثورة في كلّ مكان إلا في نفسه. الوسيط الثقافيّ الذي يفتح بوابات العالم لكلّ من يدفع الثمن. الروائيّ القادم من الريف الذي يخون قريته حين يحاول الانتماء للعاصمة. الشبكة الثقافية الدولية التي تمنح الجوائز لا لمن يكتب جيّداً، بل لمن يكتب ما يُطلب منه. هذه الرمزية تنقلب أحياناً إلى هجاء صارخ، وأحياناً إلى مرآة قاتمة يرى فيها القارئ الواقع الثقافيّ كما لو أنه يرى «مسلخاً» فكرياً.
«جسّام»، «كرّوم»، «كبير النقاد»، «المفكر الراديكالي»؛ هم شخصيات كاريكاتورية بقدر ما هم واقعيون، لا لأنهم هزليون، بل لأنّهم مأساويون: أدوات ميتة تتحرّك داخل نظام فاسد لا مكان فيه للكتابة الحرّة. إنّهم أيتام المؤسّسة.
يشير فوّاز حدّاد في روايته إلى أنّه ربّما لا يحتاج صاحب الموهبة في بلاد تُعادي الحقيقة إلى رقابة رسمية، فهناك رقابة أشدّ ضراوة: رقابة الأقران، رعب الوسط الثقافيّ من كلّ صوت لا ينتمي إلى طيفه، كلّ كتابة لا تخضع لقوانين سوق الولاء، كلّ موهبة لا تحتاج إلى «توصية» لتكون. وتراه يرسم ملامح مشهد تُنتهَك فيه الموهبة لا عبر منعها من الكتابة، بل عبر الإحاطة بها بـ«تواطؤ جماعيّ» خفيّ، لا يمكن مسّه قانونياً، لكنه يُنفَّذ بإتقان: تجاهل، وتشويه، واختزال، وتهميش، وتضليل، وتصفية رمزية، حيث الكارثة لا تقع حين تُقمع الموهبة من قِبل سلطة سياسية، بل حين تصبح الأوساط الثقافية نفسها هي القامعة، هي اليد غير المرئية التي تخنق الكتابة الحرة تحت شعار «تقييم نقدي» أو «الغيرة الأدبية» أو «السجال الموضوعيّ».
يلفت الروائيّ إلى أنّ الشبح الذي يتقصّونه في الرواية ليس مريباً لأنّه أجرم، بل لأنّه كتب شيئاً لا يشبههم، رواية جاءت من خارج سردياتهم المُعلّبة، لم تُمهَّد لها في الملاحق الثقافية، ولم تُصنَع على مقاس الجوائز. كانت الكتابة فعلاً ذاتياً متمرّداً، فكان لا بدّ من محاصرته جماعيّاً.
تطرح «الروائي المريب» كلّ هذه التفاصيل عبر صمت الروائيّ، وضجيج الوسط الذي أحاطه. كأنّ حدّاد يكتب شهادة روائيّة عن «الاستقبال المُفخّخ»، وعن «الجمهور المصنوع»، وعن «الناشر الذي لا ينشر إلّا لِمن يُضمن صمته بعد النشر»، وهو بذلك ينقّب في البنية التحتّية للثقافة والمثقّفين، ويستخدم السخرية والفكاهة السوداء كوسيلة للفضح، والتمثيل، والتطهير. يكتب رواية جارحة، لكنها تفتح العيون على واقع أسود مرّ يراد تبييضه بالدعاية والتزييف.
يكتب فوّاز حدّاد أكثر من خاتمة لروايته، كانت الأولى مرآة للعصر الذي كُتبت فيه، أما النهاية الجديدة، فهي أشبه بتوقيع على مستقبل سوريّ لا يزال قيد التكوين. لكن المفارقة المُرّة التي لا تفوته هي أن سقوط النظام لا يعني سقوط أدواته. فحداد يُلمّح، بذكاء، إلى «قدرة الشخصيات على التلوّن»، على العبور من زمن إلى زمن، من خطاب إلى نقيضه، دون أن تتخلى عن آلياتها في الإقصاء والتواطؤ. وهكذا، فإن الرواية لا تسعى لطمأنة القارئ، بل لتقويض استكانته، ولتشير له: حتى النهاية ربّما تحتاج إلى رواية أخرى... وزمن آخر.
"الشرق الاوسط"
حسب ما جاء في المصادر أنها كلمة أعجمية دخيلة على اللغة العربية لأن ( السين و الذال ) لا يجتمعان في كلمة عربية.
وأصلها فارسي و تعني الماهر بالشيء، و المعلم و هي تقرأ بالذال المُهمله يقال ( أستا أو اسطى) ثم تطورت إلى معلم الصبيان و مربي أولاد الملوك.
وذكر علماء اللغة أنها لم ترد في الشعر العربي الذي يحتج به ولم ترد في الشعر الجاهلي.
أما معناها يطلق على الماهرِ بالشيء، وذكروا أنه لا يستحق أن يلقب بها إلا من جمعِ ( ثمانيةِ عشر ) علما، أو ( أثنى عشر ) علما منها: النحو و الصرف و البيان و البديع و المعاني و الٱداب و المنطق و الكلام و الهيئة و أصول الفقه و التفسير و الحديث !!!
و أن أول من لُقبِ به " كافور الإخشيدي " و استخدمتها العامة فيما بعد على مؤدبِ الصغارِ , و تطلق كذلك على المعظمِ في كل أمر ... !!!
يقال هو ( أستاذ فيه ) بمعنى ( ماهرِ فيه ) متقن له ! ..وأصبحت اليوم كلمة أستاذ من المنارات اللغوية الجميلة، والتي نصف بها المعلم أو المدرس و الأستاذ الجامعي و المحامي... بهذا الوصف .
" راقت لي"