القدس-محمد زحايكة-واثق نيوز- وكأن مسرحية المنشية وضعت أصبعها على الجرح، واخذتنا في غفوة وسكرة لا ارادية وهي تفتح جروحنا على اتساعها وتسكب فيها ملحا حارا حارقا، ونحن نغالب وجع الفقد والخذلان وضياع الاوطان وحي المنشية ويافا "يتبخران" أمام اعيننا في غفلة من الزمان. كيف لنا ان نصدق ما يجري امام اعيننا و المنشية اكبر أحياء يافا ومركزها الحضاري يتلاشى ويتبدد وكأنه مصنع فخار هش اقتحمته "فيلة" الموت والدمار واحالته إلى فراغ وتلة من الخراب والركام وأثرا بعد عين.
وبصفتي متذوق للفن المسرحي فحسب وليس ناقدا فنيا فحلا ، ولست ملما بأسلوب النقد الفني، شعرت أنني امام معالجة مسرحية مبتكرة وفيها نوع من التجديد لواقع جدلي ما زالت تداعياته متلاحقة، تراءت لي معالجة فيها طزاجة وتكنيك جديدين في الشكل والمضمون إذا صح التعبير، حيث تناولت المسرحية الحدث وهو حي "المنشية "باسلوب فيه ادهاش وابهار من خلال الاستفادة من تقنيات ما بعد الحداثة في عالم المسرح. كما زجت بعنصر الراوي الذي جسده الفنان حسام ابو عيشة باقتدار وتمٌكن، فيما برز التناغم في الاداء بين كادر الممثلين الذين تحركوا على الخشبة -طول بعرض-، بروح الفريق الواحد وكانوا يتنقلون بحالة اعتيادية وطبيعية لا تكلف ولا تصنع فيها، وكأنهم لا يمثلون ولكن يعكسون واقع الحال والوجع والالم الكبير الذي ألم بشعب كامل في تلك الحقبة السوداء من تاريخ شعبنا المهجر الى اصقاع العالم.
ونتيجة لجوهر المسرحية الدرامي، غلب عنصر الدراما مع بعض الشذرات الكوميدية التي تستدعيها كوميديا الموقف، في تصوير مآساة حي المنشية كرمز حي لضياع فلسطين عام 1948.
المنشية عمل فني "مدجج" بالرسائل التي أراد ايصالها إلى المشاهد والمتفرج،فيها التاريخي والحضاري والوطني والبعد التوعوي وربط حلقات مسلسل التهجير الذي تعرض وما زال يتعرض له الشعب الفلسطيني في قلادة او مسبحة واحدة منذ النكبة إلى النكسة إلى أيام الابادة والتطهير العرقي الذي يمارس على مرأى من العالم طرا في قطاع غزة دون ان يتمكن من وقف آلة الابادة والقتل والتجويع، وكأن التاريخ يعيد نفسه على شكل ملهاة ومهزلة دموية.
في العادة، تنسكب قريحتي الكتابية بسهولة ويسر وتنداح الافكار في تلافيف مخي ورأسي ، الا أنني لا أدري ماذا دهاني إزاء هذا العمل الفني المسرحي المحكم والمدهش، حيث انتابني شعور بالبلادة و"نشفان" الافكار و"عصلجة" التداعيات والخواطر، وربما مرد ذلك إلى أن الواحد منا بعد عمر الستين وبعد ان شاهد ربما مئات الاعمال الفنية والمسرحية، اصبح ارضاؤه صعبا، ويريد ان يحصل على "لبن العصفور". لا اريد ان استرسل في ملامسة جوانب أخرى لهذا العمل المسرحي الجميل والمحمل برسائل عابرة للحدود، والمرتكز على قاعدة ذهبية متينة وهي ان شعب المنشية كناية عن شعب فلسطين عامة يبقى الرقم الصعب ويبقى حجر الزاوية الذي يعتمده البناؤون في إقامة صروح الاوطان التي لا تموت.
ومن هنا، نرفع قبعاتنا لطاقم المنشية من المخرجة مارينا جونسون وزميلها المخرج سامر الصابر وكل من الممثلين حسام ابو عيشة وشادن سليم وفراس فراح وياسمين شلالدة وعزت النتشة وفاطمة ابو علول ومحمد الباشا وتقنيات رمزي الشيخ قاسم وملابس روان ابو غوش وتصميم الصوت عدي الجعبة وتشغيل الصوت نديم سمارة والى ادارة المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي اولا واخيرا وقبل كل شيء .



