الكاتبة : إيمان هريدي
يا لَعبق الذكرى حين يُفتح،
كنافذةٍ خشبيةٍ في بيتٍ عتيق من بيوت البيرة،
تتنهّد مفاصلها صريرًا خافتًا،
فإذا بالزمن يندفع بكامله، كما يندلق الضوء من شقّ سحابة.
يدخل محمَّلًا برائحة الصباحات الباكرة،
ورفرفة العصافير وهي تنفض النعاس عن أجنحتها،
وركضات الطفولة التي لا تزال تتردّد أصداؤها في الأزقّة الضيّقة،
كأنّ الحجارة نفسها قد حفظت أسماءنا،
في البيرة، لا تموت الحكايات،
بل تنام قليلًا في ظلّ شجرة سرو،
وتنهض حين يُنادينا الحنين.
كانت حارتنا كأنها تَتربّع على عرش البيرة،
مملكة مصغّرة نُدَلّل فيها طفولتنا بتفاصيل صغيرة لا تكرّرها الأيام.
هناك، في قلب تلك الأزقة، ثلاث دكاكين كانت تسكن الذاكرة:
دكانة أبو درويش العداسي
دكانة ذهبية الرمحي "أم حربي"
دكانة أبو فايز الدبواني،
ذلك الذي كان، ولا يزال، نُسخة حية من الزمن الأجمل.
دكّانة أبو درويش لم تكن فقط مكانًا لشراء الحلوى،
بل كانت حكايةً تُروى.
كلما دخلتها كنت أستمع لحكايات غزة،
وكأنها تأتي محمولة على نَبرة صوته المُهدهدة.
أما ذهبية، فكانت تحمل مفتاح دكانها كما تُخبّئ سرًّا مقدسًا في عبّها،
مربوطة بقطعة قماشٍ قديمة،
كأنها تحفظ به طفولتنا من الضياع.
أما أبو إياد الدبواني،
كان دكّانه مُتربّعًا في قوسٍ حجريٍّ
كأنه يقف حارسًا على بوّابة الزمن.
لم يكن يبيع قرطاسية فقط،
بل يوزّع فتات الحلم على من يُتقنون التخطيط بالقلم الرصاص.
هناك، اشتريت أول علكة بطعم المسك،
وأول صورة لباربي المعلّقة على الحائط،
وهناك سمعت صوت القلم وهو يخربش في درج أبو إياد،
يبحث عن براية لطفل لا يبحث عن قلم فحسب،
بل عن مستقبل يرسمه بيده..
بطلُ الحكاية اليوم هو أبو إياد الدبواني…
يسيل من الذاكرة كما يسيل العطر من قارورةٍ قديمة؛
كأنكِ فتحتِ نافذةً في بيتٍ حجريٍّ من بيوت البيرة،
فاندفع منه الزمن كلّه،
مُحمَّلًا بأصواتنا ونحن نركض خلف الحلوى،
وبضحكاته التي لم تتعب منّا.
كنا نصحو على صوت الشمس،
نحن أطفال الحارة،
نركض حفاة الأحلام صوب بيت الكنز،
غير آبهين بالساعة أو بصوت أمهاتنا خلفنا.
نطرق باب أبو إياد الخشبي
بأيدينا الصغيرة،
فنُحدث ضجيجًا لا يُحتمل،
لكنه كان يتحمله،
ويزيد عليه ابتسامة..
ويا لصبره…
كم احتمل صخبنا، وإلحاحنا على قطعة شوكولاتة أو علكة بنصف شيكل!
وأحيانًا كثيرة، كان يُغمض عينيه عن الثمن،
ويخفض من الأسعار بخفّة الروح،
كأنه يُراعي ضعف جيوبنا الصغيرة،
ويريد لطفولتنا أن تكتمل دون قيد.
كان، رغم التعب، يفتح الباب دومًا بنفس الحنو،
يلفّه حطّته البيضاء وعقاله الاسود كما يلفّ التين بورقه الأخضر.
وكنت، في طفولتي، أراه بهيبته تلك وأتساءل بجدّ:
"هل ينام أبو إياد بحطّته وعقاله؟"
لم أره دونهما قط، سوى مرةٍ وحيدة،
كانت كاشفة كالعيد.
ركضت يومها إلى بنات الحارة ألهث،
وأهمس بسرٍّ كبير كأنني أكتشف وجه الحقيقة لأول مرة:
"أبو إياد أصلع!"
ضحكنا كما لو أن الطفولة اكتشفت سرًّا من أسرار الكون،
وكأننا نملك معلومة قد تُغيّر مصير البيرة.
كان بيتُ أبو إياد، كما تحكيه الجدّات،
مزيجًا من الحنين والعراقة،
تحرسه درجاتٌ حجريةٌ قديمة،
تئن تحت وقع خطانا الصغيرة،
وتصعد بنا إلى شرفةٍ تطلّ على ذاكرة البيرة كلّها.
