الكاتب : محمد زحايكة
أزعم ان الكاتب الكبير محمود شقير لم يترك شاردة ولا واردة في حياته الثمينة المليئة بالدهشة والادهاش، الا وقد غطاها من مختلف جوانبها، وتناولها بأسلوب السهل الممتنع وانار حولها نارا ونورا وأشعل مصابيح مقدسية لا تنطفئ. وها هو اليوم وهو على أعتاب الرابعة والثمانين من عمره المديد ينبش في دفاتره القديمة او العتيقة ويخرج لنا كنزا ثمينا يصور جانبا من حياة دفاترنا الفلسطينية، وكأنه يذكرنا بالشاعر الراحل المبدع معين بسيسو ودفاتره الفلسطينية. ولا يظنن احد، ان هذه المخطوطة او الرواية الموسومة ب " ربيع اخر " الصادرة عن دار النشر كل شيء في حيفا هذا العام 2025 ، هي دليل مكرر ومكرور وقد أخذت الرقم 81 من سلسلة منشوراته الإبداعية المتلاحقة في مختلف أشكال التعبير الأدبي والفني من رواية و قصة قصيرة وقصص قصيرة جدا ومسرحيات وسيناريوهات تلفزيونية وقصص فتيات وفتيان واطفال وسير ذاتية وغيرية وإنما هي عصارة مرحلة فائرة من عمره الملتزم بالهم العام والانخراط في النضال السياسي والاجتماعي والفكري منذ نعومة اظفاره وتسجيل وتوثيق هذه التجارب المرحلية بروح عميقة من الابداع والشفافية واتقان السرد اللطيف الخفيف المعجون بشيء من الخيال الشفيف المنطقي الواقعي.
والرواية التي تعالج فترة شبابية ومبكرة من حياة الكاتب الشغوف بالكلمة المكتوبة بماء الذهب، تصدر ايحاء ذكيا من خلال عنوانها " خريف اخر " في اشارة الى تقدم الكاتب في العمر وايغاله في خريفه، ولكنه خريف مثمر يشبه الربيع المزهر من حيث طرحه هذه الثمرات الشهية من الكتابات العابقة بروائح مقدسية متغيرة حسب الزمن الذي يتقلب على روح القدس باندحار عهد مقيم ومجيء غاز بهيم عتل زنيم..؟!
الرواية دفتر اخر من دفاتر الكاتب الصامد على خط الكتابة الأدبية المبدعة، والمتمسك بالقلم المعبر برشاقة ودفء عن كينونة الوطن والقدس زمانا ومكانا، وهنا يتذكر الصاحب أنه عثر في "كراكيب" بيته ذات سنة على دفتر ربما " دفتر انشاء" لمحمود شقير ويا لمحاسن الصدف وهو في الصف الثاني الاعدادي، ولا ندري حتى الان كيف انثال هذا الدفتر بين أصابع الصاحب الذي اعاده إلى صاحبه محمود شقير ، واغلب الظن انه ما زال مصمودا في ركن منزله ولم يذهب مع الكتب التي تبرع بها إلى مكتبة جامعة بيت لحم.. فهو لبنة من لبنات تاريخ ومسيرة هذا المبدع المتعدد وغني التجارب الحياتية مقيما في وطنه او مبعدا قسريا إلى العالم البعيد ؟!
ودعونا نعٌرج بكلمة مختصرة على ما خطه قلم الكاتب جميل السلحوت على غلاف الرواية الاخير، لنقف على كنه هذه الرواية التي بقيت حبيسة الادراج زهاء خمسة عقود قبل أن ترى النور بعد غربلة وتشذيب عميقين من لدن الكاتب، يسجل السلحوت " يتناول شقير في الرواية الحالة التي عاشها من بقوا على ارض الوطن، وكيف انقسموا ما بين متمسك بالأرض يحرثها ويزرعها ويعتاش من خيراتها، وبين ملتحق بالعمل الأسود لدى مجتمع الاحتلال، ومن راح يمارس الجنس المحرم مع المومسات اليهوديات معتبرا ذلك نوعا من النضال، كما تعود به الذاكرة إلى شارع بور سعيد، الذي غيٌر المحتلون اسمه إلى شارع الزهراء وكيف تحول في فترة ما إلى بارات ومقاهي تعج بالسكارى والمومسات. ويضيف السلحوت " ان عنصر التشويق يطغى على السرد الروائي كونه نابع من صدق المؤلف وان لغة الرواية ذات أصوات متعددة. ويختم السلحوت " بأن الاديب شقير يمتلك ثروة لغوية دسمة، وهي من السهل الممتنع المدجج بالبلاغة من صور شاعرية وتشبيهات واستعارات، والرواية خليط من الذكريات والسيرة الذاتية ومن مسيرة شعب عبر مرحلة حساسة من تاريخه الطويل ".



