الكاتب : أمجد عرار
سمعت وشاهدت بعض أغنيات الراحل زياد الرحباني في طفولتي، قبل أن أسمع باسمه. سمعتها أو شاهدتها بأداء فيروز وجوزيف صقر وجورجيت صايغ وربما آخرين.. لكن باستثناء فيروز لم أكن أعرف أحداً من هؤلاء.
المفارقة أنني عرفت الشيخ إمام صوتاً واسماً قبل زياد، وبعمر 16 عاما .
في السنة الاولى بجامعة بيرزيت، اقتحمني عالم زياد الرحباني دفعة واحدة، وتسلل في أذنيّ ودمي مثل فايروس (إيجابي طبعاً) دون أن يجد جهاز المناعة أية وظيفة.
كان الشريط الأول "أنا مش كافر". في بداية الشريط يقول زياد بصوته الهادئ والخالي من نبرة الخطابة: "هيدا الشريط حقو عشرين ليره.. إذا حدا ببيعو أكتر من هيك بكون حرامي، وإذا حدا ببيعو أقل من هيك، كمان بكون حرامي.. بس غير نوع حرامي، لأنو غير نوع شريط".
لم يكن الانترنت معروفاً حينها، وكانت السرقات الفنية والأدبية بحجم الأدوات المتاحة، والمعرفة حكراً على من يذهب إليها، يشتري الشريط ليسمع.. يشتري الكتاب ليقرأ.
اليوم أصبحت للمعرفة مصادر مثل وكالات بلا بوّابين". هذا يسرق نصاً شعرياً، وذاك يسرق حتى كلاماً عادياً فيه حكمة أو رثاء أو شكوى.
لكن الأخطر في هذه "الوكالات"، التي بلا بوّابين، أنها أتاحت - عن قصد-منابر لأباليس الفتن والشيطنة والردح والاستعراض والثرثرة والإشاعات المدمّرة والأخبار المدسوسة وغير الموثّقة، التي لو صدرت عن مسؤولين لأشعلت حروباً بين دول.
زياد نبّهنا باكراً إلى نوع من هؤلاء الأباليس، وهم "ّالحرامية" الذين يسرقون بلا حسيب أو رقيب، قبل أن يقدّم في "أنا مش كافر" رؤية عميقة لمنهج التكفير المدمّر والمزايد، قبل يتحوّل هذا النهج إلى صواعق تفجير للشعوب وتدمير للدول.
لم يتحوّل فكر زياد العبقري والإنساني والمتصالح والمتسامح، إلى ثقافة عامة، بل تفاقمت كل الظواهر التي حذّر منها.
سنحتاج إلى وقت يصعب تحديد مداه، قبل أن يثمر ما زرعه زياد تحت الشمس التي ليست لأحد وفي "الفيّ اللي مش لحدا".