هناك، حيث لا يمكن للزمن أن يمر مرورًا عابرًا،
تعبق الجدران برائحة الزعتر والخبز، ورائحة أبنائه
اشرف ،وليد، إياد، وائل.
وبصوت نور، زوجة ابنه البكر،
وهي تنادي من قلب البيت،
كأنها تعزف نغمةً لا تتوقّف،
تُعيد للبيت نبضه كل صباح.
في البيت نفسه، كانت ابنته أمل،
بابتسامتها التي تُشبه الفرح،
حين يطلّ فجأة من وراء الغيم،
تُشاطر اختها الصغرى راوية الضحك والقصص،
والوقوف عند باب الشمس.
كانتا كأغنيتين قديمتين من إذاعة فلسطين،
نرددهما دون أن نملّ.
وشعرهما الأسود؟
كان يسرد حكايات الأميرات،
قبل أن نعرف للحزن اسمًا،
أو للغياب طعمًا.
كنتُ أحبّ ضحكة راجحة…
تلك الضحكة العفوية التي كانت تنفلت منها كما ينسكب ماء النبع من بين الصخور —
صافية، صادقة، ومُنعشة للروح.
وكنت أتأمّل تنانيرها الطويلة "المكسّيو"،
وكأنها تُحيك بها سِترًا لزمنٍ أجمل،
تُمشي فيها حياءها النبيل بين أزقّة البيرة.
يا إلهي، ما أطيب قلبها…
كانت تُشبه الخبز الساخن الخارج لتوّه من تنّور الطابون —
فيها دفء، وكرم، وطمأنينة لا تشترى.
وتمامًا كطيبتها، كان زوجها فايز،
بسيطًا كأغنية فِلّاحية،
وأنيقًا كقَدَرٍ حنون مرّ على الحارة
وترك فيها لمسة لا تُنسى.
وكان لأبو إياد… سخول!
نعم، تلك السخول التي تشبه الأحلام الريفية،
لا تُستبدل بخروف مهما غلا الثمن.
سخول جميلة، مدلّلة،
تُربّى كأبناء البيت تمامًا،
يُنادى عليها بأسمائها،
وتُحضَّر لها بقايا الفطور كأنها فردٌ من العائلة.
ولأبو إياد حاكورة…
تلك المساحة السحرية التي جعلنا منها ميدانًا لألعابنا،
نختبئ فيها ونعلن بداية معركة "الاستغماية"،
ومنها نمرّ خلسةً إلى متنزه البيرة،
وكأننا نعبر إلى عالمٍ موازٍ.
كم من مرّةٍ تربّصنا ببيت أمل من خلف شجرة السرو؟
نراقبه كأننا ننتظر أن تخرج منه سندريلا،
بفستانٍ أزرق وحذاء بلّوري.
وكان زوجها عماد عبد الفتاح كراكرة ، الطيّب اللبق،
يقف عند باب البلدية كأنه حارس المدينة النبيل،
نسلّم عليه بخجل الطفولة،
ونعتقد أنه أحد أعمدة البيرة التي لا تهتز ولا تتبدّل.
لقد كان ذلك البيت أكثر من عنوان…
كان مرآة المدينة،
ومسرح ذكرياتنا،
وسرّ الحنين الذي لا يشيخ.
أبو إياد، ذاك الجار النبيل،
ابن دير دبوان،
ووجه البيرة الدافئ الذي يحمل في عينيه دفء الحارة وصدق الزمن.
لم نكن نعرف أصله، ولا حتى نحتاج لذلك،
فقد كان بيروايَّ القلب واللهجة والمكان،
جزءًا من كل زاوية وكل حجر في أزقة الحي.
كنت أنا ومنال صديقة الطفولة انذاك نتسابق ببراءة الطفولة،
من تدخل داره أولًا،
ومن تحظى بفرصة أن تحمل في حضنها فايز الصغير،
حفيده الذي ورث اسمه وابتسامته الدافئة.
كنا نجرّ عربته الصغيرة بين الزقاق،
نمرّ فوق رصيف الحكايات،
متعلّمين من أبو إياد كيف تكون الطيبة صفة
لا تُشترى ولا تُباع، بل تُهدى بلا مقابل.
وفي كل عيد،
كنا نهرع نطرق باب دكانة أبو إياد بحماسةٍ لا تُقاوم،
لنشارك في لعبة "كشط الأرقام"،
حيث الأحلام تنسج أجنحتها بين أرقامٍ تُحجب تحت طبقة فضية.
كنا نتصوّر أنفسنا وأيدينا الصغيرة تمسك بخاتمٍ يلمع كأنه سحر،
أو سِنسال الجائزة الكبرى الذي يُزيّن أعناق الأميرات في القصص.
