الكاتبة : سناء شخشير
حين تطلق الرصاصة صوتها، تظن أنها قالت الكلمة الاخيرة. لكن التاريخ، في منطقه العميق، يعرف ان ما يكتب بالعنف لا يدوم، وان ما يصاغ بالكلمة يبقى ،الرصاصة حدث عابر والقصيدة وعي يتراكم، وسردية تتشكل، وذاكرة تعيد تعريف الزمن.
في عالم يعلو فيه ضجيج رصاص القوة ، يبرز سؤال قديم متجدد: ايهما ابقى، الرصاصة ام القصيدة ؟ الرصاصة سريعة وحاسمة، تخترق الجسد وتفرض واقعا آنيا، لكنها تظل اسيرة اللحظة ، في المقابل، تتحرك القصيدة في فضاء ابعد من الحدث، تدخل في بنية الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل الادراك والمعنى وهنا يتقاطع السياسي مع الثقافي، ويتحول الصراع من مجرد مواجهة الى صراع على الرواية والتمثيل والرمزية.
الرصاصة تعبير عن القوة الصلبة، عن فعل مباشر ينتمي الى منطق الهيمنة، بينما القصيدة تنتمي الى القوة الناعمة، الى ما يسميه الفلاسفة “سلطة المعنى”، حيث لا يكون التأثير في الجسد بل في الوعي. ومن هذا المنظور، لا تعود القصيدة مجرد نص ادبي، بل تصبح ممارسة ثقافية مقاومة، تعيد انتاج الحقيقة في مواجهة محاولات الطمس والتشويه .
في التجربة الفلسطينية، لم تكن المواجهة يوما محصورة في بعدها المقاوم لسياسات الاحتلال ، بل كانت ايضا معركة سرديات بامتياز. حاول الاحتلال، عبر خطاباته وممارساته، اختزال الانسان الفلسطيني في رقم، والارض في جغرافيا بلا روح ، غير ان القصيدة الفلسطينية تدخلت بوصفها خطابا مضادا، يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني والعربي كقيمة، وللمكان كهوية، وللتاريخ كسردية مفتوحة على المستقبل.
ولم يكن الشعر في هذا السياق ترفا ثقافيا، بل ضرورة وجودية. في ظل ما يسميه بعض المفكرين “العنف الرمزي”، حيث يتم تشويه الحقيقة واعادة انتاجها وفق موازين القوة، جاءت القصيدة كفعل مقاوم يعيد التوازن للمعنى ولقد حمل الشعراء الفلسطينيون عبء الذاكرة، وحولوا المعاناة الى نص، والنص الى وعي، والوعي الى حالة جمعية تعزز الصمود.
القصيدة هنا لا تنافس الرصاصة في مجالها، بل تتجاوزها ، فهي لا توقف الحدث العنيف، لكنها تمنع تحوله الى نسيان وهذا ما يمنحها بعدها الفلسفي فهي تقف في مواجهة العدمية، وتؤكد ان للانسان قدرة دائمة على اعادة انتاج المعنى، حتى في اكثر اللحظات قسوة وبهذا المعنى، تصبح القصيدة شكلا من اشكال المقاومة الوجودية، حيث يكون الحفاظ على السردية شكلا من اشكال البقاء.
لقد لعبت القصيدة دورا محوريا أجتماعيا في ترميم النسيج الجمعي، خاصة في ظل التشتت والانقسام وشكلت مساحة مشتركة للوجدان، واعادت تعريف الانتماء بوصفه تجربة وجودية وشعورية وثقافية ، لا مجرد علاقة جغرافية. حتى على المستوى العاطفي منحت الناس لغة للتعبير عن الفقد، وحافظت على حضور الحب كقيمة انسانية في وجه محاولات التجريد والقسوة.
في المقابل، تبقى الرصاصة فعلا محدودا بإطاره الزمني والمكاني. قد تفرض صمتا، لكنها لا تستطيع ان تبني خطابا، ولا ان تؤسس لمعنى مستدام وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الفعلين الرصاصة تشتغل في مستوى الحدث، اما القصيدة فتشتغل في مستوى التاريخ. الرصاصة تنهي لحظة، اما القصيدة فتفتح زمنا.
ان القضية التي لا تروى، تصبح عرضة لاعادة التشكيل وفق روايات الاخر والنضال الذي لا يمتلك لغته الانسانية، يفقد بعده الاخلاقي ، من هنا، يصبح الشعر ليس فقط تعبيرا، بل ضرورة سياسية وثقافية وعلمية وفكرية ونضالية ، لانه يحمي السردية من الاختطاف، ويمنحها شرعيتها في الوعي العالمي المتقلب.
في النهاية، قد تمر الرصاصة وتترك اثرها، لكنها تظل لحظة في سجل الزمن.، اما القصيدة ، فتبقى كأثر ممتد ، كذاكرة حية ، وكحقيقة يعاد كتابتها كلما حاول النسيان ان ينتصر ولهذا، كلما اعتقدت القوة انها حسمت المعركة، كانت الكلمة تعود لتعلن ان الحكاية لم تنته بعد .



