الكاتب : يوسف كتلو -واثق نيوز- في مساءٍ ثقيلٍ على بيروت، رحل زياد الرحباني بهدوءٍ يشبه عزفه الأخير. غابت نغماته عن البيانو، لكن صدى صوته بقي يدوّي في الأزقة التي أحبها، وفي قلوب الفقراء الذين لم يتخلَّ عنهم يومًا.
وفي اللحظة ذاتها، بعيدًا خلف الأسوار التي ابتلعت الزمن، كان جورج عبد الله يفتح باب سجنه ويمشي نحو الضوء.
العالم انقلب للحظة؛ موت يولد منه حُرية، وحُرية تتفتح من رحم الفقدان.
مشهد سريالي على مسرح الحياة..
على مسرحٍ غير مرئي، وقف زياد، بسيجارته المعتادة، يحدّق في هذا الكون المرهق ويبتسم بسخرية عميقة:
“طلعت من هون يا جورج؟ إي والله تأخرت عليّ! كنت ناطر هالنهار متل ما بينتظر الفقير نهار العدالة.”
يمد زياد يده من الضباب، يسلّم على رفيقه في الفكرة والموقف، ويقول بصوتٍ مبحوح:
“ما بيموت اللي بيترك أثر، وما بينكسر اللي بيختار الحرية.”
لقاء بين الغياب والحضور ..
تتداخل أرواح الثائرين في لحظة واحدة. زياد يغيب جسدًا، وجورج يحضر حرًا.
الأول يترك مقعده على البيانو فارغًا، والثاني يترك زنزانته وراءه، وكأن الحياة كتبت مشهدًا جديدًا:
موتٌ يُنجب حرية، وحرية تخلّد ذكرى الميت.
إرث لا يموت ..
زياد الرحباني لن يموت، لأنه لم يعش يومًا لنفسه. عاش للفقراء، للمنسيين، للمقهورين. ترك خلفه موسيقى تصرخ بالعدالة، وكلمات تفضح القهر. وفي تلك اللحظة التي خرج فيها جورج عبد الله إلى الهواء، كان زياد يلوّح له من مكان بعيد، وكأنه يقول:
“من هون بتبلش الأغنية… ومن هون بيكمل النضال.