لكن حظّي، يا للأسف، كان يُخيّب توقعاتي بخاتمٍ بلاستيكي براق لكنه بلا قيمة،
كأنه وعدٌ مُنقرض.
كنت أغضب، وأُعلنها مقاطعةً للدكاكين،
ألوّح بتمرد طفوليّ،
ثم أتحوّل سريعًا إلى دكانة أبو الرائد قرب المقبرة،
حيث أشتري باربيًّا رخيصًا بثمن زهيد،
وأحلم أن أحصل على باربي حقيقية بأثوابٍ تُبدّل وتُغني القصص التي تُروى لي في الخيال.
لكن باربي الحقيقية كانت بـ40 شيكلاً،
وأنا لا أملك سوى شيكل ونصف...
وأنا أتمتم مرّةً بين نفسي:
"ويحك يا مالك مكتبة جعفر، كيف بعت الباربي بهذا الثمن؟
ألم ترَ قلبي وهو ينكسر مع كل نظرةٍ حزينة أرسلها من وراء زجاج بابك؟"
تلك اللحظات، رغم بساطتها،
كانت تُحفر في قلبي كأنها أعمق دروس الحياة،
بين لعبة وألم، وحلمٍ لا يزال ينتظر بريقه الحقيقي ليُطل على الطفولة من جديد.
ثم يأتي عيد الأضحى،
وأراه واقفًا أمام بيته،
كأنه يعانق قدسية اللحظة،
يحمل السكين بيدٍ ثابتة،
يلتقط أجمل السخول ليُضحّي بها بكل هدوء.
كنت أنظر في عيون تلك السخول قبل أن تسير نحو النهاية...
هل كانت تحلم؟ هل كانت تعرف أن القطيع سيظل يسأل عنها بعد رحيلها؟
كنت أهرب بعيدًا، أُخفي وجعي عن زقاق الحارة،
لا أحتمل رؤية الدماء تنزف في براءة.
لكن بعد ساعة، يصلنا اللحم،
وتبدأ أمي -رحمها الله- بإعداد المنسف،
طبقنا التقليدي في اليوم التالي.
أنا وأختي آية، نتمارض،
نُعلن أننا لا نحب اللحم،
ربما لأننا رأينا في تلك العيون المذبوحة انعكاس وجوهنا،
وحكاياتنا الصغيرة التي لم تستطع البقاء على قيد الحياة
بين خفقات الفرح وأصوات الحزن المختبئ خلف أبواب الحارة.
......
كنت أتحدث مع أخي موسى في بلد الاغتراب،
وسألته كيف هو عيد الأضحى في أمريكا؟
قال لي بصوت يحمل حنينًا: "بلا لون."
فقلت له: وماذا عن الأضحية؟
فأجاب: "لا أخفي عليك،الأضحية هناك ليست كالأضحية في أرضنا،
لأنها لم تأكل من حشائش الأرض المقدسة."
قلت له: أتذكر سخول أبو إياد؟
فقال: "إنه أطيب جار عرفته."
ثم سألني عن ذكريات الطفولة:
الكرز الأحمر الذي كان يملأ يديّ،
والتين والمشمش، تلك الثمار التي كانت تحمل بين نكهتها دفءَ الحارة وحكاياها.
حدثني عن ابنه إياد،
ذلك الذي يمضي أيامه بين الأدوات الصحية،
لكنه لا يغفل عن مساعدة أبناء الحارة،
بأفعال بسيطة، بلا مقابل،
كأنه ينسج من العطاء خيوطًا من الوفاء.
ضحكتُ حين عاد بي صوت الذكرى إلى الأرنب الأبيض،
ذاك الذي ذبحه لنا أبو إياد،
ووضع والدي دمه على وجهي الصغير قائلاً:
"سيختفي النمش البني من وجهك الآن."
ركضتُ فرحًا، ألوح بيديّ وأضحك،
أركض مثل مهرجٍ غارقٍ في ألوان الدم،
آه يا أبي، لم يختفِ النمش من وجهي،
فمن ذلك اللعين الذي أعطاك وصفة قتل الأرنب؟!
أبو إياد الدبواني، رجل الظل في حارتنا،
أريد أن أقول لك اليوم شكراً من القلب،
شكراً لتلك السخول التي حملت دفء الحياة،
وشكراً لأنك كنت ولا تزال تسكن البيوت القديمة،
تحيي فيها الحياة رغم خلوّ الكثير منها من أهلها.
شكراً لأنك حارس الذكريات وأمينها،
وشكراً لأنك كنت جزءاً لا يتجزأ من مدينة البيرة،
وحارس الظل الذي لا يغيب عن أزقتها.



